التداعيات الاقتصادية لانتشار فيروس كورونا
بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي
بسم الله الرحمن الرحيم
لم تقتصر عواقب فيروس كورونا على الأضرار الصحية ولكنها امتدت أيضاً إلى كل المجالات، ومنها الاقتصاد، حيث تأثر الاقتصاد العالمي بشكل كبير بالانتشار السريع لهذا الفيروس، بسبب ارتباط الاقتصاد بكل مجالات الحياة من جهة، وبسبب الارتباط الوثيق بين الاقتصاد العالمي والاقتصاد الصيني من جهة أخرى، مما يجعل أي هزات يتعرض لها هذا الأخير ستكون لها تبعات عالمية خطيرة.
ولأن الاقتصاد العالمي يعاني أصلا من نقاط ضعف قبل الأزمة المالية لسنة 2008 وبعدها، حيث أصبح العالم مثقلا بالديون بشكل كبير أكثر مما كان عليه الحال حين اندلعت الأزمة المالية الأخيرة. فإن هذا النوع من الاقتصاد مهدد بإحداث عدوى مالية في الاقتصاد العالمي، وبتداعيات خطيرة، وهذه بعض التداعيات الاقتصادية ألولية، مصنفة حسب القطاعات:
– أولا: الصناعة:
تضررت الصناعات بشكل مباشر من انتشار كورونا، وشملت على الخصوص الشركات الكبرى في قطاعات السيارات والفنادق والترفيه والنقل، مع تراكم الديون لدى هذه الشركات، ثم قطاع النفط الذي يعتبر الأكثر تأثرا. ومثال ذلك؛
“توجد شركات “الزومبي” (وهي شركات تعيش على الديون)، في سوق ديون الشركات التي تبلغ قيمتها 16 تريليون دولار أميركي”.
– ثانيا: التجارة والمديونية؛
الأكثر تضررا في هذا القطاع هي: تحويلات العملة الصعبة، والارتهان للمبادلات التجارية، وتراكم الديون وقد تحولت أضخم الديون وأخطرها من تداعياتها على العائلات والبنوك في العالم، وفي الولايات المتحدة بشكل أكبر، لأنها “كانت مقيدة من قبل الجهات التنظيمية بعد الأزمة، لتصل إلى الشركات في مختلف أنحاء العالم”. (حسب تقرير للكاتب والمستثمر الهندي روتشير شارما). أما قطاع النقل، وإن كان يرتبط بالتجارة، إلا أنه عرف أزمة حادة (قطارات فارغة ومطارات مهجورة ومطاعم الطرقات شبه الفارغة)، فكان له تأثير كبير على جل القطاعات الحيوية.
وفي الوقت الذي تتعامل فيه الشركات مع وضع يُحتمل فيه حدوث توقف مفاجئ لتدفقاتها النقدية، سيكون جيل جديد من الشركات التي تكافح لسداد القروض المتخلدة بذمتها أشد تأثرا بهذه الأزمة، على غرار شركات “الزومبي” السالفة الذكر.
– ثالثا: الفلاحـة؛
أحدثت أزمة فيروس كورونا المستجد في عدد من الدول نقصا حــادا في المواد الغذائية ومشاكل الإمدادات من الخارج على بعض المواد الغذائية المستوردة، وزيادات كبيرة في الطلب على منتجات فلاحية معينة، إضافة إلى مشاكل في التوظيف في صناعة المواد الغذائية، وعدم السماح لعمال الفلاحة الموسميين الأجانب بالدخول إلى الدولة.
– رابعا: القطاع السياحي:
تصنف السياحة من بين أكثر القطاعات المتضررة من الوباء خصوصاً بعد قيود السفر التي تفرض على بلدان معينة وينعكس ذلك سلباً وبشكل مباشر على فرنسا وإسبانيا، ففرنسا مثلا تستقبل أكثر من 80 مليون سائح أجنبي سنوياً.
ومن الأضرار التي لحقت السياحة مثلا:
* إلغاء آلاف رحلات الطيران؛ من وإلى البلدان التي شهدت تفشياً واسعاً للفيروس.
* خسرت عدد من الفنادق نسبة مهمة من حجوزاتها التي تم إلغاؤها.
* إغلاق المطاعم والمحلات التجارية بسبب منع التجمعات، والتي قد تصل إلى أكثر من ألف شخص في الأماكن المغلقة، وألغيت بعد ذلك العديد من الحفلات الموسيقية.
* إغلاق المتاحف: بسبب إغلاق المتاحف الأكثر زيارة لعدة أيام بسبب قلق الموظفين من الأعداد الكبيرة التي تزور المتحف يومياً والتي يشكل فيها السياح الصينيون القسم الأكبر. وكذلك الأمر بالنسبة للمعالم السياحية التي شهدت تراجعاً كبيرا في الإقبال.
إضافة إلى إلغاء العديد من المؤتمرات، كل هذا سيؤثر كثيرا على القطاع السياحي.
