﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء التاسع عشر – (١٠)سلسلة “نتغير لنغير”
د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ – الجزء التاسع عشر – (١٠)سلسلة “نتغير لنغير”
بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه
تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام مناسبة ربانية عظيمة، وموسماً كبيراً من مواسم التغيير في الإسلام، للذكرى والتزكية، وشحذ الهمة لتغيير ما بنفسها، واستعادة فاعليتها.
الحديث هنا عن تلك المناسبة التي ترجع الأمة فيها إلى أول بيت وضع للناس؛ حيث يرفع ذلك النشيد العذب الذي يهز الأرواح، ويغذي الوجدان، ويذكر بقضية الوجود الكبرى، والمصير الذي لا مفر منه، الشعار الذي يملأ الآفاق، وأكثر ما يتردد على الأسماع ويطرقها، ويبلغ الأقطار والعالم كله: “لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك .. إن الحمد والنعمة لك والملك .. لا شريك لك”
إنها مناسبة “الحج” … تلك الشعيرة التي لا تخص الحجاج وحدهم، بل كل المسلمين معنيون بالوعي بدروسها العميقة، والتشكل الفكري والوجداني على دلالاتها ومفاهيمها الكبرى، وتلقي معانيها الإيمانية، ولو عن بعد.. ولا غرابة .. فالعصر اليوم عصر الاتصال عن بعد .. الاتصال بذلك المكان ومناسكه والمرء في قعر بيته، يتزود ويستجيب لما يحييه:﴿وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَیۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ یَـٰۤأُو۟لِی ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ البقرة ١٩٧.
أول الدروس والإرشادات من الاسم “الحج”، فالحج من حجج، وهو دالٌّ على القصد، ومنه حج بيت الله الحرام؛ أي قصده بالزِّيارة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل القصد النهائي من هذا القصد البيت/ المكان ذاته؟؟
الإجابة التي تتبادر في الوهلة الأولى: نعم، الحج قصد لمكان بعينه، في زمن بعينه، بمناسك بعينها، كما هو المعلوم من الدين بالضرورة .. إنه المعنى الأظهر والأولي، وبالطبع هو ليس معنى بسيطاً ولا هيناً..
لكنك إن أمعنت النظر، ستجد الإشارة إلى أن يتضمن معنى موجهاً لك في الحياة، دون إلغاء هذا المعنى الأولي، يشير إليه كاتب بأنه:”ربما القصد هنا لا يرتبط بالمكان فحسب.. بل يرتبط بأهمية أن يكون لك مقصد في حياتك .. أن يكون لك هدف في هذه الحياة.. هدف واضح محدد. هدف له موقع وإحداثيات، وليس مجرد فرضية في خيالك.. هدف مرتبط بمكان.. بطريق على الأرض.. بطريق تشقه على هذه الأرض.. لتصل إلى هدفك.. مقصدك .. أن يكون لك هدف في هذه الحياة.. أن يكون لك مقصد تراه نصب عينيك وتعرفه جيدا.. الحج يعني القصد؟ نعم .. يبدو ذلك أكثر اتساقا الآن .. أن يكون ركنك الخامس الركين ركنا يبني في داخلك (المقصد).. ألا تضيع حياتك سدى وعبثاً .. بل أن تشق طريقك بنفسك .. نحو المقصد.. أن يكون المقصد في كل شيء في حياتك شاخصا أمامك .. مثل جبل شامخ”[1].
هذا، ومهما كانت المقاصد والأهداف التفصيلية في الحياة .. فينبغي أن تنتهي كلها إلى المقصد الأعلى والأسنى الذي تدور عليه مدرسة الحج .. إلى غاية الغايات .. إلى الوجهة النهائية .. المرجع والمصير الذي يعلو على الكل ولا يعلى عليه.. وجهة حركة الوجود كله: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِی ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ القصص:٧٠. فالحج كما يعمق فيك قيم القصد والهدفية في الحياة والغائية واللاعبث، فإنه يذكرك بالوجهة .. ووجهة حركتك في الوجود.. “الله” جل جلاله..
والله تعالى يشكلك على هذا المعنى والمفهوم:﴿إِنِّی وَجَّهۡتُ وَجۡهِیَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِیفࣰاۖ وَمَاۤ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ الأنعام:٧٩؛ أي أخلصت قصدي له، وأقبلت عليه وحده معرضاً عمن سواه، توجهت إلى خالق الخلق، ومبدع الصنع، وأقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني، وكل عملي وكل ما تشمله عبارة “وجهي”.. إنه الاتجاه والوجهة إلى مالك الملك، وفاطر السماوات والأرض.. الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف ولا يميل، واليقين الجازم .. فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير..
ويزيدك ربك تربية على هذا المعنى واستقامة طريقك به ومشروعك في الحياة بالقول: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ الأنعام:١٦٢.. هي الوجهة الخالصة، والتجرد الكامل لله، بكل خالجة في القلب، وبكل حركة في الحياة، بالصلاة والاعتكاف، وبالمحيا والممات، وبالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه .. فهو الله الواحد الأحد الصمد الذي تناهى سؤدده المطلق في كل شيء إلى حد تنقطع دونه الآمال.. فكان بحيث لا يحتاج إلى شيء.. وكل شيء إليه محتاج .. هو الله الفرد الأحد الصمد: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢لَمۡ یَلِدۡ وَلَمۡ یُولَدۡ ٣وَلَمۡ یَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ الإخلاص١-٤؛ إنها عقيدة الضمير، وتصور العقل، وتفسير الوجود، فإذا استقر هذا التفسير، ووضح هذا التصور، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هذه الذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية.. فيتوجه له وحده في الرغبة والرهبة.. في السراء والضراء.. في النعماء والبأساء.. وإلا فما جدوى التوجه إلى غير موجود وجوداً حقيقياً .. وإلى غير فاعل في الوجود أصلا!؟
فما أعظم اسم هذه الشعيرة .. اسم على مسمى!!
وما أعظم درسها الأول للحاج وللمتصل عن بعد .. !!! ..
إنه “الحج .. ودرس الوجهة“
[1]– أحمد خيري العمري، طوفان محمد، ص ٦٢-٦٣.