منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأركان الثلاثة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الأركان الثلاثة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف/ الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

الأركان الثلاثة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

الحمد لله الذي أكرم المصطفىﷺ بمقامات اليقين في سريرته، وبتمام مكارم الأخلاق في سيرته، وبمظاهر النظافة والطهارة في صورته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وصفاته، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أوجب علينا اتباع سنته، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحابته، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم ينتقل فيه الناس إلى آخرته.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها نحن في شهر ربيع الأول، شهر يحمل إلينا من عَبَق التاريخ ذكريات كثيرة تتعلق بسيرة المصطفىﷺ؛ ففيه ولدﷺ، وفيه بدأ الوحي بالرؤيا المنامية، وفيه هاجرﷺ من مكة إلى المدينة، وفيه نزلت الآية التي حرمت الخمور والقمار، وفيه توفي إبراهيم ابن النبيﷺ، وفيه شرعت صلاة الكسوف، وفيه توفي النبيﷺ فالتحق بالرفيق الأعلى، علاوة على عدد من الغزوات؛ وقد جمع بعض العلماء هذه الأحداث في نظم ليسهل حفظها على الطلاب فقال:

فهــــاك أحداث ربيع الأول * من سيرة الهادي النبي المرسل
منها: الولادة وبدئ الوحي * فــــــــي النوم بالرؤيا إلى النبي
هجرتــه لطيبة وحرمــــــت * فيـــــــه الخمور مطلقا وأهرقت
وفيــه غزوة بُوَاط وقعـــت * وغزوة الغابــــــــة أيضا سُمعت
كذاك غـزوة بنـي النضيـــر * ودومــــةِ الجنـــدل للتحـــــــــرير
وبعــــث خالـــد إلى نجرانِ * فرحبـــــــــوا بآخـــــــر الأديــــــان
وفاةُ إبراهيم فيه أَفْجَعَــتْ * وركعتا الكســـوف فيـــه شُرِعَتْ
وفاتُه صلى عليــــه الباري * وآلـــــه وصحبـــــــــه الأخيــــــــار

وحتى لا يكون الاحتفال بهذه الذكريات العظيمة مجرد كلام لا بد من الوقوف عند أركان الاحتفال المثمر البناء وهي ثلاثة: التذكر بالقلب والجنان، والذكر بالصوت واللسان، والاقتداء بالجوارح والأركان؛ لأن معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو تذكر المصطفىﷺ في الذهن لمناسبته الملائمة، ثم ذكره باللسان ومدحه والإشادة به، ثم الاقتداء به والسير على منواله ودربه، ومحاولة تقريب الناس منه وتتبع خطاهﷺ.

● الركن الأول: التذكر بالجنان؛ والجنان هو القلب، والإنسان عادة لا يتذكر إلا من يحب، ومحبة النبي المصطفىﷺ شرط في الإيمان، لا يكمل إلا بها، وقد قالﷺ فيما روى البخاري: «والذي نفسي بيده، لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه من وَلَدِهِ ووَالِدِهِ والناس أجمعين»، وروى البخاري أيضا: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ذات يوم للرسولﷺ: «لأَنْتَ أَحَبُّ إِليَّ مِن كل شيء إِلا نَفْسي، فقال النبيُّﷺ: لا والذي نَفْسي بيده حتى أكون أحبَّ إِليكَ مِن نَفْسِكَ، فقال له عُمَرُ: فَإِنَّك الآن -والله- لأنت أحبُّ إِليَّ مِن نَفْسي، فقال له النبيُّﷺ: الآنَ يا عمرُ».

● الركن الثاني: الذكر باللسان، ومن أجل وأهم مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف هو الإكثار من الصلاة والسلام عليهﷺ، وفوائد الصلاة عليهﷺ كثيرة، يكفي فيها أن الله تعالى يصلي على من صلى على المصطفىﷺ، روى الإمام مسلم أن النبيﷺ قال:
«مَنْ صلى علىَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا»، وصلاة الله عز وجل على المسلم بها يخرجه من الظلمات إلى النور، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.

فما أحوجنا إلى النور والأمة المسلمة تتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض؛ ظلمات خلافات ونزاعات لا تنتهي، وظلمات من الحروب قتلت وشردت الملايين! وما أحوجنا إلى نور رباني نبصر به الطريق المستقيم، نور ينتشلنا من هذه الظلمات المتراكمة، ويخرجنا من ضيق سبل الشهوة والشيطان إلى سعة طريق الرحمن، ومن ظلمات الظلم والإجحاف إلى نور العدل والإنصاف!

● الركن الثالث: الاقتداء بهﷺ، وهو الهدف الأسمى والنتيجة العظمى، فالركنان السابقان (التذكر، والذكر) هما بمنزلة المقدمة والوسيلة، والاقتداء هو المقصود والمراد؛ والله تعالى يقول: {قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ ‌فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ}. صدق الله العظيم وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فأيها الاخوة المؤمنون؛ للاقتداء بالمصطفىﷺ ثلاثة مواقع: في عقيدته وسريرته، وفي عمله وسيرته، وفي مظهره وصورته؛ فالمصطفىﷺ يتميز بالطهارة والصفاء فهوﷺ:

طاهر في سريرته؛ لأن ملء قلبهﷺ الإيمان والأمان، والإخلاص والصدق، والأمل والرجاء والخشية، ليس فيه أثر لشرك ولا إلحاد ولا رياء ولا سمعة ولا نفاق ولا قنوط ولا سخط ولا حسد ولا بغضاء، فقد زكى الله عقله فقال سبحانه: {ما ضل صاحبكم وما غوى}، وزكى قلبه فقال سبحانه: {ما كذب الفؤاد ما رأى}، يتحلى بمقامات اليقين التي قال فيها الإمام ابن عاشر:
خوف رجا شكر وصبر توبة * زهد توكل رضا محبة

طاهر أيضا في سيرتهﷺ؛ لأن معاملاتهﷺ كلها أمن وأمان، صدق وعمل، لا ظلم فيها ولا غش؛ فلم يشربﷺ الخمر قط، ولم تعرف عنه الخيانة ولا الكذب، حتى التصقت به صفات الصدق والأمانة قبل بعتثه، فقد زكى الله لسانه فقال سبحانه: {وما ينطق عن الهوى}، وزكى بصره فقال سبحانه: {ما زاغ البصر وما طغى}، وزكى أخلاقه فقال سبحانه: {وإنك لعلى خلق عظيم}، وزكى دعوته
فقال سبحانه: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}.

طاهر أيضا في صورتهﷺ فكان أنيقا في مظهره في غير إسراف، نظيفا يحب النظافة، جميلا يجب الجمال، طيبا يحب الروائح الطيبة، يكره الأوساخ والروائح الكريهة، يكره الإسراف في مظهره ولباسه بالحرير وسلاسل الذهب والفضة، يعتني دائما بخصال الفطرة التي قال عنهاﷺ: «من الفِطْرة خمس: الخِتَانُ، وحلق العانة، وقَصُّ الشارب، وتقليمُ الأظفار، ونَتْفُ الإِبْط». فالاحتفال بالنبيﷺ بتذكره وذكره دون الاقتداء به في سريرته وسيرته وصورة نوع من الضلال، يقول الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، ويقول
سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.

ألا فاتقوا الله عباد الله، وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…


(1) جمعها الشاعر السوسي الفقيه سيدي جامع أبي عدي
الوجاني حفظه الله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.