التمييز بين المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية ومكملاتها
بقلم: دة.جهاد إسماعيلي
فإن هذا المقال سيروم تسليط الضوء على مسألة من مسائل علم مقاصد الشريعة وهي “التمييز بين الضروريات والحاجيات والتحسينيات ومكملاتها”.
فإذا كان الشيء عن الشيء يتميز بتعريفه وبيان سماته وخصائصه، فسنعمد بإذن الله تعالى إلى بيان كل رتبة من رتب المقاصد -الضرورية والحاجية والتحسينية- ليسهل التمييز إن شاء الله تعالى، ونختم بمكملات المقاصد الشرعية.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: “تَكَالِيفُ الشَّرِيعَةِ تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَقَاصِدِهَا فِي الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ لَا تَعْدُو ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ حَاجِيَّةً.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ تَحْسِينِيَّةً.
فَأَمَّا الضَّرُورِيَّةُ، فَمَعْنَاهَا أَنَّهَا لَا بُدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بِحَيْثُ إِذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بَلْ عَلَى فَسَادٍ وَتَهَارُجٍ (أي فتنة) وَفَوْتِ حَيَاةٍ، وَفِي الْأُخْرَى فَوْتُ النَّجَاةِ وَالنَّعِيمِ، وَالرُّجُوعُ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ”.
كيف نحفظ هذه المقاصد والمصالح الضرورية؟
يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله– “وَالْحِفْظُ لَهَا يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ.
وَالثَّانِي: مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الِاخْتِلَالَ الْوَاقِعَ أَوِ الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ.
فَأُصُولُ الْعِبَادَاتِ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ الدِّينِ مِنْ جانب الوجود، كالإيمان. وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَجِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَالْعَادَاتُ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ أَيْضًا، كَتَنَاوُلِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ، وَالْمَلْبُوسَاتِ، وَالْمَسْكُونَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
والْمُعَامَلَاتُ رَاجِعَةٌ إِلَى حِفْظِ النَّسْلِ وَالْمَالِ مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَإِلَى حِفْظِ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ أَيْضًا، لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْعَادَاتِ. وَالْجِنَايَاتُ- وَيَجْمَعُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عن المنكر- ترجع إلى حِفْظِ الْجَمِيعِ مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ.
وَالْعِبَادَاتُ وَالْعَادَاتُ قَدْ مُثِّلَتْ، وَالْمُعَامَلَاتُ مَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَصْلَحَةِ الْإِنْسَانِ مَعَ غَيْرِهِ، كَانْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، بِالْعَقْدِ عَلَى الرِّقَابِ أَوِ الْمَنَافِعِ أَوِ الْأَبْضَاعِ، وَالْجِنَايَاتُ مَا كَانَ عَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بِالْإِبْطَالِ، فَشُرِعَ فِيهَا مَا يَدْرَأُ ذَلِكَ الْإِبْطَالَ، وَيَتَلَافَى1 تِلْكَ الْمَصَالِحَ، كَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَّاتِ -لِلنَّفْسِ، وَالْحَدِّ- لِلْعَقْلِ2، وَتَضْمِينِ 3 قِيَمِ الْأَمْوَالِ- لِلنَّسْلِ وَالْقَطْعِ وَالتَّضْمِينِ- لِلْمَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
إذا “حفظ الشريعة للمصالح فيتم بوجهين يكمل أحدهما الآخر: حفظهما من جانب الوجود وحفظهما من جانب العدم وذلك من خلال ما يؤدي إلى إزالتهما أو إفسادها أو تعطيلها.
ومثال ذلك، حفظ الدين، من جانب الوجود تحقق حفظه العقائد الأساسية والعبادات الرئيسية (صلاة وزكاة)، أما من جانب العدم فيحفظ بالجهاد وقتل المرتدين ومنع الابتداع. فيما تؤدي أحكام العادات والمعاملات إلى حفظ بقية الضروريات من جانب الوجود وأحكام الجنايات تؤدي إلى حفظها في جانب العدم.”[1].
