سنتحدث إن شاء الله في هذا المقال عن التطليق بسبب الغيبة مع الإخلال بالنفقة، فسنستعرض بداية دلالة بعض المصطلحات لنسترسل بعد ذلك في الحديث عن الغيبة.
تنص المادة 122 من مدونة الأسرة أن من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين المساكنة الشرعية، بما تستوجبه من معاشرة زوجية، مع ما تقتضيه كذلك هذه المعاشرة من استمتاع جنسي، غير أنه قد يقع الإخلال بهذا الحق بسبب غياب الزوج مدة لا تتحمل معها الزوجة الصبر عادة، لأنه أصبح من الظواهر الجديدة على مجتمعنا ظاهرة هجرة الأزواج داخل المغرب (من مدينة إلى أخرى)، أو من المغرب إلى الخارج (فرنسا، إيطاليا، إسبانيا …) بحثا عن لقمة عيش مع انقطاع أخبارهم لمدة قد تطول، مما يعرض زوجاتهم لمشاكل نفسية ومادية واجتماعية لا حصر لها. فإذا غاب الزوج غيبة طويلة دون عذر مشروع، يمكن لزوجته أن تطلب التطليق إلى المحكمة، سواء كان الزوج في غياب معلوم الحال أو مجهول لأن الزوجة قد تتضرر من هذه الغيبة ضررا يمكن أن يدفعها إلى الانحراف وارتكاب الفاحشة .
1. موقف الفقه الإسلامي من التطليق للغيبة:
اختلف الفقه الإسلامي اختلافا بيَنا، فمنعه كل من الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي، وقرر جوازه كل من الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل.
فذهب الحنفية والشافعية: إلى أن الغيبة لا تكون سببا للتفريق بين الرجل وزوجته وإن طالت، لانعدام ما يصلح أن يبنى التفريق بينهما.
وقال مالك وأحمد: يفرق بتضرر الزوجة من غياب الزوج، ولو ترك لها ما تحتاج اليه من نفقة مدة غيابه، وأدنى مدة تطلب الزوجة التفريق بعدها ستة أشهر عند الإمام أحمد، وثلاث سنوات عند الإمام مالك، وقيل سنة .
كما قرر الإمام مالك أن الغيبة تبيح طلب التطليق، سواء أكانت لعذر أم لغير عذر، بينما الإمام أحمد بن حنبل فقد ميز بين الغيبة التي تتم لعذر كالسفر من أجل التجارة أو من أجل تلقي العلم أو من أجل البحث عن مصدر الرزق، ولا تبيح التطليق مطلقا، والغيبة التي تتم لغير عذر وهي التي تسمح للزوجة برفع دعوى التطليق على زوجها الغائب .
والذين قالوا بالتفريق للغيبة اختلفوا في نوع الفرقة، فعند الحنابلة هي فسخ لا طلاق، وعند المالكية هي طلاق بائن .
2. موقف التشريع المغربي:
لقد سبق لمدونة الأحوال الشخصية الملغاة أن أخذت بالمذهب الحنبلي في هذا المجال، غير أن مدونة الأسرة قد رجعت للفقه المالكي، ونظمت أحكام التطليق للغيبة ضمن مقتضيات المواد 104 و105 و106 من مدونة الأسرة، حيث خصص المادتين الأولتين للتطليق للغيبة وإجراءاته القضائية، وخصص المادة الثالثة للتطليق لسجن الزوج، وهي حالة مستحدثة في القانون المغربي .
تنص المادة 104 من مدونة الأسرة على: ” إذا غاب الزوج عن زوجته مدة تزيد عن سنة، أمكن للزوجة طلب التطليق.
تتأكد المحكمة من هذه الغيبة ومدتها ومكانها بكل الوسائل.
تبلغ المحكمة الزوج المعروف العنوان مقال الدعوى للجواب عنه، مع إشعاره بأنه في حالة ثبوت الغيبة، ستحكم المحكمة بالتطليق إذا لم يحضر للإقامة مع زوجته أو لم ينقلها إليه.”
ومن نص المادة يتبين أنها سارت مسار الفقه المالكي وأنها حددت أمد الغيبة الموجبة للتطليق سنة فأكثر وهو المعتمد في الفقه المالكي على القول المشهور، وعلى المحكمة أن تتأكد منها ومن مدتها ومكانها بكل وسائل الإثبات الممكنة ، منها البحث بواسطة النيابة العامة أو الإعلان بإحدى وسائل الاتصال المسموعة والمكتوبة.
والغيبة التي تجب التطليق توجب التطليق بعد انصرام سنة هي غيبة مطلقة سواء كانت بعذر أو بغير عذر، لأن العبرة بما تلحقه الغيبة للزوجة من أضرار بسبب بعد الزوج عنها حتى ولو ترك لها مالا تنفق منه.
ومسطرة التطليق للغيبة تتم بتبليغ مقال الدعوى إلى الزوج المعلوم العنوان، واعذاره بضرورة الحضور للإقامة مع زوجته أو نقلها إلى المكان الذي يقيم فيه، مشعرة إياه بأنها إذا لم يحضر أو لم يصحبها للإقامة معه بعد انصرام الأجل الذي تحدده له المحكمة فإنها ستبت في طلب التطليق.
أما إذا كان الزوج الغائب مجهول العنوان فإن المحكمة تتخذ بمساعدة النيابة العامة جميع الإجراءات التي تراها مناسبة لتبليغ دعوى الزوجة إليه، ومنها البحث بواسطة الضابطة القضائية والسلطة المحلية في كل مكان يتوقع وجوده فيه، ونشر ملخص الدعوى بواسطة جريدة يومية، وإعلانه عبر أمواج الإذاعة الوطنية، وحتى التلفزة، وبعض الوسائل الحديثة إن اقتضى الأمر ذلك، وتعيين قيم عنه، حتى يتأتى له إبداء رأيه في الدعوى المقامة ضده قبل إصدار الحكم بالتطليق الذي يعتبر نهائيا في الموضوع، فإن لم يحضر – رغم ذلك – لدى المحكمة قضت بتطليق زوجته منه طلقة بائنة ، وهذا ما أشارت إليه المادة 105 من مدونة الأسرة قائلة: “إذا كان الغائب مجهول العنوان، اتخذت المحكمة بمساعدة النيابة العامة، ما تراه من إجراءات تساعد على تبليغ دعوى الزوجة إليه، بما في ذلك تعيين قيم عنه، فإن لم يحضر طلقتها عليه.”
خاتمة :
إن إخلال الزوج بترك حق من حقوقه التي يستوجب عليه مبادلتها مع زوجته في المساكنة والمعاشرة والاستمتاع بغيابه عنها مدة قد لا تتحملها الزوجة عادة يؤدي بالزوجة إلى طلب تطليقها من المحكمة بدعوى التطليق للشقاق.