مذكرات سائق سيارة أجرة؛ المواجهة الثانية: السيارة رقم 855
عبد الفتاح بلخوار
مذكرات سائق سيارة أجرة
المواجهة الثانية: السيارة رقم 855
بقلم: عبد الفتاح بلخوار
لم أكن يومًا أبحث عن مأذونية ( المأذونية رخصة استغلال ليست خاصة للنقل بل تجدها في جميع القطاعات كالصيد في أعالي البحار مثلا )، ولا راودني حلم الورق الممهور بخاتم الولاية أو توقيع عامل المدينة. كنت فقط أبحث عن فرصة أعيش بها بكرامة، وعن عجلةٍ أديرها بيدي لا بأوامر غيري.
فالمأذونيات في بلادي لا تُنال بالاستحقاق، بل تُمنح بالقرابة أو المصادفة. هي ريعٌ مغلفٌ بطلاء القانون، يقال في نصوصها “لا تُباع ولا تُشترى ولا تُؤجّر“، لكن الواقع يسخر من تلك العبارات. تُوزّع في المكاتب المكيفة، يلتهمها أصحاب النفوذ، ويرمى فتاتُها لذرّ الرماد في العيون.
أتذكر يومًا في الرباط، في اجتماعٍ للنقابات مع وزير نقل سابق، عرض أحد المناضلين مأذونيةً منحت لطفلةٍ لم تولد بعد، وسُمّيت “كريمة”، كأنما الكرم غدا موروثًا في الوثائق قبل أن يكون في الأرواح! إضافة أن عائلتها كلهم بدون استثناء يستفيدون من مأذونيات.
لكنّي لم أطلب مأذونية، بل كنت أبحث عن عملٍ بسيط، أن أكون سائقًا لسيارة أجرة.
فهرم هذا القطاع عجيب التكوين: في أعلاه صاحب المأذونية، يتقاضى أجرًا دون أن يقبض مقودًا؛ تحته “مول الشكارة” المكتري، الذي يجمع بين المال والسلطة ويملك أسطولًا من السيارات، يفاوض من خلف المكاتب الفارهة عبر ما يسمى اليوم بـ”العقد النموذجي” الذي وضعته الولاية إرضاءً للنقابات؛ أما في قاع الهرم، يقبع السائق، يكدّ من الفجر حتى الفجر، يدفع الواجب اليومي في آخر المناوبة، مهددًا بالطرد في كل حين، لأن السائقين كثيرون والعمل قليل.
لم تكن بدايتي سهلة. دلّني صديقي الأستاذ عبد الله على صهره الشاب أحمد، علّه يمنحني فرصة. التقينا في محطة للوقود بمنطقة لالة رقية، قرب ساحة جامع الفناء الشهيرة، بعد التحية والمجاملة، طلب مني أحمد أن أقود السيارة ليختبر مهارتي. أمسكت المقود وقلبي يخفق، لكن المفاجأة كانت أني نسيت أبسط مبادئ السياقة! مضت سنوات منذ آخر مرة أمسكت فيها المقود، وكنت أظن أن القيادة تشبه ركوب الدراجة، لا تُنسى. لكن يدي اضطربت، وعيني ترددت بين المرايا والمقود. حاولت أن أبدو واثقًا، لكن أحمد كان ذكياً، قرأ ارتباكي، ابتسم بلطف وقال العبارة التي تُقال عادة في مثل هذه المواقف: “سير، حتى نعاود نعيط عليك.”خرجت من عنده مثقلاً بالخذلان، لكنّ الأمل لم يطفأ بعد.
كانت تلك أول صفعةٍ من واقعٍ لا يُجامل أحدًا.
رجعتُ إلى بيتي وأنا أتساءل: هل كنتُ تلميذًا فاشلًا أم أن المدرسة هي التي علمتني الفشل؟
تذكرت مدرسة تعليم السياقة، ذلك المكان الذي يُفترض أن يُخرّج سائقين، فإذا به يخرج حملةَ رخصٍ لا يعرفون كيف يُحرّكون عجلةً واحدة.
