مفسدات الصيام، وشُـبهات الصائم(3) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
الدكتور أحمد الإدريسي
مفسدات الصيام، وشُـبهات الصائم(3) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
بقلم: الدكتور أحمد الإدريسي
الأعذار المبيحة للفطر في رمضان(1) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
آداب الصيام وحُـرمة رمضان (2) سلسلة فتاوى حول الصيام في رمضان؛
تنبيه؛ الاحتراز من شُـبهات الصائم:
رأينا في مقال قبل هذا مفسدات الصيام ومبطلاته، لكن هناك شُـبهات يجب أن ينتبه إليها المؤمن ويتحراها. ومن ذلك مضغ العلك، وأخذ الطيب، والمبالغة في استعمال معجون الأسنان وغيرها. ويجب على المؤمن أن يتجنبها ما أمكن، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “ومَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فقد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ”. وقوله عليه أفضل الصلاة السلام: “دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُك”.
أولا: نوازل خاصة باستعمال الأدوية.
الأمراض متنوعة والمريض أعلم بنفسه، وكل مرض يشق معه الصيام ويؤثر على المريض بزيادة المرض أو تأخر البرء، فإنه يجوز له الإفطار، بعد استشارة الطبيب. ومما يكثر السؤال عنه؛ حكم استعمال الأدوية في نهار رمضان، كالمراهم والحقن وقطرات الأنف والعين.
- هل الإبر المغذية تفطر؟
الجواب: الإبر المغذية تفطر الصائم إذا تعمد استعمالها.
أما الإبر العادية فلا تفطر الصائم، بشرط ألا يأخذها من الفم مباشرة.
- هل يؤثر غسيل الكلى على الصيام، وكذا تغيير الدم لمريض الكلى وهو صائم؟
الجواب: الغسيل الذي يحصل لأصحاب الكلى إذا كان يؤثر عليه لو صام فإنه له الفطر ولا حرج عليه. ويلزمه القضاء بسبب ما يزود به من الدم النقي، وقد يُـزود مع ذلك بمادة أخرى.
- ما حكم صيام من استعمل قطر الأنف ووجد طعمها في حلقه؟
الجواب: أولا؛ ينبغي له تأجيل القطرة إلى الليل إذا تيسر ولم يكن فيه ضرر.
لكن إذا كان مضطرا، وأخذ القطرة فوصلت إلى حلقه؛ فقد اختلف العلماء، وأغلبهم يرى أن صومه يبطل بذلك، لذلك ينبغي له أن يقضي.
وعليه؛ إذا وصلت القطرة إلى حلقه فالأولى والأحوط له القضاء خروجاً من الخلاف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأنف منفذ، فقال: “وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما”، فالأنف منفذ للماء والقطرات.
- حكم قطرة العين والأذن؟
الجواب: قطرة العين والأذن لا يفطر بهما الصائم عند جمهور العلماء. فإذا وجد طعم القطور في حلقه، فالأولى والأحوط له القضاء خروجاً من الخلاف.
- حكم التبرع بالدم أثناء الصيام؟
يجوز للصائم أن يتبرع بالدم ولا يؤثر على صحة صومه، وقد يكون مندوبا إذا احتاج إليه إنسان آخر، لكن يشترط ألا يؤثر ذلك على صحته.
- حكم الحجامة أثناء الصيام؟
اختلف العلماء في الحجامة، والمشهور أنها تفطر، وآخر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها تفطر الصائم، ولكن الخلاف يبقى قائما، وحجة كل فريق قوية.
لذلك الأولى للمؤمن أن يتجنبها أثناء الصيام، ولا يحتجم إلا في الليل إن أمكنه ذلك.
- ما حكم من أغمي عليه وهو صائم؟
الجواب: هنا حاتان:
1- إذا أغمي عليه جميع النهار، أي؛ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لم يصح صومه، وعليه القضاء.
2- إذا أفاق في أي جزء من النهار؛ فيه قولان: قال الإمام النووي رحمه الله:
(إذا نوى الصوم من الليل ثم أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء، وقال المزني: يصح صومه كما لو نوى الصوم ثم نام جميع النهار، والدليل على أن الصوم لا يصح أن الصوم نية وترك، ثم لو انفرد الترك عن النية لم يصح ، فإذا انفردت النية عن الترك لم يصح، وأما النوم فإن أبا سعيد الإصطخري قال: إذا نام جميع النهار لم يصح صومه، كما إذا أغمي عليه جميع النهار، والمذهب أنه يصح صومه إذا نام. والفرق بينه وبين الإغماء أن النائم ثابت العقل، لأنه إذا نبه انتبه والمغمى عليه بخلافه، ولأن النائم كالمستيقظ، ولهذا ولايته ثابتة على ماله بخلاف المغمى عليه.
وإن نوى الصوم ثم أغمي عليه في بعض النهار فقد قال في كتاب الظهار ومختصر البويطي: إذا كان في أوله مفيقا صح صومه ، وفي كتاب الصوم إذا كان في بعضه مفيقا أجزأه . وقال في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى: إذا كانت صائمة فأغمي عليها أو حاضت بطل صومها ، وخرج أبو العباس قولا آخر أنه إن كان مفيقا في طرفي النهار صح صومه، فمن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد أنه يعتبر أن يكون مفيقا في أول النهار، وتأول ما سواه من الأقوال على هذا، ومن أصحابنا من قال فيها أربعة أقوال:
– أحدها: أنه تعتبر الإفاقة في أوله، كالنية تعتبر في أوله.
