﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء الواحد والعشرون – (١٠)سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء الواحد والعشرون – (١٠)سلسلة “نتغير لنغير”
بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه
ورحلة أخرى تأخذك شعيرة الحج فيها .. إلى بعد زمني آخر تراه في كل منسك من مناسكها… وفي كل مشهد فيها … إلى زمن المستقبل .. لتعيشه في الحاضر .. ولعله الدرس الأهم والنبأ الأعظم في هذه الشعيرة ..
الحديث هنا عن ذلك الأصل الأعظم من أصول دينك وإيمانك بالله .. “الآخرة”.. الآخرة الحاضرة في كثير من تفاصيل الحج مهما تنوعت، الجاثمة هناك، القريبة جدا قرب الجلد عليك، هذا هو الحال بالضبط، تكون الآخرة تلبسك .. تتلبسك .. كما عبر كاتب[1].. فهل تعلم كيف؟
وهي أوضح ما تكون في ملابس الإحرام، التي يرتديها الحجيج وجوباً في تلك الرحلة، لتمثل بطاقة تعريفهم وهوياتهم.
ترى بم تذكر تلك الملابس؟
أليس الأكفان .. يرتديها الجميع، غنيهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم،كبيرهم وصغيرهم، حاكمهم ومحكومهم .. فيبدون متساوين في هذا، تنمحي كل الفوارق، وتسقط كل الألقاب، وتنهار كل الرتب والطبقات، ولا قيمة لجاه ولا ميزان لسلطان، الكل سواء في تلك الهيئة، كما الكل سواء مع الحقيقة الكبرى التي لا مفر منها، ولن تحابي أحداً: حقيقة الموت..
ثم أليس مشهد الحج بمجمله يمثل مشهدا مهيباً، كأنه يضع المشاهد في مشهد يحشر فيه الناس، وكأنهم يخرجون للنشور، متساوين ليس معهم إلا حقيقتهم الواحدة، وهي الفقر والضعف والحاجة إلى ربهم، حُفاةً عراةً، حاسري الرُّؤوس، يَحدوهم رجاء واحِد، وأمل واحد؛ هو الفوز برضا الله عزَّ وجلَّ ومغفرته.
إنه صورة مصغَّرة لليوم الآخر؛ “الإحرام والكفن، المساواة والمواساة، التدافُع والترافُع، الظمأ والعرق، الموت والفوات، وكما أنَّ الحاج يُحاول أن يمرَّ مِن أهوال الزحام، ويَنتهي من عناء المناسك مِن طواف وسعي ووقوف ورمي، ويُحقِّق آماله بأن يرجع من حجِّه كيوم ولدته أمُّه، كذلك القادم على ربه يتمنَّى أن يَنجو من أهوال الآخرة، ويَحوز رضا ربه وعفْوَه وكرمه”.
في الحج يمنح المرء فرصة ارتداء الكفن الذي يسمى ملابس الاحرام، ليخوض التجربة، وَهو حي يرزق، يعمل ويتحرك ولا مجال له للسكون والخمول والجمود والتكاسل [2]، بل عليه أن يعمل ويعمل ويعمل، وتلك هي رسالة الحياة، العمل ثم العمل ..
إنه يخوض تجربة الآخرة وهو في دنيا العمل والكدح والأسباب .. حتى إذا حان الموعد وجد الآخرة أفضل وأحسن .. حيث لا عمل ولا تعب، بل جزاء وحساب..
بيت القصيد ..
إن إيمانك باليوم الآخر، هو ما يعطي حياتك ووجودك المعنى والمغزى، ينشئ في القلب الإرادة التي تدفع إلى فعل ما ينبغي فعله، واجتناب ما ينبغي اجتنابه.
إنه قائم على فكرة أنما الحياة الدنيا فرصة ثمينة ينبغي اغتنامها في العمل الصالح لتلقي الجزاء الأوفى في الآخرة، يوم اللقاء والحساب على ما قدم المرء في الحياة الدنيا، فإما إلى نعيم مقام، وإما إلى جحيم يسام.. إنه الدافع إلى تحمل المسؤوليات وتقديرها، وحسن التصرف على أساس المراقبة والمحاسبة، فهو ليس دافعا إلى الزهد في الدنيا بمعنى تركها خربة.. بل هو خير دافع لجلب المصالح ودرء المفاسد، هو الدافع إلى الخير والوازع من الشر.
وما أحوج المسلمين اليوم وكل يوم إلى استعادة مقام هذا اليوم في نفوسهم وتفعيل مقتضيات الإيمان به العملية في حياتهم، ودوره في استنهاض الهمم والعزائم للعمل الجاد لتغيير ما بأنفسهم وتزكيتها، وحياتهم وعمران أرضهم وتقدمهم في الأمم، والانتشال من حالة الجمود والتخلف وإهمال الحياة، وتركها لمن أحبها، فالجزاء في الآخرة إنما هو حصاد ما قدم الإنسان في الدنيا من أعمال وفعاليات خير وصلاح أو شر وفساد.
****
وخلاصة القول أن شعيرة الحج تلقن دروساً عظيمة، وتحتوي هدايات كبيرة لحياة أقوم وأرشد، كان ما سبق بعضها فحسب.. ولعلها الأهم..
وبالمجمل هي عبادة تقفك على تذكيرات وإرشادات وتوجيهات تقيم عليك الحجة والبرهان، والعجيب أن لفظ الحج آت من ذلك كذلك؛ فالحج من حجج، ومنها الحُجّة والمحاجة والبرهان، كما تجده في لسان العرب ..
[1]– الفردوس المستعار والفردوس المستعاد، أحمد خيري العمري، ص٥٣٧.
[2]– براجع طوفان محمد، أحمد خيري العمري، ص ١٣١.