القيم الإنسانية المشتركة من خلال مقاصد الشريعة
القيم الإنسانية المشتركة من خلال مقاصد الشريعة/ د. الحســن بنعبو
القيم الإنسانية المشتركة من خلال مقاصد الشريعة
د. الحســن بنعبو
أستاذ التعليم العالي
نشر بمجلة النــداء التربـوي، العدد 16-17، السنة العاشرة 1429 هـ-2008،
الصفحات من 61 إلى 66
نحن اليوم نعيش في عالم غدا قرية كونية، وحواجزه الزمانية والمكانية إلى زوال، والباب فيه انفتحت على مصراعيها حتى تتواصل الإنسانية جمعاء في ما بينها، ولم يعد في مقدورنا نحن المسلمين أن ننكفئ على أنفسنا ونتقوقع على ذاتنا.
والإنسانية وهي تعيش هذا المنتدى البشري المفتوح الذي لم يسبق له نظير في التاريخ، أليس حريا بنا نحن المسلمين أن نبحث عن شراكة إنسانية صحيحة مبنية على تواصل حضاري، أساساه مراعاة قيم الأخوة الإنسانية والكرامة الآدمية.
ومن المعلوم أن معركة القيم ضد تأليه الغطرسة المادية لا يمكن الخوض فيها وربحها، في عصر العولمة الذي أضحت فيه معظم المشاكل ذات نزعة كونية إلا إذا تمت على مستوى إنساني واسع.
إن هناك مجموعة من القيم والمثل يتقاسمها بنو البشر فيما بينهم، وهم متفقون جميعا على احترامها ومراعاتها والسعي إلى تحقيقها على الواقع من قبيل: العدل، الكرامة، التعاون، الحرية، التسامح، …
وهذه القيم الإنسانية الأخلاقية قد أقرها الدين الإسلامي الحنيف، واعتبرها مقاصد كلية ينبغي أن يسعى المسلمون إلى إقامتها فيما بينهم وبين غيرهم، إذ لم يوقف الاستجابة لها على الإيمان المسبق، لأن العقل والفطرة يدلان عليها، ولأنها تدعو إلى ما فيه مصلحة البشر، وضرورة اجتماعهم ودوامه، فلا ينازع في أهميتها أحد من الخلائق.
ولا شك أن في الحرص على تحقيقها على المستوى الكوني تكريسا لعالمية الإسلام، وتقريبا إلى الأجناس والأعراق البشرية المختلفة.
وفي هذا المجال سأحاول التأصيل لهذه المسالة انطلاقا مما بحثه ثلة من علماء المسلمين ومفكريهم، ومما جاء في الشريعة الإسلامية حولها.
لقد انصرف المفكرون والفلاسفة منذ القديم إلى دراسة القيم الإنسانية والبحث في طبيعتها، هل هي مبادئ ومثل إنسانية مجردة، عامة غير مشخصة تتجاوز اعتبارات الزمان والمكان، ومن ثم فهي أبدية غير متغيرة، وتدرك بالبداهة والفطرة الإنسانية، أم أنها ليست إلا عوائد وسلوكات وضعية، ومن ثم فهي نسبية وغير مطلقة، فلكل إنسان قيمه وقواعده الخلقية، ولكل مجتمع قيمه الحضارية الخاصة به، وبطبيعة الحال فقد اختلفت الآراء حول معالجة هذه الإشكاليات بين قائل بكونيتها وبين ناف لذلك.
أما علماء المسلمين ومفكروهم فقد تناولوها تحت مسمى المشهورات أو المحمودات أو الآراء المحمودة. فحسب ما نقله ابن تيمية عن ابن سينا. المشهورات عندهم هي قضايا انطوت على قيم عملية متعارف عليها، ومتداولة بين الأمم، ولا تخلو منها ثقافة من الثقافات الإنسانية منذ القدم، وإن صاغتها في قالب خاص، ونحت بها منحى منفردا يتماشى مع خصوصيتها الحضارية، ولقد اتفقت الآراء على احترامها ومراعاتها من أجل تحقيق المصلحة العامة باعتبار أن بها حفظ النظام، وبقاء النوع الإنساني وانتظام وجوده.
ولقد أوجب التصديق بها كما ذكر الغزالي:”إما شهادة الكل أو الأكثر، أو شهادة جماهير الأفاضل”، ويدخل فيها جملة من القيم المتعارف على تقبيحها أو تحسينها منها:” قولك الكذب قبيح، وإيلام البريء قبيح وكفران النعم قبيح، وشكر المنعم وإنقاذ الهلكى حسن…”1 .
