منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاحتفال بالمولد النبوي بين الشرع والهوى|سلسلة خطبة الجمعة

  الأستاذ بن سالم باهشام

0

الاحتفال بالمولد النبوي بين الشرع والهوى|سلسلة خطبة الجمعة

  الأستاذ بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

عباد الله، كلما أطل على الأمة الإسلامية شهر ربيع الأول، والذي هو ربيع النور، إلا واستحضر العالم الإسلامي؛ بل العالم كله ولادة خير البرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يتساءل الكثير من الناس، من هو أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف؟

عباد الله، لا نستغرب إن قلنا: إن أول من احتفل بالمولد النبوي الشريف، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: ( فِيهِ وُلِدْتُ؛ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ ) [رواه مسلم (1162)]، فتبين بما تقدم من هذا الحديث الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين شكرا لنعمة مولده في هذا اليوم، كما صامه أيضا لفضله: فقد أنزل عليه الوحي في ذلك اليوم، وفيه تُعرض الأعمال على الله كما جاء في رواية أخرى، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يُرفع عمله وهو صائم، فمولده الشريف في يوم الإثنين، كان سببا من أسباب متعددة لصيام ذلك اليوم؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم، نبه الأمة الإسلامية إلى مولده العظيم، وبين عظمته ومكانته شرعا، وأنه ليس يوما عاديا كسائر أيام الأسبوع، بل احتفل به واتخذ شكل الاحتفال صياما، وأرشدنا إلى ذلك بصريح العبارة دون لف أو دوران أو تقييد أو تخصيص، ولم يجعل صيامه مرة في السنة، أو مرة في الشهر، بل مرة كل أسبوع، فمن صام يوم الاثنين، كما صامه النبي صلى الله عليه وسلم، وشكر ما أنعم الله على عباده في هذا اليوم، والتي من أعظمها ما أنعم الله على عباده بميلاد نبيه صلى الله عليه وسلم وبعثته، ورجا أن يكون من أهل المغفرة في ذلك اليوم: فهو أمر طيب، موافق لما ثبت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا احتفل السلف الصالح بالمولد النبوي الأسبوعي طيلة القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالصلاح، وما بعدها إلى قيام الساعة، وذلك بصيام كل إثنين دون قيد أو شرط.

عباد الله، هذا عن الاحتفال بالمولد النبوي الأسبوعي، شارك النيةم: فهو أمر طيب أما عن أول من احتفل بالمولد النبوي السنوي،  فقد بَيَّن الحافظ السُّيوطيُّ رحمه الله تعالى، أنّ أولَ مَن أحدثَ عملَ المولدِ السنوي، الملكُ المظفرُ؛ ملكُ إربل، وكان منَ الملوكِ الأمجادِ، والكبراءِ الأجوادِ، وكانَ له آثارٌ حسنةٌ، وهو الذي عمّر الجامعَ المظفريَّ بسَفْحِ قاسْيون، وقال ابنُ كثيرٍ رحمه الله في تاريخِه عن هذا الملك، كان يعملُ المولدَ الشريفَ في ربيعٍ الأول، ويحتفلُ به احتفالاً هائلاً، وكان شهمًا شجاعًا بطلاً عالمًا عادِلاً رحمه اللهُ وأكرَمَ مثواه.

عباد الله، مادام المؤمن الحق؛ هو الذي لا يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، فإن هذا الملك العالم، لم يُقدم على عمل المولد مكتفيا بعلمه وسلطته، بل استفتى في ذلك علماء عصره، كما نقل ذلك ابن كثير إذ قال: وقد صنفَ له الشيخُ أبو الخطابِ بنُ دحية مجلدًا في المولد، سماه “التنويرُ في مولدِ البشيرِ النذير”، وقد طالتْ مدة هذا الملك في المُلك إلى أن ماتَ وهو محاصِرٌ للفرنج بمدينة عكا سنة ثلاثين وستمائة هجرية، محمودَ السيرة والسريرة، ولم يَعترِضْ عليهِ في هذا الفعلِ في عصرِه ولا فيما بعدَه أحدٌ منَ العلماءِ المعتبرينَ، بلْ وافقُوا على ذلكَ ومدَحُوه لما فيه من البركةِ والخيراتِ.

عباد الله، باستقرائنا للواقع المعيش، يمكن أن نقسم الناس في شأن المولد النبوي إلى سبعة أصناف:

1 – صنف معتدل: تحرى الحذر، ولم يحتفل بالمولد النبوي السنوي، وسلك طريق من لم يجيزوا ذلك، ولم ينكر على الذين يحتفلون؛ ما دام لهم سند شرعي في ذلك.

2 – صنف متشدد: لم يحتفل بالمولد النبوي السنوي، وبدّع  وفسق كل من احتفل به، ولم يأل جهدا في الإنكار كل سنة على المحتفلين بالمولد، معرضا عن الكتب التي ألفت في الجواز بالاحتفال، ومعنفا على المحتفلين، ومعتقدا أنه بعمله ذاك يخدم السنة، ويحمي حمى الملة والدين، وأنه يحسن صنعا، متجاهلا أنه بعمله هذا قد وقع في الحرام الذي هو الفرقة، وإذاية المؤمنين، باتهام الأبرياء بالبدعة والضلالة.

3 – صنف معتدل: يجيزون الاحتفال بالمولد النبوي، دون إنكار أو اتهام للمانعين.

