زمن المجاملة (قصة قصيرة)
محمد فاضيلي
لم يكن يعلم أن المجاملات وحلو الكلام سيرفعانه مقاما عليا، ودرجة سامية، ومكانة اجتماعية، لا تقبل ولا تستحق.
لم يكن يعلم أنه سيصبح يوما ما علما تتحدث عنه الألسن، وتطيب بذكره المجالس ويحلق اسمه عاليا مع بساط الريح، لتنشره في كل الربوع، وتنثره في كل البقاع.
كان يعتقد ان الأمر مجرد لعبة للتسلية والترفيه، والانعتاق من جور الزمان، وتبادل الاخبار والأفكار، والتحايا والمجاملات، والأماني المعسولة والعبارات المنمقة، التي تضخ في شرايين الصداقة دماء تزهو بطيب الحياة.
واستمرت اللعبة أياما ولياليا وأسابيع وأشهرا..وسنين ، وتقاطر الغيث وتكاثر، وانهمر مدرارا، ليجري شلالا متدفقا، ونهرا رقراقا، وليوحي للنفس التواقة للمعالي، ويوهمها أن العظمة والنبوغ ليسا حكرا على المحتكرين، وأن الرقي في معارج العلا ورحاب الملكوت أيسر من لي العجين وقطف الياسمين..
صدق الكذبة، واستلذ المزحة، واستوهم الظنة، وراح يقتحم الكبار في نواديهم، ويناقشهم في تخصصهم، ويعكر عليهم صفوهم..
وصدق فيه قول القائل:
إذا لبس الحمار لباس خيل…تكشف أمره عند النهيق
تكشف أمره حين دعي للقاء على المباشر، وانفضح سره، وسقطت الأقنعة، وتهدمت العمائر، فكان الوقع شديدا، والمصاب وئيدا،دفعانه لمراجعة الذات، ولم الرفات، والعودة للحياة..وللتعلم..