الدعوة إلى الله اليوم: ضمور العناوين وقصور المضامين
د. البشير قصري
الدعوة إلى الله اليوم: ضمور العناوين وقصور المضامين
بقلم: د. البشير قصري
مقدمة
نريد من المسلمين أن يتحول اهتمامهم الأكبر إلى آخرتهم، وأن يسخروا دنياهم وكل ما يملكون فيها من صحة ومال ووقت لحياتهم الدائمة في الآخرة، نريد منهم أن يستشعروا قدر إسلامهم وأنه الدين الحق المقبول عند الله، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم أساتذة البشرية أصحاب السيادة والعزة في الدنيا، والفوز والنعيم في الآخرة، ونريد منهم أيضا استحضار متطلبات هذه المرحلة من عمر الدعوة، حيث تبرز ضرورة العمل الجماعي المنظم لإقامة الدين، وإصلاح أوضاع المسلمين.
كيف نحمي الإسلام من التحريف والمسلمين من الانحراف؟ كيف يمكن تخليص النفوس من الوهن، وتحرير القلوب من الأهواء، وترتيب الأولويات وفق منطلق اعتبار مصالح الدنيا بمصالح الآخرة؟
نتفق بداية أن ضمور العناوين يؤدي إلى قصور المضامين، فالبعض يرى كل فعل قام به، أو كلمة تفوه بها، أو موقف صدر عنه دعوة إلى الله وإن عارض الأصول، وخالف المنقول، وناقض العقول، والبعض لا يميز بين مراتب الدعوة، دعوة إلى إسلام، أو إيمان وإحسان.
فإذا تجاوزنا الحديث عن الدعوات الشيطانية إلى النار والضلال والتضليل، والتخويف والتغرير، فإننا نجد في القرآن الكريم إسناد فعل الدعوة مرة إلى الخير، ومرة إلى سبيل ربك، وأخرى إلى الله، إلى ربك، إلى الجنة.. فهل هي بمعنى واحد، أو بمعان مختلفة على الأقل من حيث الدرجة؟
فالقول بأنها بمعنى واحد لا يستقيم مع حكمة القرآن، فاستعمال كلمة بدل أخرى لمعنى خاص، ولغرض مقصود، وليس عبثا، فيبقى إذن القول بالاختلاف، وعليه نتساءل:
- ما حدود هذا الاختلاف؟ وما مرجعه؟ هل بضاعة الداعي، أم حال المدعو، أم الظرف الزماني والمكاني للدعوة؟ ما هو واقع الدعوة اليوم؟ وأي أفق مستقبلي لها؟
ولمقاربة هذه الإشكالات، ومحاولة الإجابة عن تلكم الأسئلة عقدتُ المطالب الخمسة التالية:
أولا: معنى الدعوة وحاجة الناس إليها.
ثانيا: مراتب الدعوة.
ثالثا: حاجة الدعوة إلى التربية والتنظيم.
رابعا: صفات الداعي إلى الله ومؤهلاته.
خامسا: عوامل نجاح الدعوة إلى الله في زمننا المعاصر.
……………………………………………………………………..
أولا: معنى الدعوة وحاجة الناس إليها.
الدعوة لغة من دعا يدعو بمعنى نادى طالبا الاستجابة، والدعاء إلى الشيء الحث على قصده، والداعي إلى الله عز وجل هو ذلك الذي ينادي المدعو طالبا إقباله على الله تعالى، وحاثا له على قصده والتوجه إليه، ففعل الدعوة فعل متعد إلى الغير، فلا تصدق صفة الدعوة على المقتصر على تزكية نفسه، المعرض عن نداء الآخرين، معنى ذلك “أننا حين نصلي ونصوم ونتصدق ونفعل الخير.. مجاهدين أنفسنا في ذات الله تعالى، غير دافعين غيرنا إلى ذلك، و لا منادين لهم إلى ذلك، لن نكون دعاة إلى الله”[1]، فهدف الدعوة هو نقل بيئات إنسانية، وناس بأعيانهم من حال الفساد إلى حال الصلاح، من الظلمات إلى النور، ولا يتم ذلك إلا وفق منهاج خاص، هو المنهاج الذي اختاره الله تعالى لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، هو منهاج النبوة كما تجلى على التمام والكمال في دعوة خاتم النبيين بشرطيه الكبيرين: الإخلاص التام لله، والإتباع الكامل لهداه.