4 – صنف متشدد: يجيزون الاحتفال بالمولد النبوي السنوي، ويتعصبون لموقفهم، ويتهمون المانعين للاحتفال بالمروق من الدين، وعدم محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم.

5 – صنف ضال مضل: وهم الذين يحتفلون بالمولد النبوي السنوي، ويخلطونه بالمناكر والموبقات والمحرمات.

6 – صنف محايد: لا مع المجيزين، ولا مع المانعين. ومن هؤلاء الأصناف الستة يجب أن ينبثق صنف سابع.

7 – صنف معتدل مصلح: مكون من المعتدلين الذين يحتفلون بالمولد، والذين لا يحتفلون، ولا ينكر بعضهم على بعض، فيجتمعوا لينكروا على المتشددين في الجهتين، وعلى العصاة، شعارهم “لنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”.

عباد الله، ليكن مسك الختام المحاورة بالتي هي أحسن للمحرمين للمولد النبوي، والذين اعتبروه معصية، ونقول لهم: إذا كان الاحتفال بالمولد النبوي السنوي بدعة ضلالة ومعصية، هل علم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المعصية أم جهلها؟ فإذا كان قد علم بها، فلماذا لم يبلغنا بحرمتها؟ ولماذا لم يقل لنا: “لا تفرحوا بيوم مولدي؛ فإنه معصية ولا يجوز”؟ كما روى الإمام أحمد في المسند، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن قبره: ( اللهم لا تجعل قبري وثنا، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [رواه الإمام أحمد في ” المسند (12/314) ]، ألا  يكون هذا تقصير في التبليغ؟ وحاشاه عليه الصلاة والسلام، وإن جهل أن الاحتفال بالمولد النبوي معصية، ألا يكون هذا قدحا في الوحي، واتهاما للنبي صلى الله عليه وسلم بالجهل وحاشاه؟

عباد الله، لقد علمنا جميعا دون خلاف، أن درء المفاسد أولى من جلب المنافع، وقد ورد في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّهُ لمْ يكنْ نَبِيٌّ قَبلي إِلاَّ كان حَقًّا عليهِ أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ على ما يَعْلَمُهُ خيرًا لهُمْ ويُنْذِرَهُمْ ما يَعْلَمُهُ شَرًّا لهُمْ …) [أخرجه مسلم (1844) مطولاً]، فقوله صلى الله عليه وسلم: “لم يكُنْ نَبيٌّ قبْلي إلَّا كان حقًّا عليه”، أي: واجبًا عليه؛ لأنَّ ذلك منْ طريقِ النَّصيحةِ والاجتهادِ في التَّبليغِ والبَيانِ، وقوله: أنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ على ما يَعْلَمُهُ خيرًا لهُمْ؛ ويُنْذِرَهُمْ ما يَعْلَمُهُ شَرًّا لهُمْ ، أي: بما أعلَمَه اللهُ وعلَّمَه، ونبينا صلى الله عليه وسلم، أولى الأنبياء أن يدرأ عن أمته المفاسد والشر، فلماذا لم ينذرنا بنص صريح أن الاحتفال بالمولد النبوي حرام؟ ورغم هذا التوضيح البين يقول المعارض؛ والمدعي أن الاحتفال بالمولد النبوي معصية، وكذلك لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن المولد النبوي جائز بنص صريح، فمن أين أتى التجويز؟ ونفس التساؤل نطرحه على كل معارض مدع أن الاحتفال بالمولد النبوي معصية: من أين أتى التحريم. وسيقول: أتى التحريم من الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ( كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، ونقول له: والتجويز جاء من الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا)، وسيقول: ما فهم علماؤنا هذا الحديث كفهمكم، ونقول له كذلك: ما فهم علماؤنا حديث (كل محدثة بدعة) كفهمكم، فإذا كانت المسألة : ما فهم شيوخكم، وما فهم علماؤنا، فكفوا عنا إنكاركم، وادعاءاتكم التي في طيها اتهام لنبيكم عليه الصلاة والسلام، ودعونا نفرح بفضل الله علينا وبرحمته، فقد قال سبحانه في سورة يونس: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) [يونس: 58] ، والرسول صلى الله عليه وسلم هو رحمة مهداة لنا، ومِن كمالِ رحْمتِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم انْسابَتْ من فَمِهِ الشَّريفِ هذه الكلِماتُ التي يقولُ فيها، فيما أخرجه الدارمي وابن أبي شيبة بسند صحيح: (إنَّما أنا رَحْمةٌ مُهْداةٌ) ، أي: أهْداني اللهُ للناسِ؛ فجَعَلَني سببًا لأنْ يَدْخُلوا في رحْمةِ الحقِّ سُبْحانَهُ، ولأَدُلَّهم على النَّجاةِ، وأُجَنِّبَهم مَسالِكَ الهلاكِ؛ فمَنْ قَبِلَ رحْمةَ اللهِ وهَديَّتَه فازَ وأفْلَحَ، ومَنْ رَدَّها خابَ وخَسِرَ، ودعونا نمتثل لأمر الله تعالى، فقد قال في سورة الضحى:(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى: 11]، فنحن نتحدث بهذا الاحتفال النبوي السنوي الشريف، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولادة وبعثة، ونعرف العالم به، دون أن يخالط عملنا أي منكر من المنكرات المسيئة لديننا، والمشينة لسمعة نبينا عليه أزكى الصلاة والتسليم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.