منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الديمقراطية والاستبداد والمجتمع المدني حسب القرضاوي – آية علاقة !?

سكينة الصفواني- طالبة باحثة في سلك الدكتوراه-

0

الديمقراطية والاستبداد والمجتمع المدني حسب القرضاوي
آية علاقة !?

سكينة الصفواني
طالبة باحثة في سلك الدكتوراه

إن المعارك التي خاضتها الديمقراطية إلى حين وصولها لشكلها الحالي كانت قاسية جدا بشهادة التاريخ نفسه، لكن افتقاد الانسان لها جعلها من المطالب الكبرى التي يكون التشبت بها ضرورة أريقت من أجلها الدماء، وزهقت لسبيلها الأنفس.

والحق أن جوهر الديمقراطية يجعلها ضرورة لكل إنسان يحلم بالعدل الاجتماعي الذي نادى به الإسلام مرارا وتكرارا، ولعل وقوف الدكتور القرضاوي على جوهرها هو ما يجعله يندد بها كلما أتيحت له الفرصة، خاصة وأنه يعتبر الاستبداد السياسي ليس مفسدا للسياسة فحسب، بل هو مفسد للإدارة والاقتصاد والأخلاق والدين… فهو مفسد للحياة كلها؛ وعليه تكون ضرورة الديمقراطية واعتماد البلدان عليها للخروج من الجور والظلم والاستبداد، فليس هناك نظام قوي في عصرنا الحالي غير الديمقراطية يحقق هذا المطلب العظيم.

وبداية نؤكد على أن الديمقراطية أجمل ما يكون فيها أنها “تحترم عقائد المجتمع وقيمه وأسسه الدينية والثقافية والأخلاقية”، خاصة فيما لا يقبل المساس به من ثوابت راسخة؛ وهذا ما جعل الكثير ينددون بها وبآلياتها كالدكتور القرضاوي.

فجوهر الديمقراطية كما يقول الدكتور” أن يختار الناس من يحكمهم ويسوس أمرهم، وألا يفرض عليهم حاكم يكرهونه، أو نظام يكرهونه، وأن يكون لهم حق محاسبة الحاكم إذا أخطأ، وحق عزله وتغييره إذا انحرف، وألا يساق الناس إلى اتجاهات أو مناهج اقتصادية، أو اجتماعية، أو ثقافية، أو سياسية، لا يعرفونها ولا يرضون عنها، فإن عرضها بعضهم كان جزاؤه التشديد والتنكيل”وكل نقطة مما ذكر لها شرعية إسلامية منصوصة ومؤيدة عقلا، بل إننا نجد الديمقراطية في بعض مواقفها تمتاز باجتهاد كبير، وفي أحايين أخرى نجد الشرع الإسلامي يقفز على مقررات الديمقراطية لديمقراطية أعدل منها.

وأول مقررات الديمقراطية أن يختار الناس حاكمهم، وتحقيقا لهذه الغاية اعتمد على نظام الانتخابات، وكل من هذين الأمرين بالإضافة إلى أمور أخرى نجد لها أحكاما يتوافق فيها النظام الديمقراطي مع الإسلام؛ فإن الديمقراطية وجدت ” لها صيغا وأساليب عملية مثل الانتخابات، والاستفتاء، العام، وترجيح حكم الأكثرية، وتعدد الأحزاب السياسية، وحق الأقلية في المعارضة وحرية الصحافة واستقلال القضاء… بما تكون فيه السلطة للشعب، بعدما قلصت في القرون الماضية.

وبدءا بنظرية الحكم فإن الاستبداد طالما حاربه الإسلام بضرب أمثال وقصص للأمم الغابرة،

فطالما تزامن وجود الحكم مع الاستبداد، إما استبداد في السلطة الدينية وهذا أغلب ما ناقشه القرآن، حيث يحكم الإنسان كإله أو ناطق باسم الله، وبالتالي يتخذون عباد الله عباد لهم ينفذون عليهم أهوائهم ويمارسون عليهم طقوس الألوهية، كالتي نجدها في قصة سيدنا إبراهيم مع نمرود ” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ” ( البقرة، الآية258) فكانت ممارسة نمرود لحكمه عبر التأله والطغيان، وهي فكرة لطالما تكررت وانتشرت عبر الزمن في مشارق الأرض ومغاربها إلى حدود القرون السادس عشر.