– والثاني: أنه تعتبر الإفاقة في طرفيه، كما أن في الصلاة يعتبر القصد في الطرفين في الدخول والخروج، ولا يعتبر فيما بينهما .
– والثالث: أنه تعتبر الإفاقة في جميعه، فإذا أغمي عليه في بعضه لم يصح صومه، لأنه؛ معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة فأبطل الصوم كالحيض .
– والرابع: تعتبر الإفاقة في جزء منه ولا أعرف له وجها، إن نوى الصوم ثم جن ففيه قولان؛ قال في الجديد: يبطل الصوم؛ لأنه عارض يسقط فرض الصلاة، فأبطل الصوم كالحيض. وقال في القديم: هو كالإغماء؛ لأنه يزيل العقل والولاية فهو كالإغماء)[1].
ثانيا: من أفطر بسبب الجَهد أو المشقة.
- ما حكم من اشتد به العطش فشرب؟
الجواب: من اشتد به العطش فشرب فعليه القضاء، ولا كفارة عليه.
ولا ينبغي له أن يتساهل في ذلك، فإن تساهل فعليه التوبة إلى الله مع القضاء.
- هل يباح الإفطار في رمضان بحجة العمل الشاق؟
الجواب: قد يحصل للإنسان أثناء الصوم مشقة فعليه أن يصبر ويستعين بالله عز وجل. لكن إذا سبب له العطش أو المشقة ضرراً بالغاً أو خشي الهلاك من العمل الشاق جاز له الفطر، وعليه القضاء فيما بعد.
وينبغي للمستأجر أن يساعد العمال، بحيث يكون العمل في أيام رمضان أقل من أيام الفطر؛ حتى يجمعوا بين المصلحتين؛ بين مصلحة الصوم، ومصلحة العمل.
- هل يباح الإفطار في رمضان بداعي الامتحانات؟
الجواب: الأصل أنه لا يجوز للمسلم الإفطار في رمضان بسبب الامتحان، لأن؛ الامتحان وقلة التركيز ليست من الأعذار التي يباح لصاحبها الإفطار في رمضان.
عير أنه يمكن له الإفطار في حالات قليلة، ومنها:
– إذا تضرر بالصوم في رمضان تضررا حقيقيا لا موهوما.
– إذا سبب له الامتحان العطش أو المشقة أو خشي على نفسه الهلاك.
– أن يغلب على الظن الرسوب أو ضعف النتيجة بسبب الصوم.
ثالثا: حالات لا تتعلق بمفسدات الصيام.
1- ما حكم صيام من لا يصلي إلا في رمضان، ومن الناس من يصوم ولم يصل؟
الصلاة والصيام ركنان من أعظم أركان الإسلام، لكنهما مستقلان من الناحية الفقهية.
وجمهور الفقهاء على أن تارك الصلاة فاسق، ولا يكفر، وأن الله لا يضيع عنده عمل عامل، ولا يظلم مثقال ذرة: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه”(الزلزلة:7-8).
وعليه؛ فإن من لا يصلي إلا في رمضان مؤاخذ بترك الصلاة، ومُثاب على أداء الصيام، وأن عقابه على ترك فريضة، لا يلغي ثوابه على أداء فريضة أخرى، قال تعالى: “وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين”(الأنبياء:47).
ولا يقال للصائم الذي لا يصلي: اترك الصوم؛ وإنما يُـنصح بالتي هي أحسن، ونذكره بشأن الصلاة، وحكم تاركها. بل الأولى والأنفع، أن نقول له:
تقبل الله صيامنا وصيامك، وعليك أن تكمل دينك، بما هو أعظم من الصوم، وهو الصلاة، لقد جُعت وعطشت وحُرمت امتثالا لأمر الله تعالى، فما لك تتكاسل في أداء الصلاة، وهي أعظم أركان الإسلام.
2- هل ترك الحجاب يفسد الصوم؟
الجواب: لا تأثير للحجاب أو عدمه على صحة الصيام، وترك الحجاب لا يُبطل الصوم.
ونقول لها: صومي وتحجبي فكلاهما فرض عليك، فإن الله تعالى الذي فرض عليك الصيام هو الذي فرض عليك الحجاب.
3- حكم ارتكاب بعض الآثام يوم الصيام؟
الجواب: المعصية في رمضان أشد منها في غيره، وهناك بعض المعاصي يترتب عليها الفطر في رمضان، فتكون هذه معصية أشد.
لكن الله تعالى يقبل التوبة ويعفو ويصفح، فلنقبل على الله تعالى، ونبادر إلى التوبة النصوح، كما أمرنا سبحانه؛ “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون”(النور:31).
وخاصة في هذا الكريم؛ شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
[1] – المجموع؛ شرح المهذب، للإمام النووي. ج:6 / ص: 383-385.