نوازل خـاصة بالسفر (4)سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
الدكتور أحمد الإدريسي
نوازل خـاصة بالسفر (4)سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
بقلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
الأعذار المبيحة للفطر في رمضان(1) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
آداب الصيام وحُـرمة رمضان (2) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
مفسدات الصيام، وشُـبهات الصائم(3) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
أولا: شروط إفطار المسافر في رمضان:
اتّفق العلماء على شَرطَين لإفطار المسافر في رمضان، واختلفوا في شروط أخرى؛
أما الشرطان المتفق عليهما، فهما[1]:
- الأول: ألّا ينوي المسافر الإقامة في البلد التي سافَر إليها، واختلوا في مدّة الإقامة التي لا يصحّ للمسافر التّرخصّ بعدها. وخلاصة أقوالهم فيما يأتي:
– الشافعيّة، والمالكيّة: مدّة أربعة أيامٍ مع لياليها.
– الحنابلة: ما يزيد عن أربعة أيامٍ.
– الحنفيّة: خمسة عشر يوما.
- الثاني: أنْ يكون السّفر ممّا يجوز معه قصر الصلاة، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المسافة التي تقصر فيها الصلاة هي واحدٍ وثمانين كيلو متراً، والسّفر وإنْ كان مظنّةً للمشقّة عادة، إلا أنّ تحقّقها متفاوتٌ، لذا ربط التّشريع الرّخصة بالمسافة وليس بتحقّق المشقة، وبهذا قال الجمهور العلماء، وخالفهم بعض الحنفية.
أما الشروط المُختَلف فيها لإفطار المسافر في رمضان فهي:
1- اشترط الشافعيّة لجواز الإفطار في السفر ألّا يكون الشخص مُديم السفر، وهذا راي الشافعية، وإن كان السفر يُسبّب له مَشقّةً، فيجوز له الفطر[2]. كالمشقّة التي تُجيز التيمُّم، مثل الخوف على تلف عضوٍ من الأعضاء، أو طول مدّة المرض والمَشقّة.
2- يشترط لبدء إنهاء الصوم والبدء بالترخص بالفطر عند جمهور العلماء من الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة الشروع في السفر، ومُفارقة البلد قبل طلوع الفجر.
وخالفَهم الحنابلة، حيث قالوا بجواز الإفطار في رمضان للمسافر إن سافر في النهار إن كان السفر مُباحاً، إلّا أنّ الأولى إتمام الصيام[3].
3- أن يكون السفر في أمرٍ مباحٍ ليس فيه معصية، وهو رأي جمهور العلماء من الشافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة[4].
ثانيا: التفضيل بين إفطار رمضان وصيامه للمسافر.
اختلف الصحابة والتابعون والعلماء، رضي الله عن الجميع، في التفضيل بين الصيام والفِطْر في السفر، وذهبوا في ذلك إلى ثلاثة أقوال، أبينها كما يلي[5]:
القول الأول: أفضليّة الإفطار للمسافر في رمضان، قال به الحنابلة، وقال الخرقيّ باستحباب الفطر، ومن أدلتهم:
– عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّهُ ليسَ منَ البرِّ أن تَصوموا في السَّفرِ، وعليكُم برخصةِ اللَّهِ الَّتي رخَّصَ لَكُم فاقبَلوها)[6].
– عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ إلى مَكَّةَ في رَمَضَانَ فَصَامَ حتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بقَدَحٍ مِن مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فقِيلَ له بَعْدَ ذلكَ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قدْ صَامَ، فَقالَ: أُولَئِكَ العُصَاةُ، أُولَئِكَ العُصَاةُ) [7].
– عن جابر بن عبد الله قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: “ما هذا؟”، قالوا: هذا صائم، فقال: “ليس من البر الصوم في السفر”).
– عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره؛ (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر قال وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره).
– قال الإمام النووي: (قال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه؛ لظاهر الآية ولحديث؛ “ليس من البر الصيام في السفر”، وفي الحديث الآخر: “أولئك العصاة”، وذكر أن هذا محمول على من يجهده الصوم في السفر)[8].
القول الثاني: أفضليّة الصوم للمسافر في رمضان، إن لم يؤثّر فيه، أو يُضعف جسده. وإليه ذهب جمهور العلماء من الشافعيّة، والحنفيّة، والمالكيّة؛ وقد ذهب بعض الحنفيّة، والشافعيّة إلى استحباب صيام رمضان في السفر، واستدلّوا بعدّة أدلّةٍ، منها:
– عن أبي سعيد الخدريّ: (لقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ، مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بَعْدَ ذلكَ، في السَّفَرِ)[9].
– عن أبي الدرداء رضي الله عنه: (خَرَجْنَا مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في شَهْرِ رَمَضَانَ في حَرٍّ شَدِيدٍ، حتَّى إنْ كانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ علَى رَأْسِهِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ، وَما فِينَا صَائِمٌ، إلَّا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَعَبْدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ)[10].
– عن عاصم عن أنس: أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: من أفطر فبرخصة الله، ومن صام فالصوم أفضل.
– قال الإمام البغوي: (ذهب جماعة إلى أن الصوم أفضل، وهو قول أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص، وبه قال نخعي وسعيد بن جبير، وإليه ذهب ابن المبارك ومالك والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي)[11].
القول الثالث: التخيير بين الفطر والصوم؛
– عن عائشة: أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر -وكان يسرد الصوم- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن “شئت فصم وإن شئت فأفطر”.
– عن أبي مراوح، عن حمزة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا رسول الله! إني أسرد الصوم، فأصوم في السفر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما هي رخصة من الله لعباده، فمن فعلها فحسن جميل، ومن تركها فلا جناح عليه”. وكان أبو مراوح يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر.
