منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصين تمارس الدبلوماسية الصحية كقوة ناعمة

زمان كورونا٢٠٢٠ ـ الفصل 4

0

ونحن نصل اليوم ٢ ابريل ٢٠٢٠ إلى مليون مصابا بفيروس كورونا عبر المعمور ،

ما معنى أن يبدأ الفيروس في الصين وتتم السيطرة عليه بسرعة؟

ما معنى أن تتوقف عجلة الحياة في العالم بهذه السهولة؟ التي لم تحققها الحروب العالمية؟

الجواب تقدمه السياسة الخارجية الصينية، تحت مسمى الدبلوماسية الصحية.

الدبلوماسية مأخوذة من الكلمة اللاتينية diploma، والتي تعني وثيقة رسمية، والتي بدورها مشتقة من الكلمة اليونانية δίπλωμα، والتي تعني ورقة/وثيقة مطوية).

إنها وسيلة إجراء المفاوضات بين الأمم. ويطبق اليوم بعض أهل الأدب هذا التعبير على الخطط والوسائل التي تستخدمها الأمم عندما تتفاوض. فالتفاوض، في هذا المعنى يشتمل على صياغة السياسات التي تتبعها الأمم لكي تؤثر على الأمم الأخرى. وعندما يفشل التفاوض أثناء أزمة كبيرة، فإن الحرب تنشب في أغلب الأحيان.

ومع وباء كورونا ٢٠٢٠ ظهر مفهوم الدبلوماسية الصحية الذي توسع ليشمل مجالات خارج نطاق قطاع الصحة، الى التوظيف السياسي، وذلك من أجل التصدي للتحديات (الحروب والاوبئة… ) من منظور سياسي واقتصادي واجتماعي.

و منذ العقد الماضي وظف مفهوم “دبلوماسية الصحة العالمية” كمجالٍ جديد من مجالات الدبلوماسية، وذلك في سياق التحول في طبيعة العلاقة بين المانحين والمتلقين، وبروز أنواع جديدة من التحالفات الصحية، وتنامي التعاون بين دول الجنوب-الجنوب. وهو الأمر الذي تتزايد أهميته بفعل الأوبئة المتفشية، بما في ذلك تفشّي فيروسَيْ الإيبولا في غرب إفريقيا، وزيكا في أمريكا الجنوبية. وهو الأمر الذي يفرز بدوره تحدياتٍ جمّة على صعيد العلاقات الدولية وتوازانات القوى العالمية.

ومن أهم الأمثلة التي استعملت فيها الدبلوماسية الصحية سابقا، إدارة الاستجابة لفيروس إيبولا وشلل الأطفال؛ وإعداد المعاهدات الدولية، مثل “الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ” و “اللوائح الصحية الدولية 2005″؛ وعمل الأمم المتحدة، بما في ذلك الإعلان السياسي للأمم المتحدة حول الأمراض غير السارية والأهداف التنموية المستدامة الجديدة لما بعد عام 2015؛ والأعمال التنفيذية في مجال الاستجابة الإنسانية في العراق والجمهورية العربية السورية ودول أخرى.

“دبلوماسية الصحة العالمية” ترفع من تعقيد الدبلوماسية المتعارف عليها، لأنها تمتد إلى فضاءاتٍ جديدة، وتضم فاعلين ومستوياتٍ مختلفة، لتشمل كلًّا من: الدبلوماسية الأساسية، والدبلوماسية متعددة الأطراف. ففي حين تُشير الأولى إلى المفاوضات الدولية رفيعة المستوى، لا سيما في إطار منظمة الصحة العالمية، تشير الثانية إلى الأدوار التي تضطلع بها المنظمات الثنائية ومتعددة الأطراف، جنبًا إلى جنب مع الحكومات الوطنية، لتطوير وتنفيذ ومراقبة المبادرات الصحية الوطنية والإقليمية.

تُعَد “دبلوماسية الصحة العالمية” مجال بحثي وليد، يتطلب مزيدًا من التأصيل المفاهيمي، خاصة في ظل هيمنة الغرب على دراسات الدبلوماسية بشكلٍ عام ودبلوماسية الصحة بشكلٍ خاص، مما حجب الممارسات والإسهامات الإفريقية.

استراتيجية القناع:

تستند الصين في استراتيجيتها الدولية تجاه وباء كورونا، إلى سلسلة مبادراتها وهي:

١. هبة قدرها 20 مليون دولار لمنظمة الصحة العالمية.

٢. إرسال خبراء في الطب إلى إيران وإيطاليا.

٣. بناء مختبر في العراق،

٤. إرسال اجهزة فحص إلى الفيليبين ومعدات وقائية إلى باكستان وفرنسا.

