منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعنى الإلهي واللغة البشرية: كيف يتكلَّم اللامحدود بلسان المحدود؟

يحي عباسي بن أحمد – الجزائر

0

المعنى الإلهي واللغة البشرية: كيف يتكلَّم اللامحدود بلسان المحدود؟

يحي عباسي بن أحمد – الجزائر

المقدّمة:

من دهشة الحروف إلى سؤال المعنى

أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ…

لا بُدَّ أنّك تعرف هذه الحروف!

نعم، هي أبجديّة اللسان العربيّ، لا يهمّ ترتيبها ألفبائيًّا أو أبجديًّا أو صوتيًّا؛

المهمّ أنّ هذه الحروف تشكّل ما يقارب (12,302,912) كلمة، أي أنّها الأوسع والأغزر، وهذا بدون تكرار!

لقد قمتُ بعمليّةٍ حسابيّةٍ من نوع الاحتمالات:

كم يمكن أن تُنتج هذه الحروف من جملٍ تتكوّن من خمس كلمات فقط؟

فكانت النتيجة مذهلة: 2,930,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000

أي: اثنان أوندشليون وثلاثمائة ديسليون!

وللتوضيح:

المليون = 10⁶،

المليار = 10⁹،

التريليون = 10¹²،

الكوادريليون = 10¹⁵،

الكوينتيليون = 10¹⁸،

السكستيليون = 10²¹،

السبتيليون = 10²⁴،

الأوكتيليون = 10²⁷،

النونيلليون = 10³⁰،

الديسيلليون = 10³³،

الأوندشليون = 10³⁶.

حتى إذا حَذَفْنا الديسيلليونات مفترضين أنّها جملٌ غير مفيدة،

وأبقينا على الرقم2,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000، فإنّ ما يبقى رقمٌ ضخمٌ مدهش.

هذا هو اللسان العربيّ: قوّة، واتّساع، وجمال.

من الحروف إلى الكلمة: معجزة الاتساع في المحدود

لم نَنتهِ بعد!

فعدد حروف القرآن الكريم (323,015) حرفًا، وعدد كلماته (77,439) كلمة.

أي أنّ نسبة كلمات القرآن إلى كلمات العربيّة لا تتجاوز 0.63% فقط.

ورغم هذه النسبة الضئيلة، استطاع القرآن أن يخترق حُجُب اللانهاية أفقيًّا وعموديًّا وعمقًا، وأن يُوقِفَ البشر حيارى أمام نظمه، غير قادرين على مجاراته أو الإتيان بمثله، مع أنّهم رُخِّصوا في التحدّي بالنَّظم دون الالتزام بالإخبار أو التشريع أو القصص.

فما السرّ؟

كيف لكلماتٍ محدودةٍ أن تحتوي معانيَ لامتناهية؟

وكيف للمتناهي أن يُعبِّر عن اللامتناهي؟

هنا تبدأ دهشتي الأولى، وتبدأ رحلة السؤال عن المعنى الإلهيّ في اللغة البشريّة.

بين “الإعجاز” و“الحال الإلهيّ”: مراجعة المفهوم السائد

حين يُقال إنّ القرآن معجز، فكأنّنا نقول إنّ الله أعجز الإنسان عن مجاراته.

لكنّ الإعجاز – بهذا المعنى – يصطدم بحقيقةٍ قرآنيّةٍ عميقة: أنّ الله خلق الإنسان ضعيفًا، هلوعًا، جزوعًا، كفورًا، ظلومًا، جهولًا.

فهل يُعقل أن يُعجز مَن يعلم ضعفَه؟

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾[1]

الله لا يُريد أن يُعجِزنا، بل أن يُهدينا.

الإعجاز إذًا ليس فعلَ التحدّي، بل حالَ الوصل.

هو الحالة التي يدخل فيها الإنسان حين يلتقي بالمعنى الإلهيّ في اللغة.

أمّا من يريد أن يُعجِز ربَّه، فهو الإنسانُ نفسُه، كما قال تعالى : ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾[2]

﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾[3]

﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾[4]

كلّ هذه الآيات تؤكّد أنّ الإنسان هو من يتوهّم القدرة على إعجاز الله،

بينما الله يريد الهداية لا العجز.

إذن فالإعجاز، بمعناه الوجوديّ، هو التحقّق بالهداية لا بالقدرة.

 من اللغة إلى الوحي: كيف يتجلّى اللامتناهي في المتناهي؟

العربيّة لغةٌ تحتمل الاحتمال، تتكوّن من وحداتٍ محدودةٍ (الحروف)، لكنّها قادرةٌ على توليد ملايين الإمكانات الدلاليّة.

حين نُسقِط هذه الحقيقة على القرآن، ندرك أنّ المعجزة ليست في البنية اللفظيّة، بل في التحوّل الذي أحدثه الوحي في طبيعة اللغة نفسها.

فالكلمة القرآنية لم تعد صوتًا يُقال، بل نَفَسًا إلهيًّا يُتلى.

كما قال ابن عربي: “الكلمة الإلهيّة لا تُحيط بها عبارة، لأنّها تُفيض على كلّ عبارةٍ معنى جديدًا”[5] فاللغة التي كانت بشريةً في أصلها، صارت في لحظة الوحي رحميّةً إلهيّةً، تلد المعنى ولا تنفد.

وهنا يتحقّق قوله تعالى:

﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾[6]

 المعنى بين الخلق والأمر

من هنا نفهم أنّ اللغة البشريّة جزءٌ من العالَم المخلوق، لكنّ المعنى القرآنيّ ينتمي إلى عالم الأمر.

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾[7]

وحين يلتقي الخلق بالأمر، تولد الآية.

فالآية ليست جملةً لغويّة، بل حدثٌ وجوديّ يجمع بين الخلق (الحروف) والأمر (الوحي).

ومن هذا الالتقاء، يصبح اللسان البشريّ قادرًا على حمل المعنى الإلهيّ دون أن يذوب فيه،

كالمصباح الذي يضيء دون أن يحترق.

 الخاتمة: حين تنطق الحروف بالحقّ

إنّ اللسان العربيّ – بما فيه من ثراءٍ ومرونةٍ ودهشةٍ – لم يكن مجرّد وعاءٍ للقرآن، بل كان أرضًا نمت فيها الكلمة الإلهيّة.

فمن الحروف المحدودة وُلد الخطاب اللامحدود، ومن الصمت خرج البيان، ومن الضعف الإنسانيّ تجلّى المعنى الإلهيّ.

وكأنّ الحروف كانت قبل الوحي أصواتًا جامدة، فلمّا مسّها الأمرُ الإلهيّ، صارت أنفاسًا تنطق بالحقّ.

وهكذا يصبح القرآن حدثًا لغويًّا ووجوديًّا في آنٍ واحد:

يتجلّى فيه الله من خلال اللغة، ويتطهّر الإنسان بالعودة إلى مصدر الكلمة الأولى.


[1] النساء: 28

[2] العنكبوت: 22

[3] الأنعام: 134

[4] التوبة: 2

[5] ابن عربي، الفتوحات المكيّة، جـ2، صـ141

[6] الكهف: 109

[7] الأعراف: 54

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.