وبالنسبة للغزالي، فبالرغم من اعترافه بالأثر الإيجابي لهذه المثل والقيم في حياة المجتمعات والأفراد، فإن انغراسها في النفوس لم يكن ناجما عن يقين عقلي، ومرد ذلك إلى جملة من الاعتبارات النفسية والاجتماعية التي أوجبت أخذ النفوس بها، لأنه:”لو خلي الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه، لما قضى بها قضاء مجرد العقل والحس، ولكن إنما قضى بها لأسباب عارضة أكدت في النفس هذه القضايا وأثبتتها، وهي خمسة:
وأولها: رقة القلب بحكم الغريزة وذلك في أكثر الناس…
الثاني: ما جبل عليه الإنسان من الحمية والأنفة…
الثالث: محبة التسالم والتصالح والتعاون على المعاش…
الرابع: التأديبات الشرعية لإصلاح الناس…
الخامس: الاستقراء للجزئيات الكثيرة “2.
هذا التفسير الذي قدمه الغزالي لدواعي اشتهار هذه المثل الإنسانية هو نفسه الذي أشار إليه بشكل أو بآخر مفكرون وفلاسفة مسلمون آخرون، أذكر منهم الفيلسوف ابن سينا.
نقل ابن تيمية عنه في هذه المسألة: ” فأما المشهورات من هذه الجملة، لا عمدة لها إلا الشهرة، وهي آراء لو خلي إنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه، ولم يؤدب بقبول قضاياها والاعتراف بها، ولم يمل الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات… لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو همه، أو حسه”3.
مراعاة الشريعة الإسلامية للقيم الإنسانية المشتهرة:
لا يخفى على أحد الحضور القوي للقيم الأخلاقية في الشريعة الإسلامية. وحسبنا ما ورد من آيات وآثار تصرح تصريحا لا غموض فيه على صلتها بجانب السلوك الأخلاقي، وفي ذلك روايتان صحيحتان لحديث مشهور نصتا على هذه الصلة وهما:
“إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”4 و”إنما لأكمل صالح الأخلاق”5.
إن عملية التتميم الواردة في الحديث تقتضي طبعا تصحيح، وتهذيب تلك القيم والآراء العملية على نحو يجعلها منسجمة مع الرؤيا العقدية والعملية للتصور الإسلامي.
وإن مراعاة الشرع الإسلامي في أحكامه5 الاعتقادية والعملية للآراء المحمودة ناجم من كونه هو نفسه دين الفطرة، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى:(فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)سورة الروم الآية 30.
قال الزمخشري “الفطرة الخلقة… والمعنى أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له، لكونه مجاوبا للعقل مساوقا للنظر الصحيح، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر”.6
ولعل مراعاة الشريعة الإسلامية لما استحسنته من قيم فطرية، أو مثل ذائعة بين الأمم التي سادت فيها كان عاملا في تمكين الإسلام من أن يضرب أطنابه بينها، بخلاف غيره من الشرائع التي طرحتها تلك الأمم، لم يكتب لها السيادة بينها. لقد” بقي الإسلام عبر القرون حيا في نفوس معتنقيه في جميع بقاع الأرض، حبا في عقائده ومعاملاته بكافة فروعها، ومطبقا في الأقطار الإسلامية، وإن تفاوتت النسب في هذا التطبيق”.7
وإن المثل والقيم الأخلاقية العملية التي استحسنها الناس بعقولهم التي فطرهم الله تعالى عليها، حتى تلك الذائعة بينهم بحكم العادة، قد نالت حظها من الاعتبار في التشريع، ما دامت لا تتعارض مع مقاصد الشرع وأهدافه، وفي ذلك إجراء لأحكام الشرع بما يحقق مصالح الناس.
وإذا اعتبرنا العرف أو العادة هي: “ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول” 8 فإن العرف أو العادات الشرعية شاملة للقيم والسلوكيات الأخلاقية العملية التي تشتهر بين الناس، و يستحسنونها بعقولهم التي فطرهم الله تعالى عليها، أو تلك الذائعة بينهم بحكم العادة.
وإن كل المذاهب الفقهية الرئيسية قد جعلت من العرف استدلالا معتبرا على الأحكام وراعته في مسائل كثيرة.9
ولهذا فإن الشرع الإسلامي لا يمانع من أخذ هذه القضايا المشتهرة عللا للأحكام، و لقد كانت بالفعل موردا ومازلت لأكثر التعليلات الدائرة في الفقه.
ولا بأس أن نمثل لبعض المقاصد والمثل الكلية التي دعت الشريعة الإسلامية إلى إتيانها فيما يخص البشرية قاطبة، ودون أن توقف ذلك على الإيمان المسبق.
مقصد التعارف:
جاء في القراًن الكريم (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفو إن أكرمكم عند الله أتقاكم) سورة الحجرات الآية 13..
ما يستوقفنا في هذه الآية و الآيات الأخر التي تذهب في نفس الاتجاه هو تأكيدها على مقصد التعارف في الاجتماع البشري، فالناس كلهم من أصل واحد من ذكر وأنثى، ولو اختلفت مشاربهم وأمزجتهم، وقد خلقهم الله تعالى هكذا حتى يتعارفوا فيما بينهم و يتعاونوا على تحقيق كل ما يحقق التكامل بينهم في كل المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية.
