منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأخلاق المؤجلة: كيف تكشف الأزمات المعاصرة هشاشة القيم غير المؤسَّسة على الوحي

هبة مجد الدين صباهي

0

الأخلاق المؤجلة:

كيف تكشف الأزمات المعاصرة هشاشة القيم غير المؤسَّسة على الوحي

بقلم: هبة مجد الدين صباهي

كشفت الأحداث المتسارعة في العالم المعاصر، ولا سيما ما طفا على السطح من فضائح أخلاقية كبرى ارتبطت بنخب سياسية واقتصادية عالمية، عن تصدّع عميق في البنية القيمية التي طالما ادّعت الحداثة الغربية أنها تقوم عليها. لم تكن هذه الوقائع مجرد حوادث فردية معزولة، بل جاءت بوصفها أعراضًا كاشفة لأزمة أعمق، تتصل بجذور التصور الأخلاقي والمعرفي الذي يحكم النظام العالمي المعاصر.

لقد سقط القناع عن دعاوى “العقلانية” و”الموضوعية” حين تبيّن أن الانفصال عن المرجعية الإلهية لم يُنتج إنسانًا متحررًا أخلاقيًا، بل أفضى – في كثير من صوره – إلى انغماس شهواني، واستباحة للإنسان بوصفه مادة للاستهلاك والهيمنة. وهو ما يصدق عليه التوصيف القرآني الدقيق لحال من انقطع عن الوحي ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].

وفي السياق ذاته، كشفت المآسي الإنسانية المتكررة – وفي مقدمتها ما يشهده قطاع غزة – عن ازدواجية المعايير التي تحكم المنظومة الدولية، حيث تُرفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان حين تخدم موازين القوة، وتُسقط حين تتعارض مع مصالح القوى المهيمنة. الأمر الذي يؤكد هشاشة الأخلاق حين تُفصل عن مرجعيتها الثابتة، وتُربط بأهواء سياسية ومعادلات نفعية متغيرة.

من منظور قرآني، لا يُعدّ هذا المشهد طارئًا في تاريخ البشرية، بل هو امتداد لسنن اجتماعية ماضية، عرضها القرآن لا للتسلية التاريخية، بل للاعتبار المنهجي. يقول تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۝ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۝ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۝ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 6–14].

تُبرز هذه الآيات معادلة قرآنية حاسمة: إن امتلاك القوة المادية، والتفوق الهندسي، والسيطرة على قوانين الطبيعة، لا يشكّل في ذاته ضمانة للعمران الإنساني، ما لم يكن مؤسسًا على الإيمان والتهذيب القيمي. فالعلم حين ينفصل عن الهداية يتحول إلى أداة طغيان، ويغدو العمران وسيلة للإفساد لا للبناء. وهذا ما يقرره القرآن بوضوح في قوله تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118].

وفي خضم هذا الواقع المضطرب، قد يستبد الخوف بكثير من الناس: خوف على الأبناء، أو على القيم، أو على مستقبل الأمة. غير أن الرؤية الإيمانية لا تُختزل في ردود الفعل النفسية، بل تقوم على وعي سنني عميق، يُدرك أن ما يجري في الكون إنما يقع ضمن سلطان الله وتقديره، لا خارجًا عنه. قال تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

ولا يعني هذا الفهم الاستسلام أو السلبية، بل يحمّل المؤمن مسؤولية أخلاقية واضحة: أن يختار موقعه في خريطة القيم، وأن ينصر الحق حيثما كان، وألا يساوم على مبادئه طلبًا لعَرَضٍ زائل. فالخوف الحقيقي في المنظور القرآني ليس من الموت، إذ هو انتقال إلى وعد الله، وإنما من التفريط في الأمانة، وسوء الموقف يوم الحساب. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 185].

ومن هنا، فإن السؤال الوجودي الذي ينبغي أن يشغل وعي المؤمن – فردًا وباحثًا – ليس: ما الذي يحدث في العالم؟ بل: أين أقف أنا من هذه الأحداث؟
هل قمت بواجبي في الثغر الذي يسّره الله لي؟
هل كنت شاهد حق، أم شاهد صمت؟

تلك أسئلة لا تُجاب بالشعارات، بل بالمواقف، ولا تُقاس بضجيج الخطاب، بل بصدق الانتماء إلى منظومة القيم التي جاء بها الوحي.
ونسأل الله أن يلهمنا الرشد، وأن يرزقنا سلامة المسلك، وحسن العاقبة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.