وَمَجْمُوعُ الضَّرُورِيَّاتِ خَمْسَةٌ، وَهِيَ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ، وَالْعَقْلِ، وَقَدْ قَالُوا: إِنَّهَا مُرَاعَاةٌ في كل ملة.
إذا فالمقاصد الضرورية هي تلك التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا وفي فقدانها اختلال ذلك، وعلى قدر فقدانها يكون الفساد والتعطيل في نظام الحياة. والمقاصد الضرورية تبث بالاستقراء أنها خمسة[2] هي الكليات الخمس التي ذكرناها.
وَأَمَّا الْحَاجِيَّاتُ، فَمَعْنَاهَا أَنَّهَا مُفْتَقَرٌ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ التَّوْسِعَةِ وَرَفْعِ الضِّيقِ الْمُؤَدِّي فِي الْغَالِبِ إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ اللَّاحِقَةِ بِفَوْتِ الْمَطْلُوبِ، فَإِذَا لم تراع دخل على الْمُكَلَّفِينَ- عَلَى الْجُمْلَةِ- الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ.
وَهِيَ جَارِيَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْعَادَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالْجِنَايَاتِ:
فَفِي الْعِبَادَاتِ: كَالرُّخَصِ الْمُخَفَّفَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى لحوق المشقة بالمرض وَالسَّفَرِ.
وَفِي الْعَادَاتِ كَإِبَاحَةِ الصَّيْدِ وَالتَّمَتُّعِ بِالطَّيِّبَاتِ مِمَّا هُوَ حَلَالٌ، مَأْكَلًا وَمَشْرَبًا وَمَلْبَسًا وَمَسْكَنًا وَمَرْكَبًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، كَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالسَّلَمِ، وَإِلْقَاءِ التَّوَابِعِ فِي الْعَقْدِ عَلَى المتبوعات، كمثرة الشَّجَرِ، وَمَالِ الْعَبْدِ.
وَفِي الْجِنَايَاتِ، كَالْحُكْمِ بِاللَّوْثِ، وَالتَّدْمِيَةِ، وَالْقَسَامَةِ، وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وعليه فالمقاصد الحاجية هي تلك التي يتحقق بها رفع الضيق والحرج عن حياة المكلفين[3].
وَأَمَّا التَّحْسِينَاتُ، فَمَعْنَاهَا الْأَخْذُ بِمَا يَلِيقُ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، وَتَجَنُّبُ الْمُدَنِّسَاتِ الَّتِي تَأْنَفُهَا الْعُقُولُ الرَّاجِحَاتُ، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ قِسْمُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَهِيَ جَارِيَةٌ فِيمَا جَرَتْ فِيهِ الْأُولَيَانِ:
فَفِي الْعِبَادَاتِ، كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ -وَبِالْجُمْلَةِ الطَّهَارَاتُ كُلُّهَا- وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَأَخْذِ الزِّينَةِ، وَالتَّقَرُّبِ بِنَوَافِلِ الْخَيْرَاتِ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَفِي الْعَادَاتِ، كَآدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمُجَانَبَةِ الْمَآكِلِ النَّجِسَاتِ وَالْمَشَارِبِ الْمُسْتَخْبَثَاتِ، وَالْإِسْرَافِ وَالْإِقْتَارِ فِي الْمُتَنَاوَلَاتِ.
وَفِي الْمُعَامَلَاتِ، كَالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ النَّجَاسَاتِ، وَفَضْلِ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ، وَسَلْبِ الْعَبْدِ مَنْصِبَ، الشَّهَادَةِ وَالْإِمَامَةِ، وَسَلْبِ الْمَرْأَةِ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ، وَإِنْكَاحَ نَفْسِهَا، وَطَلَبِ الْعِتْقِ وَتَوَابِعِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَفِي الْجِنَايَاتِ، كَمَنْعِ قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، أَوْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرُّهْبَانِ فِي الْجِهَادِ.