ليظهر بعد ذلك استبداد السلطة السياسية، بعد أن حسم الأمر في قضية التأله وأنه لا بشر إله، ليظهر الطغيان على البشر، واستعمالهم كأداة للتنفيذ المصالح الخاصة، وعدم اعتبار أحقيتهم في الاختيار وفي الحريات العامة. وتحت هذا تأتي الديمقراطية لتعتبر الحاكم مجرد وكيل عن الأمة وأجير عندها، فليس لرجل أو طائفة أن تستبد بالأمر أو تتقلد عرش الديكتاتورية، لأن كل فرد من أفراد هذا المجتمع خليفة، ولا يجوز لطائفة أو فرد أن ينتزع حق الخلافة من جمهور المسلمين وينصب نفسه مسيطرا عليهم، وإنما من يتولى هذا الأمر في الإسلام منزلته الحقيقية أن جمهور المسلمين أو الخلفاء يفوضون خلافتهم إلى رجل منهم وجعلوها مركزة في ذاته لتنفيذ الأحكام، وتسيير دفة الأمر بسهولة، بل “ومن حقها الأصيل – والضمير يعود على الأمة – أن تحاسب الوكيل، أو تسحب منه الوكالة إن شاءت، خصوصا إذا أضل بموجبها، فليس للحاكم في الإسلام سلطة معصومة بل هو يصيب ويخطئ، ويعدل ويجور، ومن حق عامة الناس أن يسددوه إذا اخطأ”.

وبه تكون علاقة الحاكم بالأمة علاقة التزام بالدستور ومشورة، وعلاقة الأمة بالحاكم علاقة مشاركة في القرار السياسي، وبعبارة إسلامية نقول تقديم النصيحة.

ومن حق كل امرئ في الشعب أن ينصح للحاكم، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، مراعيا الأدب الواجب في ذلك، وأن يطيعه في المعروف، ويرفض الطاعة في المعصية المجمع عليها، أي المعصية الصريحة البينة، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وهذا إنما يعني تشاركهما في الحكم” ففي منظور الديمقراطية يحتفظ المواطنون لأنفسهم بحق الرقابة الدائمة على حكومتهم، ومادام الشعب في التصور الديمقراطي هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وهو الذي يقرر مصيره، والحكومات إنما هي منفذة لمصالحه ومطامحه”

وطالما حدد مصير الأمة بمقدار تفاعلها مع الحاكم تضليلا أو تنصيرا، فإن ضالوا مع حاكمهم ضلت حقوقهم وأصابهم الإثم، وإن سددوا حققوا النصر وأصابوا مطالبهم وفازوا بالأجر والتأييد الرباني، وفي هذا يقول الدكتور القرضاوي:” لم يقتصر القرآن في ذم الطغاة المتألهين وحدهم، بل أشرك معهم أقوامهم وشعوبهم الذين اتبعوا أمرهم وساروا في ركابهم وحملهم المسؤولية معهم مثلما كان مع قوم سيدنا موسى “فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ” (الزخرف، الآية 54)،وإنما حمل الشعوب المسئولية أو جزءا منها لأنها هي التي تصنع الفراعنة والطغاة”.وإنما اعتبر القرآن الكريم الناس خلفاء، سواسية في الخلافة حتى لا يتسرب إلى المجتمع الفساد، أو شر الإمتيازات والتفريق، ويعم فكر الإتيان بالمصالح كواجب تقتضيه هذه الخلافة.
وما تقتضيه هذه الخلافة أيضا أن يشهدوا صلاح من سيتكلفون بهم، عن طريق التصويت أو الإنتخاب الذي يستوعب أكبر عدد من الأمة، بعدما كانت الشهادة – حسب التعبير القرآني – محصورة في سماع الأصوات لظروف جغرافية متفاوتة بين ذاك الزمن وهذا.