يُلقّننا المدرب كلماتٍ عن الحذر والسرعة والمقود، ثم يمسك هو بالمقود الثاني ليتحكم في كل شيء. كنا نظنّ أننا نتعلم القيادة، ولم نكن نعلم أننا مجرد ركّابٍ في سيارةٍ اسمها التكوين.
وليس العجب في هذا وحده؛ فـمدرسة السياقة نسخةٌ مصغّرة عن مدرسة الحياة عندنا:
الأولى تُخرج سائقين لا يعرفون القيادة، والثانية تُخرج متعلمين لا يعرفون القراءة. كلاهما يوزّع شهاداتٍ بلا معنى، على عيونٍ لم تُفتح بعد.
وذات مساءٍ، بينما كنت في نادي الكاراتيه بحي القصبة التاريخي أزور صديقي العزيز خالد – ذلك الرجل الذي أحبني وأحببته بصدقٍ – دخل علينا شاب وسيم الملامح، يحمل في عينيه بريق الجدّ والطيبة. كان اسمه مصطفى. تحدث إليه خالد عني وعن رغبتي في العمل، ولم يتردد مصطفى لحظة. بعد حديثٍ قصيرٍ، وعدني أن يتصل بي قريبًا.
مرّ أسبوعان، فإذا به يتصل مساءً بصوتٍ دافئ: الساعة السادسة قرب إعدادية عبد المومن، يناسبك الموعد؟”
أجبته بفرحٍ لا يوصف: “نعم، الله يرحم الوالدين!”
ومن هناك بدأت صفحة جديدة من حياتي. لم يقدّمني مصطفى إلى العمل فورًا، بل قرر أن يعيد تأهيلي، فكان معلمي الحقيقي. خمسة أو ستة حصص قادني فيها بين شوارع المدينة وأزقتها، يعلّمني بحلمٍ ورفق، يشرح، يصحح، يبتسم.
وحين مرّ بي على الطرقات المزدحمة، ترك لي المقود وحدي، يثق بي أكثر فأكثر، حتى غدا الأمان ينساب إلى يديّ كما ينساب الماء في العروق.
وفي آخر حصة، أوقف السيارة على جانب الطريق، نزل بهدوء، فتح الصندوق، أخرج مفتاح العجلات ونزع إحدى العجلات بيده، ثم سلمني الأداة وقال: “أعد تركيبها.”
فعلت ما استطعت، فابتسم وهو يسألني عن الماء والزيت والحرارة. وحين أجبت، أدار محرك السيارة وسلمّني المفاتيح قائلاً بنبرةٍ لم أنسها قط: “سِرْ، وتوكّل على الله.”
كانت تلك السيارة تحمل الرقم 855، رقمًا ما زال منقوشًا في ذاكرتي كأنه رقم ولادتي من جديد.
تلك الليلة لم أنم، ظللت أجوب الشوارع من شارعٍ إلى آخر، كأن المدينة كلها تفتح ذراعيها لي، والمصابيح تبارك لي خطوتي الأولى نحو الرجولة. وفي صباح المناوبة التالية، اتصل بي مصطفى وقال بلطف: “اشتغل المساء أيضًا إن استطعت، عندي ظروف خاصة.” لكنّي كنت أعلم أنه أراد أن يمنحني فرصة أطول لأثبت نفسي.
ومنذ تلك الليلة، لم أنسَ جميله ولا جميل خالد، فهما من فتحا لي بابًا حين أوصدت الأبواب كلها. غير أن سؤالاً ظلّ يؤرقني منذ تلك الأيام، سؤالٌ لا أملك له جوابًا شافيًا:
هل لا بدّ في هذه البلاد أن تكون لك واسطة لتُفتح لك أبواب الرزق؟ سؤال يثقل الصدر كلما رأيتُ كفاءةً مهدورة، أو شابًا نزيهًا ينتظر هاتفًا لا يرنّ.
إلى اللقاء في مواجهة أخرى