وَقَلِيلُ الْأَمْثِلَةِ يَدُلُّ عَلَى مَا سِوَاهَا مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهَا، فَهَذِهِ الْأُمُورُ رَاجِعَةٌ إِلَى مَحَاسِنَ زَائِدَةٍ عَلَى أَصْلِ الْمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ وَالْحَاجِيَّةِ، إِذْ لَيْسَ فِقْدَانُهَا بِمُخِلٍّ بِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ وَلَا حَاجِيٍّ، وإنما جرت مجرى التحسين والتزيين[4].
إذا فالمقاصد التحسينية كما يقول الأستاذ الريسوني: هي التي لا ترقى إلى الضرورية أو الحاجية ولكنها تتمم وتحسن تحصيلهما ومن ذلك محاسن العادات ومكارم الأخلاق والأداب[5].
والمصالح الضرورية الخمس المذكورة تعتبر أصول المصالح، أما المصالح الحاجية فهي مكملة للضرورية وكذا التحسينية فكل المصالح تدور في فلك الضروريات. وبيان ذلك أن الصلاة لها شروط ومكملات كالطهارة واستقبال القبلة إذا تعذر أحد الشروط وبقيت المكملات ضاع الأصل وهو الصلاة. ومنها كذلك البيوع ذلك أنه من شروط البيع انتفاء الغرر إلا أن هذا الشرط في بعض البيوع قد يكون متعدرا أو عسيرا وبالتالي نكون أمام أمرين إما تعطيل البيع وهو ضروري أو نمضي في البيع مع تقليل الغرر وهذا هو الصحيح حتى لا يتعطل البيع
فالشارع جعل المصالح يكمل بعضها بعضا ويخدم بعضها بعضا ولا ينبغي أن تستعمل في تعطيل بعضها البعض ولكنها موضوعة ليقوي بعضها بعضا.
وعلى هذا الأساس، نجد الشاطبي بعد أن قرر أن المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية فصل ذلك في خمسة قواعد أن:
1- الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي.
2- اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقيين بإطلاق.
3- لا يلزم من اختلال الباقيين اختلال الضروري.
4- قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما.
5- ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري.[6]
التمييز بين مراتب المقاصد:
فإذا تقرر لدينا ما سبق نستخلص الفروق والمميزات: فالضروريات يترتب على فقدها واختلالها فساد العالم واضطرابه. أما الحاجيات إذا فقدت لا يترتب على ذلك اختلال نظام الحياة، وإنما يترتب على فقدها وقوع الناس في الحرج والمشقة، في حين أن التحسينيات لا يختل بزوالها نظام الحياة ولا يحصل الحرج، بل يقع الناس في خوارم الأخلاق والطباع والمروءة.
مكملات المقاصد الشرعية وشرطها
المقاصد الشرعية شرعها الله لتكون مصلحة كاملة وتامة في الدنيا والآخرة؛ ولذلك شرع أحكامًا تعرف بالمكملات أو المتمِّمات أو التوابع، تكون متممة ومكملة لها. وتلك المكملات والمتممات وتشمل كافة المقاصد الضرورية والحاجية والتحسينية، والمقصود بالمكملات والمتممات:
– ما يكمل المصالح الضرورية؛ سواء كان مصالح حاجية أو مصالح تحسينية أو غيرها من المكملات.
– ما يكمل المصالح الحاجية، من مصالح تحسينية ومن غيرها من المكملات.
– ما يكمل المصالح التحسينية.
قال الإمام الغزالي رحمه الله: “فجميع المناسبات ترجع إلى رعاية أمر مقصود؛ إلا أن المقاصد تنقسم مراتبها:
فمنها: ما يقع في مرتبة الضرورات، ويلتحق بأذيالها ما هو تتمة وتكملة لها.
ومنها: ما يقع في مرتبة الحاجيات، ويلتحق بأذيالها ما هو تتمة وتكلمة لها.