يصور محمد الغزالي مدى حاجة الناس إلى الدعوة بقوله: “الناس لا يستغنون عن رزق الله ولا عن هدايته، هم فقراء إليه فيما يُطعم أبدانهم من جوع، وفيما يزكي أرواحهم من كدر”[2]، فمتى يستغني العليل عن الشفاء، والشقي عن الرحمة..؟؟
فالدعوة إلى الله حق، وكل دعوة إلى غيره باطل، ومنهجها مستقيم، وكل منهج وراءها معوج، لأنها تقوم على العقل والهدى، وغيرها يقوم على الحمق والهوى، فالناس بلا دعاة جهال تتخطفهم الشياطين من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات والأهواء من كل جانب، “فكانت حاجة الناس إلى الدعوة من حاجتهم لله تعالى”[3]، فهي السبيل الأقوم للتعرف على هذا الخالق العظيم والتعريف به.
ثانيا: مراتب الدعوة
لما كان الدين إسلام وإيمان وإحسان، كما جاء في حديث جبريل عليه السلام، فإن الدعوة تبعا لذلك ثلاث مراتب بعضها فوق بعض، من حيث درجة العلم والقرب من الله تعالى والالتزام بشرعه، ويوضح لنا ذلك خبير دعوة وإمام تربية، الإمام ياسين رحمه الله تعالى: “أما الدعوة إلى الخير فتقتضي أن يعرف الداعي الخير قبل أن يدعو إليه، والخير درجات، لكن الكلمة تحمل معنى التفضيل…يدعوك داع إلى الإسلام وآخر لإيمان وإحسان، فصاحب المرتبة الإسلامية دعاك إلى خير حسبه جماع الأمر، وما عنده خبر بما تمتد إليه طريق السلوك، وهو التماس الزلفى إلى الله، واقتباس النور من قلب المؤمن العارف بالله”[4].
“فالدعوة إلى الخير تختلف في سلم المراتب على درجات الإسلام والإيمان والإحسان”[5].
وإن نظرت في مرجع هذا التقسيم وأساسه، تجده محصورا في طبيعة الداعي ودرجة إيمانه وقربه، كيف فهم الدين؟ تقديره للواقع ومتطلباته، للمدعوين واستعداداتهم؟ بأي همة وبأية إرادة ولأية غاية؟ بل أي مستوى حصَّل من الوراثة للنبوة والرسالة؟ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، “فالدعوة الكاملة تنظيم لجهاد المسلمين بقيادة النخبة الإيمانية الإحسانية، على مراتب الأهداف والمقاصد والغايات”[6]. يقصد رحمه الله تعالى الأهداف الإسلامية، والمقاصد الإيمانية، والغايات الإحسانية، فهي دعوة روح وعقل وجسد، دعوة عدل وإحسان، دعوة لنيل ثواب الدنيا والآخرة، دعوة لرضوان الله عز وجل. وكمالها وجمالها وجلالها تحقيق الكمال لبني الإنسان، وإلا فقدت معناها، يقول الإمام ياسين: “وأما في الإسلام فإن الدعوة لا معنى لها إلا إن تجاوزت بالإنسان وعيه الاقتصادي، وخلقت فيه رغبة الإيمان ورغبة الكمال”[7]، وعلى هذا يتوق البعث الإسلامي المقبل بحول الله، “ولن يتم بعث الإسلام إلا باكتمال الدعوة إسلاما وإيمانا وإحسانا”[8].
ثالثا: حاجة الدعوة إلى التنظيم
دافع الأستاذ عبد السلام ياسين على حاجة الدعوة والتربية إلى التنظيم، بجرأة مستندة إلى قوة علمية، ومنطقية وواقعية، وببيان راق، كاف، شاف، فقال: “…فالتنظيم الإسلامي للدعوة ضرورة، وشرط أساسي للجهاد والعمل والتجديد”[9]، وقد استدل الإمام رحمه الله تعالى على ذلك بالضرورة العملية والنص القرآني. فهو فريضة شرعية، وضرورة بشرية، وحاجة اجتماعية.