– عن طلحة بن عمرو عن عطاء قال: من صام فحق أداه، ومن أفطر فرخصة أخذ بها.
– عن حجاج عن عطاء قال: هو تعليم وليس بعزم -يعني قول الله: «ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر»، إن شاء صام وإن شاء لم يصم.
– كان عروة بن الزبير يصوم الدهر، فيصوم في السفر والحضر، حتى إن كان ليمرض فلا يفطر.
– عن أبي سعيد قال: “كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم”.
ثالثا: نوازل متعلقة بالصيام في السفر.
1- ما حكم من أراد أن يُسافر ولم يُسافر؟
إذا أراد أن يُسافر ولم يُسافر إلا بعد طلوع الفجر أصبح صائما، ثم إذا سافر إن شاء أفطر، وإن شاء كمل صومه. من أراد القدوم من السفر صام حتى لا يقضي اليوم.
2- متى تنتهي رُخصة الفطر للمسافر؟
تنتهي رُخصة الإفطار للمسافر بانقطاع صفة السفر عنه؛ ويكون ذلك بدخول الموضع الذي يُطلَق عليه فيه مُقيماً، وتحقّق نيّة الإقامة، وذلك بشرط دخوله ذلك المكان قبل الفجر، حيث يجب على المسلم حينها العزم على النيّة وعقدها على الصيام إن شَهِد الفجر في مكان إقامته، إذ قال الله تعالى: “فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه”؛ البقرة:185)[12].
3- ما حكم من صام في بلد ثم سافر أثناء الشهر إلى بلد آخر كان قد تأخر يوما، أو تقدّم يوما، في دخول الشهر؟
– من انتقل من بلد تأخر فيه ثبوت الشهر إلى بلد تقدم ثبوت الشهر فيه فإنه يفطر معهم، ويقضي ما فاته من رمضان، إذا أفطر لثمانية وعشرين يوما فإنه يقضي يوماً واحداً إن كان ناقصاً فيهما أو في أحدهما، أو يقضي يومين إن كان الشهر تامًّا في البلدين.
– من انتقل من بلد تأخر فيه إفطار البلد الذي انتقل إليه فإنه يبقى صائما معهم حتى يفطروا؛ لأن الفطر يوم يفطر الناس، والصوم يوم يصوم الناس، والأضحى يوم يضحي الناس، وهذا وإن زاد عليه يوم، أو أكثر. فهو كما لو سافر إلى بلد تأخر فيه غروب الشمس، فإنه يبقى صائماً حتى تغرب، وإن زاد على اليوم المعتاد ساعتين، أو أكثر. والله أعلم.
خاتمة:
أختم بثلاثة آراء أجدها أقرب إلى زماننا، والله أعلم:
– رأي سيدنا عمر بن عبد العزيز:
عن أيوب قال: حدثنا عروة وسالم: أنهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أمير على المدينة فتذاكروا الصوم في السفر، قال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، وقال عروة: وكانت عائشة تصوم. فقال سالم: إنما أخذت عن ابن عمر، وقال عروة: إنما أخذت عن عائشة. حتى ارتفعت أصواتهما. فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم عفوا، إذا كان يسرا فصوموا، وإذا كان عسرا فأفطروا.
– رأي غلام سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه:
عن خيثمة قال: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر قال: قد أمرت غلامي أن يصوم فأبى، قلت: فأين هذه الآية: “ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر”؟ قال: “نزلت –يعني الآية- ونحن يومئذ نرتحل جياعا وننزل على غير شبع، وإنا اليوم نرتحل شباعا وننزل على شبع”.
– سئل مجاهد عن الصوم في السفر قال: “كان رسول الله ﷺ يصوم فيه ويفطر”. وقال: إنما هي رخصة، وأن تصوم رمضان أحب إلي.
– علق الإمام الطبري على مثل هذا الرأي، فقال رحمه الله:
(وهذا القول عندنا أولى بالصواب، لإجماع الجميع على أن مريضا لو صام شهر رمضان أن صومه ذلك مجزئ عنه، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر، فكان معلوما بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره. لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر، مثل الذي جعل من ذلك للمريض وأمر به من القضاء. ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها. وذلك قول الله تعالى ذكره: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”، ولا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدة من أيام أخر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه).
والحمد لله رب العالمين.
[1] – الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف. (دار الصفوة، مصر. الطبعة الأولى)، ج:28/ص:47.
[2] – عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة. (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية). ج:1 / ص:521-522.
[3] – عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة. (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية). ج:1 / ص:521-522.
[4] – وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته. (دار الفكر، سوريا. الطبعة الرابعة). ج:3 / ص:1695-1696.
[5] – يُنظر: مقال؛ “رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من آثار”، أحمد علي طه. مجلة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة الصفحة: 104-106. (ببعض تصرف).
[6] – رواه الإمام النسائي، في سننه، حديث رقم: 2257،
[7] – رواه الإمام مسلم، في صحيحه، حديث رقم: 1114،
[8] – الإمام النووي؛ شرح النووي على صحيح مسلم. كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية. ج:7 / ص:185.
[9] – رواه الإمام مسلم، في صحيحه، حديث رقم: 1120.
[10] – رواه الإمام مسلم، في صحيحه، حديث رقم: 1122.
[11] – الإمام البغوي؛ شرح السنة. (دار الفكر، طبعة: 1419هـ). ج:4 / ص:178.
[12] – يُنظر: مقال؛ “رخصة الفطر في سفر رمضان وما يترتب عليها من آثار”، أحمد علي طه. مجلة الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة الصفحة: 104-106. الصفحة: 127.