منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

شيخ المقرِئِين والفرضِيِّين زيد بن ثابت رضي الله عنه (4) الكرام البررة

يعقوب زروق

0

الكرام البررة

شيخ المقرِئِين والفرضِيِّين زيد بن ثابت رضي الله عنه
يعقوب زروق

هو زيد بن ثابت الأنصاري من بني النجار كان يتيما يوم قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة .

شاب آتاه الله من الفطنة والنباهة ما جعله أهلا ليؤتمن على وحي الله حفظا وكتابة. فقد كان من كتبة الوحيِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رئيس لجنة جمع القرآن الكريم مرتين. في خلافة أبي بكر الصديق وفي خلافة عثمان رضي الله عنهما.

ﻳﻘﻮﻝ رضي الله عنه: أتِي بِي النّبِيّ -ﷺ- مقدمه المدِينة، فقالوا: يا رسول اللهِ! هذا غلامٌ مِن بنِي النّجّارِ، وقد قرأ مِمّا أنزِل عليك سبع عشرة سورة. فقرأت على رسولِ اللهِ -ﷺ- فأعجبه ذلِك، وقال: (يا زيد! تعلّم لِي كِتاب يهودٍ، فإِنِّي -واللهِ- ما آمنهم على كِتابِ .قال: فتعلّمته، فما مضى لِي نِصف شهرٍ حتّى حذقته، وكنت أكتب لِرسولِ اللهِ -ﷺ- إِذا كتب إِليهِم.[1]

قلت: أية همة هذه لصبي يتعلم سبع عشرة سورة قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن يراه. ليقابله بعد الهجرة ويقرأ عليه طلبا لعلو السند والتماسا للبركة وللدعاء النبوي. أي عزم هذا ليتعلم لغة جديدة في نصف شهر خدمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللدعوة. لم يأمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود وأمن هذا الشاب اليتيم.

وكعادة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رضي الله عنه إلى القرآن والعلمِ، العمل والجهاد.

فقد رده  صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر لصغر سنه .كما رده في أحد. وقد كانوا يعرضون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطفالا قبل الغزو فيحيز من رآه أهلا للجهاد. ويرد الصغار فيحزنون. وربما أبدى بعضهم مهارة ما ليجيزه. ووقف بعضهم على رؤوس أصابع قدميه. كانوا يتنافسون. ووعده رسول الله صلى الله عليه وسلم الغزوة المقبلة. فكانت الخندق بدايته الجهادية. وفي غزوة تبوك كانت معه راية الخزرج. وقد كانت قبله مع عمارة بن حزم. فدفعها صلى الله عليه وسلم إلى زيد. فقال عمارة: أبلغك عني شيء يا رسول الله؟ قال: لا ولكن القرآن مقدم وزيد أكثر منك أخذا القرآن [2].

خشي عمارة أن يكون بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه شيء فعزله بسببه عن قيادة الخزرج. لكنه صلى الله عليه وسلم بين له أن صاحب القرآن أحق بالقيادة تربية منه صلى الله عليه وسلم وتحفيزا على حفظ كتاب الله.

شهد زيد  العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على جبريل وكان يقرئ الناس بها حتى مات.

كلفه أبو بكر رضي الله عنه بجمع المصحف بعد معركة اليمامة. قال عبيد بن السّبّاقِ: حدّثنِي زيدٌ أنّ أبا بكرٍ قال له:

إِنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ لا نتّهِمك، قد كنت تكتب الوحي لِرسولِ اللهِ ﷺ فتتبّعِ القرآن، فاجمعه.

فقلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللهِ ﷺ. قال: هو -واللهِ- خيرٌ. فلم يزل أبو بكرٍ يراجِعنِي حتّى شرح الله صدرِي لِلّذِي شرح له صدر أبِي بكرٍ وعمر، فكنت أتتبّع القرآن، أجمعه مِن الرِّقاعِ، والأكتافِ، والعسبِ، وصدورِ الرِّجالِ.[3]

كان همهم رضي الله عنهم الاقتداء التام برسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك تردد بداية الأمر ،كما تردد أبو بكر رضي الله عنه قبله، حين أشار عليه عمر رضي الله عنه بجنع القرآن. كما كلفه عثمان رضي الله عنه بالجمع الثاني حين قرر عثمان رضي الله عنه كتابة المصاحف وجمع الأمة عليها.

وانظر كيف كانوا يحترمون أهل القرآن ويجلونهم وكيف كانوا يتواضعون. فهذا حبر الأمة وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بركاب زيد. عن عمار بن أبي عمار أن زيد بن ثابت ركب يوما فأخذ ابن عباس بركابه فقال تنح يا ابن عم رسول الله ﷺ فقال هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا. فقال زيد أرني يدك. فأخرج يده فقبلها. فقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا[4].

الرِّكاب:  هو الحلقة التي يضع فيها الفارس قدمه عند ركوب الدابة. أخذ بها ابن عباس رضي الله عنه ليساعده.

رضي الله عنه وأرضاه.


[1]  – شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت 748 هـ). سير أعلام النبلاء. ج 2 ص 428

[2]  – أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر [ت 463 هـ]. الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ج 2. ص 537

[3]  – سير أعلام النبلاء ج2ص 431

[4]  – ابن عساكر (571 هـ). ج 19. ص 326

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.