“الدعوة الإسلامية إن نُظمت على أساس إسلام لا يرقى لإيمان وإحسان دعوة مبتورة”[10]. وأترك للقارئ الكريم العودة إلى ما سطره الإمام في يقارب الألف صفحة من كتابه «الإسلام غدا» حيث كان يؤسس لوعي انطلاقي ومنهاج عمل من شأنه أن يقي من الانحراف والانجراف والاقتراف.
رابعا: صفات الداعي إلى الله ومؤهلاته
تعددت التعبيرات الواصفة للداعي إلى الله عز وجل، والتقت في معظمها على تحصيل درجة عالية من العلم بالرسالة وأحوال المدعوين، وأساليب الدعوة، أي فقه الدعوة بأبعاد الفقه العلمية والعملية والأحوال القلبية والسلوك الاجتماعي.
يعني التأكيد على أن هناك صفات نفسية وأخرى عقلية وثالثة عملية يتعين تحصيلها وتمثلها من طرف الداعي إلى الله تعالى.
يلزم الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى، في كتابه مع الله، الداعية بثلاث خصال: الصلة بالله، إصلاح النفس، ودقة الفهم للدين والدنيا. لعل هذه أهم صفات الداعي إلى الله تعالى المتفق حولها، وقد أحسن التعبير عنها الأستاذ الداعية منير الركراكي بلغته الشعرية لما قال: “الدعوة في حاجة إلى داع إلى الله يؤذن في الناس من علٍ، من استعلاء إيمان، وتعالٍ عن الدنيا وسفاسفها، وعلو كعب في العلم والعمل، والصبر واليقين، والذكر والشكر”[11].
بينما سماها الدكتور عبد الكريم زيدان بعدة الداعي إلى الله، أي زاده الذي صار له خلقا وملكة، لا نفاقا وتكلفا، وعدها ثلاثة: الفهم الدقيق والإيمان العميق والاتصال الوثيق[12].
لا يخفى أن المسلم أي مسلم مطالب بأن يتحلى بهذه الصفات، ولكنها في حق الداعية أوكد، يكاد يحصل الإجماع حولها، وإليكم التعبير بلسان عالم داعية طاف العالم الإسلامي شرقا وغربا: “يجب أن يكون الدعاة يمتازون عن الدهماء والجماهير ودعاة النظم الجديدة والفلسفات الجديدة بقوة إيمانهم، وحرارة قلوبهم، وزهدهم في زخارف الدنيا”[13]، فالقلب الخاوي لا يملأ قلبا آخر بالإيمان والحنان، والموت لا ينشئ الحياة.
ومرة أخرى يميز الأستاذ عبد السلام ياسين بين دعوة إلى الإسلام ودعوة إلى الله، ويجعل شرط هذه الأخيرة أن يكون الداعي على بصيرة، فأقرأ بتمعن:
“لا يدلك دعاة الإسلام إلا على عمل لا يوصلك إلى غاية حتى”[14].
“أما الإيمان والإحسان فاطلبهما عند داع إلى الله صاحب بصيرة”[15].
خامسا: عوامل نجاح الدعوة إلى الله في زمننا المعاصر.
تركها الإمام حسن البنا رحمه الله قاعدة “إذا وجدت هذه الأمور: الداعية، والهدف، والاستعداد، والقبول، ثم التنظيم فأبشروا بكل خير” يحسن مطالعة كتاب مذكرات الدعوة والداعية، وصرح الندوي ،رحمه الله، في محاضراته قائلا: “الأشياء الضامنة لنجاح الدعوة اثنان:
- أولا: تملك الفكرة وأن تجري منه مجرى الروح في الدم، لأن حقيقة الدعوة عقيدة وفكرة.
- ثانيا: التجرد عن المطامع والزهد في الدنيا، فأنتم إذا أردتم أن تؤثروا في نفوس من توجهون إليهم الدعوة فأوضحوا لهم أولا، وطمئنوهم أنكم لستم طلاب مال وملك، وطلاب رئاسة وجاه، وطلاب مكاسب ووظائف، إنما أنتم تفعلون ذلك شفقة عليهم ورقة بهم، وعطفا عليهم”.
