” الأنس والسلوة بذكر أشرف رحلة”
بقلم: الأستاذة البتول بلمودن
لله درها من رحلة عظيمة عجيبة هي الأغرب والأعذب من بين كل الرحلات التي وقعت منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وكذلك ستبقى الرحلة الأجمل والأسمى والأعجب إلى أن يرث المولى سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها.
الإسراء والمعراج في وصف القرآن الكريم:
ومن حسن أمر هذه الرحلة المذهلة وشرف قدرها أن خلد الله العلي الخبير ذكرها في كتابه الكريم الذي أرسله هدى للعالمين في كل مكان وحين، كما أنه سبحانه الحكيم العليم قد استعمل أسلوب التعجب ليسترعي انتباهنا إلى التفكر في تفاصيل تلكم الرحلة المعجزة التي تستدعي التسبيح للواحد الأحد الفرد الصمد، لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيز القدير. يقول الله تعالى في الآية الأولى من سورة الإسراء: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
التسبيح تنزيه لمن هو في غاية النزاهة عن كل نقص وعجز عن كل ما لا يليق به سبحانه الله الواحد الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام، الجدير بألا نعبد إلا إياه وأن نعرض عن جميع ما سواه. ولقد افتتح الله الحكيم الخبير بالتسبيح هذه السورة الكريمة من دون سابق بيان لما يجب تنزيهه عنه سبحانه عز وجل، فكانت فاتحة مشوقة تعجيبا للسامعين وتمهيدا لهم لتلقي خبر عجيب عن حدث كبير اختص به الله العلي العظيم عبده الكريم، من أضافه إليه إضافة تشريف لا إضافة تعريف، مولانا محمد سيد الخلق وأشرف المرسلين.
الإسراء والمعراج في حديث السيرة النبوية:
الإسراء والمعراج رحلة جميلة جليلة، امتدت من أشرف بقعة في الأرض لتعانق السماوات السبع على متن البراق الأغر، بطلها خير الخلق صلوات ربي وسلامه عليه الرحمة المهداة الى العالمين كافة. رحلة ود ومؤانسة وتحبب ومؤازرة، مهداة من الودود المجيد للنبي الحبيب صلى الله عليه وسلم تواسيه وتروي قلبه المتعب الحزين جراء إعراض القوم وجفاء الأقارب وفقد الأحباب…
الإسراء والمعراج رحلة للضيافة والتكريم والتثبيت من لدن العلي الكريم القوي العزيز، استجابة لتلك المناجاة الرقيقة المؤثرة للرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد ضاقت عليه الدنيا بعد أن اكتوى بفقد عمه أبي طالب المدافع عنه وزوجه الحبيبة المساندة له، ولاقى في سبيل إبلاغ الرسالة الإلهية أصنافا من الآلام والأذى( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ).
ما أصدقه من دعاء وما أرقاها من مناجاة يبث فيها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لواعج نفسه إلى حبيبه ومولاه سبحانه وتعالى في موقف شديد عصيب كما أخبر بعد ذلك سيدتنا عائشة رضي الله عنها عندما سألته هل مر عليه يوم أصعب من يوم أحد؟” قال عليه السلام:” لقيت من قومكِ ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة… فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْنِ الثعالب، (وهو المسمى بقَرْنِ المنازل)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال:” يا محمد، ذلك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ـ أي لفعلت، والأخشبان: هما جبلا مكة: أبو قُبَيْس والذي يقابله، وهو قُعَيْقِعَان ـ قال النبي ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا”…
الأسراء والمعراج هدية الله لنا جميعا:
الإسراء والمعراج الرحلة السماوية المعجزة والجائزة الربانية المذهلة، كانت مكافأة هائلة تجاوزت المدى إكراما للمنة العظمى رسول الله عليه الصلاة والسلام المبعوث رحمة للعالمين وقد لاقى في الله ما لاقى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وكذلك تبقى رحلة الوصال والتشافي من سيرة أشرف المرسلين، في كل زمان ومكان، الذكرى المهداة لكل الأخيار الطيبين من أمته المباركة بلسما للروح والقلب، يستمدون منها منارات تبدد حلكة الطريق وتدلهم على الملجأ ومن إليه المنجى سبحانه المعين النصير.
وبالرغم من الاختلاف حول وقت حدوث رحلة الإسراء والمعراج، فإن أمر الاحتفاء بذكراها مرغوب ومطلوب تجدده على مر السنين والأعوام عسانا نحظى بالاقتراب والاعتبار من حياة صاحب الذكرى ناصح الأمة وكاشف الغمة عليه الصلاة والسلام، يعلمنا كيف نتأدب بين يدي مالك الملك سبحانه وتعالى نسلم له الأمر، ونتيقن في نصره وقلوبنا تردد الحسبلة لا تمل، وتجزم مصدقة متوكلة عليه سبحانه العلي العظيم هو مولانا وحده عز وجل ونعم الوكيل.
الإسراء والمعراج أشرف وأطيب رحلة لنا في ذكرها الأنس والسلوة كلما ضاقت الأحوال واشتدت علينا الأوقات، وأحاطت الهموم والأهوال بنا من كل الجهات. ولنحن أحوج ما نكون إلى تخليد هذه الذكرى الطيبة في زمن الطوفان هذا نستلهم من عهد النبوة الزاهر قصص الصحبة ومعاني النصرة، حيث نشاهد قعودا عاجزين صمود أبناء غزة الأحرار رجالا ونساء وأطفالا، وهم يدفعون عن الأمة من دمائهم الزكية ثمن العزة وضريبة الكرامة، يردون وحدهم كيد الصهاينة الأنذال على مرأى ومسمع العالم، بل وبتكتل من قواته المستعلية وعون من الحكام الخونة.
الإسراء والمعراج امتحان الصدق والنصرة:
الإسراء والمعراج رحلة تحرر من أثقال الماديات المكبلة إلى آفاق الإيمان بالغيب الواسعة الممتدة، رحلة أنس وسلوة وقرب ومحبة، وامتحان للصدق والنصرة:
نحتاج في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ الأمة، أن نتذكر هذه الرحلة الكريمة بكل أحداثها العظيمة وتفاصيلها الدقيقة، نحتاج أن نروي من أنفاسها ظمأنا لحلاوة الإيمان وأشواقنا الكبيرة، ونتزود منها بما يحفظ آمالنا في وعد الله قائمة عريضة، نحتاج أن نحتفي بثبات الصاحب الأمين سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه نتعلم منه خصال الرجال الأفذاذ المناصرين، ونحتمي بها من تشكيك وتلبيس المطبعين والمتخاذلين، فنعمل مجدين على أن نكون من المسندين لإخوتنا المدافعين عن راية هذا الدين… نحتاج أن نتفكر في كل هذا مليا…، ونقف لنسائل أنفسنا بكل صدق وشفافية: كيف بنا لو كنا هناك بين القوم حاضرين؛ نرى ونسمع خبر الرحلة العجيبة من فيه الشريف عليه الصلاة والسلام؟ هل كنا سنقف إلى جانبه صفا أم أنها كانت- لا سمح الله- الأخرى؟
هنيئا للصديق المصدق رضوان الله تعالى عليه، وجعلنا الله سبحانه عز وجل على دربه وحشرنا في زمرة المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.