والشهادة بالصلاح تستوجب إبعاد العلاقات الشخصية أو القرابية في الأمر، إذ العناية الكبرى تكون لصلاح الشخص نفسه وصلاح برنامجه بما يحقق طموح الشعب وإرادته؛ وفي هذا يقول الدكتور القرضاوي ” ومن شهد لمرشح بالصلاحية لمجرد أنه قريبه او ابن بلده، أو لمنفعة شخصية يرتجيها منه، فقد خالف أمر الله ” وأقيموا لشهادة لله “( الطلاق،الآية 2)، فهذه الإقامة ينوطها أمرين أولهما وهو ما سبق ذكره بإنتخاب الأكفأ وثانيهما وهو الأهم وهو إقامة الشهادة في أصلها وعدم التقاعس عنها بما قد يضر بالناس جميعا. “ومن تخلف عن أداء واجبه الإنتخابي، حتى رسب الكفء الأمين، وفاز بالأغلبية من لا يستحق، ممن لا يتوفر فيه وصف القوي الأمين، فقد خالف أمر الله في أداء الشهادة، وقد دعي إليها”. فيقرر الناس بهذا الإنتخاب ما يريدونه من المختلف فيه، من غير ما كان أصلا ثابتا في الشريعة، ولا يجوز العدل عنه لكونه من محددات الشرع الإسلامي، ابتعادا مما قد يطال الحاكم إذا تطاول على شرع الله كما حدث في البلاد الإسلامية حيث أصدرت الحكومة قانونا للأسرة مخالفا لشريعة الإسلام، فقاومه العلماء، ونددوا به في المساجد (…) فما كان من السلطة الطاغية إلا أن حكمت على هؤلاء العلماء الشجعان بالقتل (…)لكنه بعد صبر طويل ثار الشعب عليه وخلعه”، ذلك لأن التصويت يبتعد عن نطاق الحلال والحرام، ويدخل” في الأمور الإجتهادية التي تحتمل أكثر من رأي، ومن شأن الناس أن يختلفوا فيها، مثل اختيار أحد المرشحين لمنصب ما،(…) ومثل إصدار القوانين لضبط حركة السير والمرور، أو التنظيم بناء المحلات (…) وغير ذلك مما يدخل فيما يسميه الفقهاء بالمصالح المرسلة”. وبما أن الديمقراطية في أساسها اجتهاد فإن كل ما يتعلق بها اجتهادي أيضا، ونعرف الإطار الذي يدخل ضمنه الإجتهاد، وحدوده الموجهة له.

ويكشف هذا الانتخاب تعدد زوايا النظر واختلافها، ليكون التحكيم بالأغلبية هو عنصر الربح كما قال الدكتور القرضاوي “المرجح في هذا الاختلاف هو الأخذ بالكثرة”، وقضية الكثرة إلتصقت بعنصر الموافقة أو المعارضة بما تحالفت عليه الأصوات، ونادى به الشعب؛ ونجد أحاديث عدة ساقها الدكتور في معرض حديثه على أن الأغلبية من المبادئ التي عمل بها في الإسلام كحديث ” لو اجتمعتما على مشورة” و”النزول على رأي الكثرة في غزوة أحد” و” الستة أصحاب الشورى” و” السواد الأعظم”.

إن أسلوب الانتخاب والترجيح بأغلبية الأصوات، الذي انتهت إليه الديمقراطية هو آلية صحيحة بالجملة، وإن لم تخلو من عيوب، لكنها أسلوب أمثل من غيرها
ومن جانب آخر نجد المعارضة حق مكفول في الشرع الإسلامي، خاصة وتكوين الأحزاب السياسية التي تتغير برامجها من حيث الأهم فالمهم لكل واحدة منها، وهذا ما ذكره الدكتور القرضاوي مستشهدا بقصة سيدنا علي رضي الله عنه حين عارضه الخوراج، وقبل معارضتهم كونهم بتعبيرنا الحالي “حزب له قيادته، وله أفكاره الخاصة، وله برنامجه في الإصلاح والتغيير”.إذ يندرج هذا ضمن الحريات العامة التي من حق الشعب فيها ومن الأحزاب كونهم من الشعب أولا أن يقرروا ما يردون ويدفعون ما لا يرون فيه صلاحا بتبريرات منطقية.

وتعدد الأحزاب فيه ضرورة سياسية جمة، ذلك أنه يمثل صمام أمان اتجاه الإستبداد و الإنفراد بالرأي بل وإخضاع الناس له، خصوصا وأن ” السلطة قد تتغلب بالقهر أو بالحيلة على فرد أو مجموعة قليلة من الأفراد، ولكنها يصعب عليها أن تقهر جماعات كبيرة منظمة، لها امتدادها في الحياة وتغلغلها في الشعب، ولها منابرها وصحفها وأداوتها في التعبير والثأتير”

ومن ثمة إن من حق بعض الجماعات ممن لديهم هم مشترك وهدف مشروع يرتؤون فيه إصلاح حال المجتمع أن يشكلوا حزبا، بعيدا عن التجمعات التي تقوم على أساس عرقي أو إقليمي؛ فالأصل أن قيام الأحزاب وتعددها ” إنما لتعدد أفكارها ومناهجها وسياساتها، يطرحها كل فريق مؤيدة بالحجج ، فيناصرها من يؤمن بها ولا يرى الصلاح إلا من خلالها، ويرفضها من يرى الصلاح أو الأصلح في خلافها”وهذا تتيحه لهم حرية التعبير ويكفله لهم القانون. فيكون هذا التكوين ليس فقط تمثيلا للشعب بل إشراكا ضمن سياسية رصد النقص واتخاذ القرار عن طريق الشورى والتشاور.