مقصد العدل
العدل من القيم الإنسانية الفطرية التي تنشرح النفوس لمظاهره، وهو أيضا من المثل التي كانت الإنسانية تسعى دائما لإقامتها، فقد اتفقت الشرائع الإلهية و العقول الحكيمة على إقامتها بين الخلائق.
ولهذا فقد أكد الله تعالى على المؤمنين إقامة العدل بين الناس عامة حتى يكونوا بذلك نموذجا للتجرد الإنساني الرفيع، قال في محكم تنزيله: (و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى). سورة المائدة الآية 8.
و إقامة العدل بين الأمم و الحث على التمسك به عامل أساسي لتحقيق السلام المطلوب بين الشعوب، فالعدل والسلام صنوان لا يفترقان، كما أن العدل ليس قاصرا على المجتمع الإسلامي بل هو مقصد أساسي في العلاقات الإنسانية على مر التاريخ، قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)سورة الحديد الآية 25.
وإذا وعينا أهمية العدل والسلام باعتبارهما مقصدين إنسانيين دعا الإسلام إلى تحقيقهما لكونهما يحققان التعايش والطمأنينة والاستقرار بين أحياء يشتركون بينهم إنسانيتهم، فإن هذا يقتضي من المسلمين أن يوحدوا جهودهم مع كل الجهات النزيهة التي تسعى إلى إيجاد منظومة دولية تحقق أمنا جماعيا للإنسانية، و تنصر المستضعفين في كل مكان، وتحمي الحريات والحقوق و في مقدمتها حرية الفكر و العقيدة.
مقصد تكريم الإنسان:
تحرير الإنسان من عبودية أخيه الإنسان وتكريمه مقصد أساسي من مقاصد عقيدة التوحيد التي حاربت إهدار كرامة الإنسان وآدميته، ذلك أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، ومصالحهم لا تتحقق إلا بحماية الضروريات الخمس، وهي:
العقل، والدين، والنفس، والعرض و المال، و هي في الوقت نفسه حقوق الإنسان الأساسية لا تحقق إنسانيته، و لا تحفظ كرامته إلا بتوفرها و حمايتها: كحق الحياة، وحق التدين والاختيار، وحق التملك والتصرف، وحق بناء الحياة الاجتماعية والنسل، وحق التفكير و التعبير.
ولقد أصبحت فكرة حقوق الإنسان و الدفاع عنها من الأمور الجوهرية في المجتمعات المعاصرة، بل من الدواعي التي تبيح للدول و الهيآت الدولية حق التدخل لحمايتها في أي مكان، متجاوزين بذلك مفاهيم السيادة الوطنية والمفاهيم المحلية التي كانت تعطي لدلالات حقوق الإنسان.
هذا و بالرغم من أن هذه التدخلات قد يطبعها في أحيان كثيرة ازدواجية المعايير، فإن مبدأ التدخل أصبح مقررا على كل حال، ولا مناص منه في فك أسر الشعوب من أغلال وقيود النظم الطاغوتية والاستبدادية، ولعلنا قد نجد الكثير من الشواهد في الشريعة الإسلامية التي تجيزه، وذلك أن معظم فتوحات الإسلام كانت من هذا القبيل، وخير دليل على ذلك موقف ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما سأله رستم عن دوافع الفتح و المجيء إلى بلد فارس، فقال ربعي: “جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”، تلك إذا هي خلاصة دعوة الإسلام وجوهره، وينبغي أن يعمل المسلمون ودعاته على تصديرها و العمل على تحقيقها على المستوى الإنساني مع كل من يشاركونهم نفس الهموم.
وفي الأخير أقول أن القصد الكوني للإسلام بتحقيق الخلافة العامة للإنسان في الأرض طبقا لما جاء في قوله تعالى: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) سورة البقرة الآية 30. يشكل أرضية مشتركة للإنسانية قاطبة للتعاون وعمارة الأرض برغم تباين العقائد والأجناس واللغات، وبديلا لكثير من الأفكار العنصرية ودعوات الهيمنة.
الهوامش
1/ –المستصفى. 1/116
2 /- معيار العلم. ص:143
3 /- الرد على المنطقيين. 2/133
4 /- رواه البيهقي في سننه الكبرى ج 10/191 عن أبي هريرة و ابن عبد البر في التمهيد ج 16/254.
5 /- رواه ابن عبد البر في التمهيد بلفظ”إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”ج4/475. ورواه الحاكم النيسابوري [ت405هـ] في مستدركه بلفظ “بعثت لأتمم…” ج 2/670.
6 /- الكشاف عن حقائق التنزيل. أبو القاسم الزمخشري[ت535هـ]. ج 3/222
7 /-دراسات و بحوث في الفكر الإسلامي المعاصر. ج 2/465
8 /- لسان العرب. 9/236
9 /-انظر العرف والعمل عمر الجيدي من ص: 77الى ص:90.