ومنها: ما يقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة؛ ولكن تستفاد به رفاهية وسعة وسهولة، فيكون ذلك أيضًا مقصودًا في هذه الشريعة السمحة السهلة الحنيفيَّة. ويتعلق بأذيالها ولواحقها ما هو في حكم التحسين والتتمة لها. فتصير الرفاهية مهيأة بتكميلاتها[7].
وقال الشاطبي كذلك: “كل مرتبة من هذه المراتب ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة مما لو فرضنا فقده لم يخل بحكمته الأصلية”[8].
تعريف مكملات المقاصد
مكملات المقاصد: هي جملة الأحكام التي تجعل المصالح الضرورية والحاجية التحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها.
أقسام مكملات المقاصد
مكملات المقاصد ثلاثة أقسام:
– مكملات المقاصد الضرورية.
– مكملات المقاصد الحاجية.
– مكملات المقاصد التحسينية.
مكملات المقاصد الضرورية
وهي الأحكام التي تجعل المقاصد الضرورية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها، وهي تشمل: حفظ الدين والنفس والعقل النسل أو النسب والمال.
ويقصد بمكملات المقاصد الضرورية:
– المصالح الحاجية ومكملاتها.
– المصالح التحسينية ومكملاتها؛ لأن المصالح التحسينية مكملة للحاجية، والحاجية مكملة للمصالح الضرورية؛ فتكون التحسينية مكملة للضرورية؛ لأن المكمل للمكمل مكمل.
ومن أمثلتها:
-إظهار شعائر الدين وسننه ومستحباته ومظاهره المختلفة تتميمًا لحفظ الدِّين، وإكمالًا لظهوره وتمكينه في النفوس والواقع.
-المبالغة في حفظ العقل، بتحريم شرب القليل وإيجاب الحد فيه؛ فالقليل حُرِّم للتتميم والتكميل.
– مراعاة المماثلة في القصاص، تكميلًا لحفظ النفس؛ إذ يمكن للنفس أن تحفظ بمجرد القصاص، ولكن شرع التماثل، تحقيقًا لحفظها الكامل ودفعًا لما يمكن أن يحصل من تشفٍّ وثأر وتنكيل وغير ذلك.
– تحريم النظر إلى الأجنبية المقصود به الشهوة والتلذذ، وتحريم مسها والاختلاء بها تكميلًا لحفظ النسل والنسب والعرض.
مكملات المقاصد الحاجية
وهي الأحكام التي تجعل المصلحة الحاجية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها، ويقصد بها:
– المصالح التحسينية ومكملاتها.
– غير ذلك من المكملات والمتمات.
ومن أمثلتها:
– الجمع بين الصلاتين في السفر والمرض مشروع لتكملة الحاجة إلى التوسعة والتخفيف؛ فلو لم يشرع لم يُخَل بأصل التوسعة وذلك التخفيف.
– مراعاة الكفء ومهر المثل في الصغيرة؛ فإن مقصود النكاح يحصل بدونها، لكن اشتراط ذلك على سبيل تكميل النكاح من حيث تحقيق دوامه واستمراره، وتحصيل السكن والمودة والرحمة بين الزوجين.
مكملات المقاصد التحسينية
وهي الأحكام التي تجعل المصلحة التحسينية تامة وكاملة ومكتسبة على أحسن الوجوه وأفضلها.
ومن أمثلتها:
-التحلي بآداب قضاء الحاجة أو التخلي، ومندوبات الطهارة، كالبدء باليمين قبل الشمل، والتثليث في الغسل، وغير ذلك مما هو مشروع لتكميل المصالح التحسينية المتعلقة بأصل الطهارة.
– الإنفاق من طيبات المكاسب.
– الاختيار في الضحايا العقيقة.