إن نطاق حرية التعبير في البلدان الإسلامية بحسب التبني الديمقراطي لها موجود إلا أنها لازالت في تدبدب وقمع، وفي أحايين أخرى تصل للتضييق و الإخراص كما الحال في التضييق على أهل المعتقدات الأخرى في إنشاء أحزاب لهم يمثلون بها أنفسهم ومن تبعهم طالما هم من الشعب وفيهم؛ ونجد الدكتور القرضاوي يدافع عن توفر الحريات العامة للشعب، حيث لا يكره على شيء لا يريده ولا يرتضاه، فينبغي ” أن تتوفر له كل الحريات الدينية والسياسية والتعبيرية وغيرها”وإن الحرية السياسية أشد من الحريات الأخرى في طلبها ونيلها، يقول ” فما المانع من أن يكون للأقباط حزب سياسي يعمل في وضح النهار، بدل أن يتهمهم من يتهمهم بأنهم يعملون بالسياسة من خلال الكنيسة، بدون حزب مرخص.

إن إعطاء الأقباط وأمثالهم حق تكوين حزب سياسي علني يقوم على مبادئ وأسس إنسانية عامة لا حرج فيه، ولا مانع منه، مادام يقوم على رعاية المصالح الوطنية المشتركة، ولا يفتات على حق الأكثرية في أن يحكموا بشريعتهم إذا ارتضوها، ولا يستعين بأي قوة أجنبية على إخوانه ومواطنيه” في الوقت الذي يعارض فيه إنشاء أحزاب دينية تدعو إلى اللادينية.

وإننا وإن كنا لا نخرج عن الإطار الشرعي لحرية التعبير، فإن في السماح بتواجد هيئات حزبية تمثل أهل المعتقدات الأخرى مزيتان : الإنفتاح على البرامج السياسية التـــــــــي ستتغير بالمنطق

الأيديولوجي، ثم الكشف عن الإيجابي والسلبي منها بما سيحظى بموافقة الأغلبية أو يعارض.

ومن منظار آخر سيقرر من طرف من منحه الناس ثقتهم، كونه له الحق في أن يوافق الأقلية أو الأغلبية في رأيها، فليست الأغلبية في الشرع الإسلامي دائما على صواب ولا الأقلية على الخطأ، وله أن يخالف أعضاء المجلس ويقضي بأمره، وذلك يرجع للمنطق العقلي والقبول الشرعي. فتلعب ثقة الناس في تأييد الحاكم أو معارضته سواء للأكثرية أو الأقلية عنصر ضمانة ترجيحه لم فيه الصالح العام.

لقد كان سعي الأديان و الإنسان للمصلحة العامة دائما ومستمرا، والديمقراطية آلية لا زالت في طور تحقيق أهدافها السياسية الرامية إلى قصر السلط في أيد أصحابها، وموضعة الرأي العام في مكانه الصحيح لتفعيل الإرادة السياسية، والعيش بموجب إرادة الناس وما يتغيينه من أنظمة في حياتهم.

* علاقة المجتمع بالديمقراطية:

تعتبر تسمية المجتمع المدني من التسميات التي جاءت بها الديمقراطية، ذلك أنها تحاول توطيد الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية للشعب، وما يعنينا بشكل أساس هو كيف ينظر المواطن للديمقراطية؟ وهل يوافق على ما تقرره له من حقوق سياسية؟؟
من المعلوم ضرورة أن الشعوب لطالما بحثت ولا زالت تبحث عن تجسيد فعلي للحرية والعدالة والكرامة والمشاركة السياسية، وهذا لا يوفره فكر الإستبداد والخنوع لمن يسيطرون على مقاليد الحكم وأعناق الناس.

وحيث توصل الغرب إلى سياسة تنظيمية للسلطة، فقد تأثر الشرق بها لاستعداده الكبير في تبينها خاصة والحالة السياسية التي عرفت الطغيان؛ فلا يمكن أن يكون للعامل الخارجي تأثير من دون أن يكون للعامل الداخلي مستعدا للتأثروبما كان من تعرف الناس على الديمقراطية والدعوة إليها لما رأوا فيها من سبيل للحفاظ على أسمى الحقوق التي تدعي إليها الأديان والعقول السليمة.

