منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عروس الأقصى”إيمان حجو” (قصة قصيرة)

عروس الأقصى"إيمان حجو" (قصة قصيرة)/ عبد الفتاح بلخوار

0

عروس الأقصى”إيمان حجو” (قصة قصيرة)

بقلم: عبد الفتاح بلخوار

قصة تؤبن الشهيدة إيمان كتبت في عام 2001 و لكنها تعبر عن ما يعيشه أهل فلسطين الآن

عاشت الأم سنوات تنتظر.. تدعو الله أن يرزقها ذرية صالحة، و استجاب الله لها، و رزقت طفلة جميلة، فرحت الأم بمقدمها، و فرح الأب.. و سعد أهل الحارة بسعادتهما، و استقبلوا الوافدة الجديدة بالزغاريد و الأهازيج، و وزعوا الحلويات، و أقيمت الأفراح.. تمنى لها والداها أن تكون مؤمنة تقية، فسموها إيمان، وأحاطاها بعناية بالغة، لا يستطيعان مفارقتها، و لا يقدران على بكائها، و إيمان هي الأخرى أحست أنها محظوظة، و إن لم تستطع أن تعبر عن ذلك، محظوظة بمحبة والديها، و بعنايتهما بها، محظوظة أكثر لأنها ولدت في فلسطين، و في حارة يجمع الحب بين أفرادها، كل من رآها يتنبأ أنه سيكون لها شأن عظيم، و فعلا كان لها شأن و أي شأن، أعظم مما يتصورون، مرت بضعة شهور على ولادتها، و والداها لا يزيدان إلا محبة لها، و اعتناء بها.

و جاء اليوم المشهود..

كانت الأم تلاعب ابنتها، تقفزها و تضاحكها، و الابتسامة لا تفارق محياها، و الضحكات البريئة، تنطلق من إيمان، كالنسيم العليل يهب على الأم الحنون، فيحيل الحزن سعادة كبيرة، ضحكات إيمان تكسر الصمت الذي استعمر البيت لشهور عديدة، لم تكن الأم و لا إيمان يتوقعان ما سيحدث بعد قليل، و لا ما الذي ينتظرهما.

كانت الأم تنظر إلى عيني ابنتها الجميلتين، فترى فيهما العالم كله، ترى المستقبل الزاهر الذي ينتظرها،كانت ترى أشياء كثيرة كلها جميلة، وضعت الأم صغيرتها في سريرها، توجهت نحو المطبخ لتعد لها فطورها، كانت تحس بسعادة بالغة، و هي تفعل ذلك، و كانت إيمان تحلم بالغد، الذي لا تعلم عنه و لا عن واقعها شيء، لا تعرف منه إلا أمها و أباها، لا علم لها بما يدور حولها.

كانت الأم في المطبخ، عندما سمعت دوي انفجار، قفزت في مكانها من أثر المفاجأة، غير أنها لم تكن خائفة، لأنها اعتادت هي و كل أبناء فلسطين على ذلك، اقتربت من النافذة، لعلها ترى مكان الانفجار، تسمرت أمام النافذة، أصابها الذهول عندما رأت النيران تلتهم ما تبقى من منزل جارهم “أبو أيمن”، و سرحت بفكرها، تذكرت جيرانا ماتوا تحت أنقاض بيوتهم، تذكرت كم منهم اضطر إلى النزوح بعيدا، خوفا من أن يلقى نفس مصير الكثيرين، ضحايا العنف الصهيوني، الذي لا يفرق بين صغير و لا كبير، تذكرت محمد جمال الدرة، الذي قتل بوحشية أمام أنظار العالم، برصاص الصهاينة المجرمين، دون رحمة أو شفقة … و أفاقت الأم على صراخ إيمان، لم تستطع فعل شيء، أحست بشلل يصيب جسمها كله، تريد أن تجري لتلحق صغيرتها، لكنها .. تأخرت قليلا، مع بكاء إيمان، نزلت قذيفة على البيت، و كأن صراخ الطفلة الصغيرة كان إشارة القذف، أصيبت إيمان ذات الاثنتي عشر شهرا، بشظية  قتلتها على الفور، و التحقت بذلك بركب الشهداء، و سجلت وصمة عار، تضاف إلى سجل الإجرام، الصهيوني الحالك، و أصيبت أمها بشظية أفقدتها الوعي، فلم تستطع المسكينة أن ترى ابنتها و هي تحتضر، لم تستطع أن تنظر إليها النظرة الأخيرة، نظرة الوداع، لم تستطع المسكينة لم تستطع…

بكت أم إيمان بكاء حارا، لم يستطع أحد أن يمنع بكاءها، صرخت حزنا، و بكت كمدا، صرخت و معها كل فلسطين في وجه العالم، ماذا فعلت إيمان لتقتل؟؟؟ ماذا فعلت ؟؟؟ و تسمع الأم المحبة صوتا نديا، بعيد يقترب شيئا فشيئا يصبرها و يواسيها، و يقول لها:

أماه لا تبك علي إذا سقطــت ممددا

فالموت ليس يخيفني و مناي أن أستشهد

و بكى العالم إيمان حجو بدموع من دم، و قال الناس بلسان واحد، و إن اختلفت القلوب و ما في القلوب، ” ماتت إيمان .. ماتت إيمان .. ماتت إيمان …”

و تجيبهم إيمان، بصوت مسموع مفهوم..

” أنا ما مت فالملائـــك حولي

عند ربي قد بعثت خلقا جديدا “

أنتم الميتون .. أنتم الميتون .. و نحن الأحياء

ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.