شرط مكملات المقاصد الشرعية
مكملات المقاصد الشرعية هي -كما ذكرنا-: الأحكام التي تتم وتكمل تلك المصالحة الحقيقية؛ ولذلك اشترط أن لا تبطل أو تفوت أو تضيع هذه المصلحة بوجود ما يكملها ويتمها، وهذا الذي ذكره الشاطبي بقوله: “كل كلمة فلها -من حيث هي تكملة- شرط، وهو أن لا يود اعتبارها على الأصل بالإبطال؛ وذلك أن كل تكملة يفضي اعتبارها إلى رفض أصلهن فلا يصح اشتراطها عند ذلك؛ لوجهين:
أحدهما: أن في إبطال أصل إبطال للتكلمة؛ لأن الكلمة مع ما كلمته كالصفة مع الموصوف.
والثاني: أنا لو قدرنا تقديرًا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية، لكان حصول الأصلية أولى لا بينهما من التفاوت”[9].
وعليه يكون المكمل مع المصلحة الحقيقية كالفرع مع الأصل، أو الصفة مع موصوفها في لزوم التلازم والترابط والدوران والجريان معًا، إلا إذا خشي على الأصل من زواله بسبب الفرع، فيضحِّي عندئذ بالفرع محافظة على بقاء الأصل، أما إذا لم يعد الفرع على أصله بالإبطال، والمكمِّل -بالكسر- على المكمِّل -بالفتح- بالإبطال؛ فلا شك أن في الجمع بينهما تحقيقًا لأحسن المقاصد وأتمها، وجلبًا لأفضل التكليف وأكمله.
ومن أمثلة ذلك:
-حفظ حياة النفس ضروري، وتحريم النجاسات والقاذورات تحسيني، ويجوز تناول النجاسة من أجل إحياء النفس، إذا دعت الضرورة إلى ذلك، عملًا بأولية الأصل الضروري على التحسيني المكمل عند التعارض.
– حفظ النفس ضروري، وستر العورة تحسيني مكمل له، وشرط هذا المكمل أن لا يعود على أصل حفظ النفس بالإبطال؛ فلو دعت الضرورة إلى كشف العورة والنظر إليها بقصد العلاج، لحفظ النفس من الموت أو الهلاك، لجاز كشفها ولأبيحت التضحية بهذا المكمل من أجل بقاء الأصل الضروري[10].
خاتمة
المقاصد الثلاثة “الضرورية والحاجية والتحسينية” مرتبطة فيما بينها، وتخدم بعضها بعضًا، وتكمل بعضها بعضًا.
والمقاصد الضرورية هي أساس جميع المقاصد وقاعدتها الأولى، ثم تكون المقاصد الحاجية بعدها، ثم تكون المقاصد التحسينية أخيرًا، فالحاجيات مكملة للضروريات، والتحسينيات مكملة للحاجيات، والضروريات.
ولكل من الأنواع الثلاثة مكملات، تهدف بمجموعها إلى تحقيق مقاصد الشرع جميعها -كليًّا وجزئيًا- وتهدف إلى بناء الأمة المسلمة في سائر أحوالها وأمورها، العقدية، والتشريعية، والأخلاقية، والحضارية، بشكل عام.
ولذلك وجب التنبه لهذه الحقيقة المعتبرة في أثناء فهم الدين وتنزيله في الواقع المعيش، حتى لا يقع الخلل والاضطراب في بنيان التشريع ومنظومته، وفي مصالح الخلق، ومنافعهم الحقيقية الصحيحة في الدنيا والآخرة.
[1] https://raissouni.net/7252
[2] https://raissouni.net/7252
[3] https://raissouni.net/7252
[4] الموافقات المؤلف: إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790هـ). المحقق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. الناشر: دار ابن عفان. الطبعة: الطبعة الأولى 1417هـ/ 1997م. 2/17-24
[5] https://raissouni.net/7252
[6] https://raissouni.net/7252
[7] شفاء الغليل للغزالي: 161-162.
[8] الموافقات: 2/ 12.
[9] الموافقات 2/14
[10] علم المقاصد الشرعية لنور الدين بن مختار الخادمي. ص94-100.