هذا وقد تميز نظر الإمام ياسين باستحضار الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، وما يقتضيانه من جمع وتوليف لجهود الخيرين، وموجها نحو غاية الغايات ومقصد المقاصد، الله تعالى. عبر منهاج تربية وتنظيم وجهاد، فقال:
“إن التجديد الذي ننتظره هو تجديد يصل علماء الشريعة أرباب العقول بالذاكرين المحبين أصحاب القلوب، وينقل هؤلاء وأولئك من القضية الفردية إلى القضية الجهادية”[16]
“فدعوة علماء الشريعة دعوة لتتولى الله تعالى بالعمل الصالح، ودعوة الصوفية دعوة لكي يتولاك الله بالفضل”[17]
“والدعوة الإسلامية الآن دعوة مبعثرة، فكل طائفة من المؤمنين تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في ركنها لا تربطها رابطة”[18]
“الغاية الإحسانية وطلبها هو ما يفرقنا عن التنظيمات المعهودة في الدعوات الإسلامية الحالية، والجهاد المنظم هو ما يميزنا عن صوفية الزوايا حيث يفهم الجهاد فهما خاصا وينكر التنظيم”[19].
خاتمة:
وأنا أطوي سطور هذا الموضوع، وقد حاولت التمييز بين الدعوة إلى الإسلام والدعوة إلى الله، وما بينهما من الاتفاق والاختلاف، وإن لم يخرجا عن سبيل الله تعالى، أحمل لكم وصية وتحذيرات.
أما الوصية فهي للإمام عبد السلام ياسين، وقد ضمنها تحريضا لكل مسلم للاشتغال بالدعوة إلى الله، وتخويف من ينشغل عنها، فقال: “أوصي كل واحد منكم بنشر الدعوة، وتعزيز الصف من آكد واجباته، بشرط أن يربط سعيه الدؤوب في الدعوة بسعيه الجوهري بالتقرب إلى مولاه…إن من أعلى شعب الإيمان، بل من أسبق سابقات الجهاد أن تدعو غيرك إلى الله”
وأما التحذيرات فأنقلها عن الإمام الندوي رحمه الله تعالى، فالحذر الحذر..!!
- الحذر من تنظير الإسلام (أي جعله نظرية فقط)
- الحذر من تفسير الإسلام تفسيرا سياسيا محضا.
- الحذر من التقليل من قيمة الصلة بين العبد وربه.
- الحذر من إضعاف عاطفة الامتثال لأمر الله ونهيه في المسلم.
- الحذر من تغييب الجنة والنار.
- الحذر من التقليل من شناعة الشرك والعادات الفاسدة..
وختاما ينبغي العمل على تحريك الإيمان في النفوس وتقوية الشعور الديني، وصيانة الحقائق الدينية من التحريف، وتقوية الصلة الروحية والعاطفية والعقلية بالنبي صلى الله عليه وسلم، والتبصير والتبشير لعباد الله بغد الإسلام المجيد والقريب إن شاء الله.
[1] – امحمد الينبعي، مفهوم الدعوة بين فقه الواجب وفقه الواقع، مطبعة أميمة، اس، ط1، 2012م ، ص22
[2] – محمد الغزالي، مع الله، دراسات في الدعوة والدعاة، ط6، نهضة مصر، ص18.
[3] – امحمد الينبعي، مفهوم الدعوة بين فقه الواجب وفقه الواقع، مطبعة أميمة، اس، ط1، 2012م، ص14.
[4] – الإسلام غدا، ص837
[5] – الإسلام غدا، ص838
[6] – الإسلام غدا، ص810
[7] – الإسلام غدا، 817
[8] – الإسلام غدا، ص791
[9] – الإسلام غدا، ص835-836
[10] – الإسلام غدا، 839
[11] – منير الركراكي، الدعوة إلى الله: هم ووعي، وإرادة وسعي، الطبعة الأولى، سلا، 2014م، ص28.
[12] – امظر: عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة ، مؤسسة الرسالة، ط2، 1987م.
[13] – أبو الحسن علي الحسني الندوي، محاضرات في الفكر والدعوة.
[14] – الإسلام غدا، ص791
[15] – الإسلام غدا، ص790.
[16] – عبد السلام ياسين، الإسلام غدا، سنة 1393هـ، ص796
[17] – نفسه، ص807
[18] – الإسلام غدا، ص808
[19] – الإسلام غدا، ص810