– خامسا: مداخل الرياضة:
إن التوقّف الاضطراري للبطولات المحلية، وجميع البطولات الأوروبية والعالمية الكبرى، إلى جانب تأجيل “كوبا أمريكا” و”كأس أمم أوروبا”، سينعكس سلبا على العائدات المالية للدولة وللجامعات المحلية، والأندية. كما تسبب هذا التوقّف الاضطراري في تزايد البطالة الكروية لعدد كبير من اللاعبين والفنيين والتقنيين والإطارات والأعوان ذوي العلاقة بالقطاع الرياضي. إضافة إلى توقف كثير من المشاريع الاقتصادية المعلقة بكرة القدم خاصة، عبر العالم الذي سيؤخر جاهزيتها إلى أشهر إضافية.
وبالنسبة للألعاب الأولمبية، فإن اللجنة تدرس حاليا، إمكانية إلغاء الألعاب المقرّرة السنة الحالية. أما مسألة عقود اللاعبين، التي تنتهي أغلبها في شهر يونيو بين الأندية وبعض اللاعبين، فستخلف مشاكل حقيقية بينهم وبين الأندية المتعاقد معها، لأن الأمر مستجد وغير متوقع، وبالتالي لم تتم الإشارة إليه في العقود.
– سادسا: عائدات النفط؛
تراجعت عائدات النفط بشكل خطير، ودول الخليج على وجه الخصوص ستكون على رأس قائمة المتضررين، فالبترول الخليجي والسعودي بشكل خاص يستورد منه الصينيون كميات كبيرة، الأمر الذي يجعل انخفاض الطلب على البترول من قبل الصينيين يسهم إسهامًا جوهريًا في انخفاض سعره عل الصعيد العالمي، وبالتالي تضرر الدول المنتجة والمصدرة للنفط.
– سابعا: استنزاف ميزانية الدولة؛
وذلك من أجل:
* تصنيع أو استيراد المواد الصحية والخاصة بهذا الوباء، للاستشفاء والوقاية والحد من انتشار المرض، وكذلك أجهزة ومواد التعقيم.
* التدخل على مستوى الميزانية لدعم الشركات المتضررة من الوباء.
* إحداث صندوق خاص بدعم الأشخاص المتضررين، ودعم المقاولات والشركات المتضررة من الركود الاقتصادي المتوقع.
* تراجع الدخل الضريبي من جـل القطاعات.
* مصاريف كثيرة غير متوقعة، والتي تتطلب تدخل الدولة:
وهنا لابد أن تكون كل دولة واضحة مع مواطنيها، وأن تقدم المعطيات الواضحة والدراسات والتحاليل المحايدة والمعقولة، أن تكون لها الجرأة السياسية اللازمة للتعامل مع هذا الوضع، فالصين مثلا؛ كانت واضحة عندما كشفت عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي سببها كورونا، فأعلنت عن خسائر اقتصادية غير مسبوقة بمئات المليارات في البورصة، وحالة الشلل التي أصابت مصانعها وأسواقها وشوارعها ومحلاتها، كما صرّح البنك المركزي الصيني أنه رصد 173 مليار دولار لجهود محاربة الفيروس، وهي ميزانية قد تفوق ميزانية الحرب العسكرية التي دخلتها الدولة.
خــاتمـة:
ليس من السهل التنبؤ بحجم الخسائر الاقتصادية التي ستتكبدها كل دولة. فكلما طالت مدة وباء كورونا، زاد الوضع تعقيدا، وزاد احتمال حدوث أزمة مالية، ولا سيما في ظل تخلّف شركات كبرى، مثل “الزومبي”، عن سداد ديونها مثلما حدث خلال أزمة الرهن العقاري الخطيرة التي ظهرت عام 2008. لأن هذه الشركات بالخصوص عاجزة عن دفع أقساط الفائدة على ديونها.
وبالنسبة للمغرب ظهرت أزمات وتبعات انتشار هذا الفيروس تدريجيا على الاقتصاد المغربي، الذي يعتمد بشكل كبير على السياحة الأجنبية الوافدة، فقد قال الأستاذ أحمد الحليمي، رئيس المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية مكلفة بالإحصاء)، إنه؛ “يتوقع تراجع نمو الاقتصاد المغربي لأدنى مستوى منذ 20 عاما، بسبب الجفاف، وانتشار فيروس كورونا”. وأضاف الحليمي في تصريح ل”وكالة بلومبيرغ الاقتصادية”: “إن مندوبية التخطيط ستخفض توقعاتها لمعدل نمو الاقتصاد المغربي لعام 2020 بنسبة الثلث، إلى 2.2 بالمئة”.
كما أن وضعية تبعية الاقتصاد المغربي للخارج، سواء تعلق الأمر بتحويلات العملة الصعبة، أو المديونية، أو الارتهان للمبادلات التجارية، وغيرها، سيجعل بلدنا الحبيب أمام امتحان صعب خلال هذه السنة.
إن الدولة المغربية مطالبة بأن تكون واضحة مع الشعب، من حيث المعطيات المتعلقة بهذا الوباء، وموارد الدولة، والتدابير المالية والاقتصادية المتخذة.
كما يجب عليها أن تبحث، أكثر من أي وقت مضى، بجدية عن سبل تحقيق الاستقلالية للاقتصاد المحلي، بدل التبعية للخارج، وأن تشجع الشباب والمقاولات على الاستثمار بلد إغراقهم في الديون.
هذا وستستمر الأزمة الاقتصادية في عدد من الدول لسنوات بعد انتهاء من هذا الوباء، سأناقشها في مقالات في مستقبل الأيام، إن شاء الله تعالى. ولله الأمر من قبل ومن بعد.