الحجب المانعة لأي قراءة واعية
بقلم: د. فؤاد هراجة
من خلال تجربتي المتواضعة في مجال الكتابة وتفاعل القراء مع المكتوبات سواء كانت لأفراد أو هيئات أو مؤسسات، سجلت الملاحظات التالية:
- أننا لا نستحضر العائق الإيديولوجي والخلفية الفكرية المتحكمة في آليات تفكيرنا والمحددة لنظرتنا حيال أي مادة مكتوبة أيا كان مجالها. الأمر الذي يستدعي استحضار القراءة الواعية التي لا تنسلخ من الذات لكنها تروم الموضوعية.
- أننا نفتقر إلى التعامل مع النص كما هو، نربط معه علاقة، نتعاطف معه، نقترب منه لعله يبوح لنا بأفكاره، ثم بعدها يجوز لنا أن نمر للتحليل والتفكيك والنقد والنقض والهدم وإعادة البناء أو التثمين.
- أنه يغلب علينا دافع قراءة ما بين السطور أكثر من قراءة ما في السطور، ما يحجب عنا الأفكار المسطرة، وهذا طبعا له ارتباط بالعامل الإيديولوجي الموجه، وعدم امتلاك القدرة على النظرة من زوايا مختلفة ومنها زاوية الكاتب.
- أننا نريد من الآخر أن يفكر ويكتب وفق انتظاراتنا، ما يعني أننا في الواقع لا نمنح الآخر الحق في أن يفكر وفق منظوره ورؤيته أي كما يريد هو لا كما نريد نحن.
- أننا لا نتوقف على الوقوع في مزلق الإسقاط والحكم على أي أمر انطلاقا من معطيات سابقة وكأننا أمام ممارسات حتمية، فيغلب علينا إسقاط تجارب سابقة على واقع مغاير، والتنبؤ بالنتائج من خلال معطيات أنتجتها ظروف وملابسات مختلفة ومغايرة.
- أننا نُغَلِّب الفاعلية السببية أي البحث عن الأسباب الكامنة وراء أي إصدار مكتوب، ما يجعلنا رهائن الماضي، في حين يكون الأولى أن نهتم أكثر بالفاعلية الغائية ونتساءل عن الغاية والقصد حتى نكون أكثر ارتباطنا بالمستقبل.
- أننا نتعامل مع المصطلحات والمفاهيم وكأنها مادة منتهية وليس من حق الآخر نحت مفاهيمه أو إعطاء مفاهيم متداولة مضامين جديدة، وهذا تحجير ووصاية ينبغي تجاوزهما ترسيخا للحق في التجديد والتطوير والتقدم.
- أننا ننتظر من النص أن يقول كل شيء عن أي شيء وكأن مساحة النص كيفما بلغت عدد صفحاته ستتسع لكل شيء. وهو أمر مستحيل الإدراك، ذلك أن الكتابات التنظيرية مثلا تكون مضغوطة وتتضمن الكلييات أكثر من الجزئيات، وتهتم بالأصول أكثر من الفروع، وحديثها عن الكل والأصل لا ينفي الجزء والفرع.
- أننا لا نستحضر الجهد الذي بُذِل، وحجم المعاناة التي تكبدها الكاتب فردا كان أو هيئة لإصدار وإخراج مولود جديد، هذا الستصغار يدفع إلى تبخيس الناس أشياءهم، وعد الاكتراث بقيمة ما يقدمون.
وخلاصة القول، إننا ما زلنا في أمس الحاجة إلى موائد حوارية لاستنطاق الكاتب بغرض الفهم المباشر عن قرب وبدون وسائط، كما أننا نحتاج إلى الرفع من منسوب الموضوعية على الذاتية، وأنت نتدرج عبر الفهم والتفسير قبل التأويل، وكل هذا مرهون بإرادة التفاهم والتواصل والتقارب في أفق التعاون والتكامل.