لذا تحظى الدولة الديمقراطية بحظ وفير من ثقة الناس، كونها مهتمة بمشاكلهم، وتبدي عناية بأملهم، والثقة في علاقة المجتمع المدني بالدولة عنصر أساس حيث يخلق التعاون فيما بينهم، عكس ما يؤول إليه الأمر إذا تخلل العلاقة عنصر الشك مما يؤدي إلى الإنفكاك والتصدع السياسي بين ما يريده المجتمع المدني وما تسعى إليه الدولة.

وإن رغبة المجتمع في الأخذ بالديمقراطية إيمانا منه بسيادة القانون، وأن لا شخص فوق الجميع، وبسواسية الحقوق التي ارتضها الدين الإسلامي لمعتنقيه، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى؛ ثم تنظيم وتأكيد حق الإختيار إزاء صناديق الاقتراع، بل وحق المشاركة في صنع القرار السياسي، كلها يتغياها العقل المؤمن بالديمقراطية، والمستنكر للديكتاتورية, فمن لا يؤمن بالديمقراطية فإنه حتما يؤمن بالديكتاتورية.

غير أن هذه الضمانات الديمقراطية لازالت في الشرق حبيسة الفئة المثقفة من المجتمع المدني، ولم تنزل إلى ما دونها، وهذا راجع إلى تقصير المؤسسات السياسية في الوصول إلى جميع طبقات المجتمع المدني، وفي تشكيل الوعي السياسي اللازم للشعب.

وإن “نهوض المجتمع المدني بالمجتمع المدني يجعله شريكًا في عملية التنمية على كافة المستويات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، أيضًا، ولن يتحقق، إلا إذا كانت هناك آلية للتوافق، بين المجتمع المدني والدولة؛ فإذا كانت هذه الآلية حاصلة، وتتسم بالفعالية كان المجتمع بمشتملاته الثلاث؛ مجتمع عام، ومجتمع مدني، ودولة، مجتمعًا فاعلاً وديمقراطيًا، يراعي حقوق الإنسان ويجسد مطالبهم.”

أما إذا ظل المجتمع المدني غافلا عن مدنيته، فإنه على العموم، سيتقلص أداءه الديمقراطي، وإن حضرت أبسط تجليات الوعي السياسي عنده؛ لذا ينبغي أولا تركيز النظر إلى هذا الجانب عبر طرح موضوع المجتمع المدني للدراسة والمناقشة، كجزء أصيل من دراسة الفكر السياسي؛ وكذا بالتوعية السياسية سوءا توعية الدولة بالمجتمع المدني، وإلمامها بالدور الحقيقي الذي يمكن أن يقوم به، وبتوعية الناس خاصة الفئة الشعبية التي تمثل الأغلبية في البلدان الشرقية، وتخليصهم من الشخصيّة الانهزامية التي تغلّبت على قطاع كبير من الشعب، والتي تؤمن بأنه لا فائدة من التغيير السياسي وأن كلمتها لا تلقى أذانا صاغية.

ومن منظار آخر فإن الاهتمام و الإشتغال على المجتمع المدني راجع بداية إلى العلاقة التي تجمع بين المؤسسات السياسية والشعب من جهة، وبين المفكر السياسي والحاكم من جهة أخرى، حيث أن “العلاقة بين المفكر السياسي والحاكم في الغرب أوثق منها في الشرق من جهة التقارب في الفهم المتعلق بالدولة؛ أما في الشرق فالشقاق هو السائد بين الفكر والسياسة العملية، وقد أدى ذلك إلى الإنقسام الشائع للمثقفين بين ملحق بالدولة كمصدر للرفاه الشخصي، وبين معارض” لها.

لكن هذا لا يعني عدم اشتغال المؤسسات السياسية على المجتمع المدني، وإن كان بشكل باهت، فإننا نجد في السنوات الأخيرة مؤسسات تروم تقوية المجتمع المدني على حساب الدولة، فأوجدت لنا أمثال راشد الغنوشي في تونس وحسن الترابي في السودان وغيرهم.

فجانب توعية المجتمع المدني بأدواره وحقوقه وواجباته بدأ يشق طريقه في التصاعد، وهذا ما نأمل أن يتواصل في القادم من السنوات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.