وتقود سفارة الصين في فرنسا حملة دعائية للنظام السياسي الصيني و”لنجاحه” في المعركة ضد كورونا الجديد.

وكتبت على موقعها الإلكتروني “بعض الأشخاص معجبون كثيراً بالنجاحات التي حققتها الحكومة الصينية. يحسدون كفاءة نظامنا السياسي ويكرهون عجز بلادهم عن القيام بالأمر نفسه!”.

ويرى الخبير الفرنسي في الجيوسياسة فرانسوا هيسبورغ أن كل ذلك “غير مقبول على المستوى الدبلوماسي”. وأضاف أن “صدقية الجمهورية الشعبية على المحك”، حتى لو لم ترسل بكين مثل هذه الرسائل بشكل مباشر.

ويأتي الصراع العقائدي حول كوفيد-19 بعد الصراع من أجل السيطرة على المعابر البحرية في بحر الصين أو من أجل الوصول إلى خدمة انترنت الجيل الخامس، وهو تحد استراتيجي جديد لعالم الاتصالات.

وتوضح أليس إيكمان المحللة المسؤولة عن شؤون آسيا في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية لوكالة فرانس برس أنه “منذ سبع سنوات، تخوض الصين منافسة شرسة بين الأنظمة السياسية واغتنمت كل فرصة وطنية أو دولية لإظهار “التفوّق” المفترض لنظامها”.

بدوره، يعتبر الخبير فرانسوا هيسبورغ في حديث لفرانس برس أن بكين تريد أيضاً “التخلّص، في الداخل كما في الخارج، من الخطيئة الأصلية”، المتمثلة في ظهور الفيروس على أراضيها.

– دول أخرى على خط دبلوماسية الصحة:

تستخدم روسيا التي تشوّهت سمعتها جراء ضمّ شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014 وقصف المدنيين في سوريا، أيضاً “قوّتها الناعمة” في هذه الكارثة الصحية، مجازفة باحتمال تقديم معلومات مضللة، وفق منتقديها.

وانتشر جنود روس بينهم كثير من الضباط، في المناطق الأكثر تضرراً في شمال إيطاليا، الأمر الذي يثير مخاوف في الأوساط السياسية العسكرية.

ويعلق الجنرال ماركو بيرتوليني الرئيس السابق للقيادة الإيطالية المشتركة للعمليات “لا نرفض المساعدات لكن يجب أن نبقى أيضاً متيقظين كثيراً. منطقة المتوسط، في شرقها وكذلك في وسطها، هي أرضية صراع على الهيمنة، من سوريا إلى ليبيا”.

الخلاصة أن وباء كورونا فتح الباب للصين للسيطرة على الأقل على اوربا ودول إفريقيا، وهو ما سجله صراحة مسؤولون أوروبيون:

– الأحد الماضي، اتهمت وزيرة الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية أميلي دو مونشالان الصين، وكذلك روسيا؛ “باستغلال” مساعداتهما الدولية و”إبرازها”.

– وفي 24 مارس/آذار الجاري، أعرب وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل عن استيائه من “الصراع العالمي على كيفية رواية الأحداث”، و”الصراع على السلطة” القائم عبر “تشويه” الوقائع وسياسة السخاء”.

إن محاولات تشويه سمعة أوروبا، خاصة ايطاليا( رغم ان الوباء اندلع في يناير/كانون الثاني الماضي في الصين متركّوا في هوبي. ) رغم ذلك

تواجه ايطاليا واسبانيا شبح كورونا منفردتين، وقد حذر رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي الاتحاد الأوروبي من أنه “قد يفقد سبب وجوده” في حال ارتكابه “خيارات مأساوية” في مكافحة فيروس كورونا، وتنبأ بحالة كساد غير متوقعة قد تغرق أوروبا.

وفي مقابلة صحفية نقتها رويترز، اعتبر كونتي أن التقاعس سيترك للأجيال القادمة “العبء الهائل لاقتصاد مدمّر”، وأضاف “هل نريد أن نكون على مستوى هذا التحدي؟ إذن، لنطلق خطة كبيرة؛ خطة أوروبية للتعافي وإعادة الاستثمار، تدعم وتنعش الاقتصاد الأوروبي كله”.

الحقيقة العلمية أن أوبئة كثيرة مرت على البشرية، إلا أن كورونا ٢٠٢٠، لن تنتهي بسهولة، وربما تعيد تشكيل المنتظم الدولي، بظهور تكتلات جديدة واختفاء أخرى كانت إلى الأمس القريب يحسب لها كل حساب.

المراجع:

منظمة الصحة العالمية، euronews, ، نشرات الجزيرة الإخبارية، رويترز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.