منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

احذروا الكسل في عشر العمل | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

احذروا الكسل في عشر العمل | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع خنيفرة سابقا

عباد الله، روى البخاري، ومسلم عن أنس – رضي الله عنه – قَالَ: كَانَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يقولُ: ( اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ، والهَرَمِ ، والبُخْلِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ) [أخرجه البخاري 8/97 (6363) و98 (6367)، ومسلم 8/75 (2706) (50)] . و(الكسل: هو عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة مع إمكانه، وأما العجز: فعدم القدرة على فعل الخير، وقيل: هو ترك ما يجب فعله، والتسويف به، وكلاهما تستحب الإعاذة منه) [النووي في شرح صحيح مسلم 9/26 ].

عباد الله، إن الضرورة تقتضي تذكير عامة المسلمين، بفضيلة وأهمية أيام عشر ذي الحجة، وأن العبادة فيها والأعمال الصالحة ليست منحصرة بالحجيج، بل الأعمال فيها أفضل حتى من رمضان، لكن لكثرة الغفلة والنسيان وقلة المُذكر، يتكاسل كثير من الناس عن استثمار واستغلال هذا الموسم العظيم من مواسم الخيرات والبركات.

عباد الله، من رحمة الله عَزّ َوَجَلَّ بعباده، ومن نعمه تعالى وفضله عليهم، أن جعل لهم في دهرهم مواسم خير، ونفحات رحمة، وحثهم على التعرض لها، والنيل من فضلها، والاستمداد من أنوارها. والتنافس فيها إلى الطاعات، والتقرب بها إلى رب الأرض والسماوات. وفضّل بعض الشهور على بعض، وجعل أفضلها شهر رمضان، وهيأ له بشهر من الأشهر الحرم الذي هو رجب، ليتم الاستعداد له بمدة كافية، وجعل الثلاثة الأشهر الحرم الباقية متتالية، فبدأ العام القمري بشهر من الأشهر الحرم والذي هو محرم، لتكون الانطلاقة سليمة، والبداية قوية وعلى هدى من الله، وختم العام بشهرين من الأشهر الحرم، واللذان هما ذو القعدة وذو الحجة، لأن الأمور بخواتيمها، وختم السنة بأفضل الأيام والتي هي العشر الأوائل من ذي الحجة، وهذه نعمة عظيمة نستقبلها هذه الأيام، إنه موسم عظيم، تتضاعف فيه الحسنات، وتكفر فيه الخطايا والسيئات. روى البخاري في صحيحه، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ أَيَّامِ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ العَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ) [ صحيح البخاري(ح926)]، بهذه المقارنة نستطيع تقدير هذه الأيام العشر، ونستثمرها حق الاستثمار حتى لا تضيع منا سدى، فإذا كان موقف ساعة في الجهاد في سبيل الله، خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسعد، فإن أفضل العمل الصالح في أيام عشر من ذي الحجة، أفضل عند الله من الجهاد، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء فتأمل!؟ وَلَيْسَ فِي لَيَالِي السَنَةِ عَشْرُ لَيَالٍ مُتَتَابِعَةٍ عَظِيمَةٍ مِثْلِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ الَّتِي هِيَ وَقْتُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ. [تفسير ابن عاشور (30/313).]. وقد ورد عن جمع من السلف أن الله عز وجل كلم موسى عليه السلام تكليما بآخر يوم من عشر ذي الحجة بعد انقضاء الميقات الزماني له أربعين ليلة. قال تعالى في سورة الأعراف: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ)[الأعراف:142]، وقيل: إن العشر التي أتمها به أربعين، عشر ذي الحجة. [ينظر تفسير الطبري (13/86-87).]. وروى الدارمي في سننه بسند صحيح. (أن سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، كان إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ.) [أخرجه الدارمي في سننه (2/1113)  بسند صحيح.]

وجاء في حلية الأولياء، لابي نعيم، أن سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قال: (لَا تُطْفِئُوا سُرُجَكُمْ لَيَالِي الْعَشْرِ، وكان تُعْجِبُهُ الْعِبَادَةُ وَيَقُولُ: أَيْقِظُوا خَدَمَكُمْ يَتَسَحَّرُونَ لِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ). [حلية الأولياء (4/281)]. وجاء في مختصر قيام الليل للمروزي، وفي لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، لابن رجب الحنبلي، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النهدي قال: ( كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ؛ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَالْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ).[مختصر قيام الليل للمروزي ص247].

عباد الله، إن من ثمار ومنافع العشر من ذي الحجة، أنها تعتبر من حيث الزمان، أفضل أيام العام على الإطلاق، لما جاء في كشف الأستار عن زوائد البزار بسند صحيح، أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أفضلُ أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ). [كشف الأستار عن زوائد البزار (2/28)]، وفيها أحب الأعمال إلى الله سبحانه وتعالى كما في حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- ، كما أن الأعمال من عبادات وبِرٍ وإحسان فيها أزكى وأنقى وأطهر من غيرها. لما رواه الدارمي في سننه عن ابن عباس – رضي الله عنهما-، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى،  قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.) [أخرجه الدارمي في سننه (2/1113)]، وتُضاعف فيها الأجور. لقوله عليه الصلاة والسلام: (وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا). وفيها حث  عليه الصلاة والسلام على أعمال البر والبذل والخير، التي ينتفع منها عامة المسلمين، وتعود على أصحابها بالأجر العظيم. لقوله عليه الصلاة والسلام: (مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى).

عباد الله، إن من أسباب تعظيم الأيام العشر الأول من ذي الحجة، أنها اجتمعت فيها أصول العبادات. قال ابن حجر- رحمه الله- في فتح الباري: (وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَهِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.) [فتح الباري (2/459)]. ومن منافع وثمار هذه الأيام، أنها اشتملت على العبادات القلبية، والبدنية، واللسانية، والمالية، ليتحقق الكمال في القُرُبات. وفيها تنوع الأعمال الصالحة التي يتسنى للعبد القيام بها، بحسب قدرته ووسعه، من العبادات الخاصة الذاتية اللازمة، وأعمال البر والخير بمختلف مجالاتها، ليحصل الجميع على أفضل الأجور وأعلى الدرجات. وفيها تحفيز ومسارعة لكل الأعمال الصالحة دون استثناء، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها)، و ” الـ ” هنا في العمل، للاستغراق، وهذا فيه توسيع وتنويع ورحمة ومنة من الله. وفي هذا الحديث، لم يحدد عليه الصلاة والسلام نوع العمل، بل أكد بأل الاستغراقية ” فقال: “العمل الصالح”، أي تستغرق كل الأعمال الصالحة، وهذا يسع ويشمل جميع الناس، كل بحسب استطاعته وقدرته وحاله. وفيها يرتقي العمل المفضول إلى العمل الفاضل لشرف الزمان، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ، إلَّا رَجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ، فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ). قال القسطلاني في إرشاد الساري: (وفي هذا الحديث أن العمل المفضول في الوقت الفاضل، يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره). [إرشاد الساري (2/217)]. وأفضلية الأعمال مع زيادة الأجور في عشر الأضحى على غيرها دون استثناء، فمن تصدق فيها بدرهم، أعظم أجرا ممن تصدق بدرهم في رمضان، وقِس على ذلك من الصلاة والصيام والذكر وسائر الأعمال! والعبادة فيها أفضل من غيرها، لما يغلب على عامة الناس فيها الغفلة. لذلك قال أهل العلم: العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها. ولما رواه مسلم في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: ( العبادةُ في الهَرْجِ كهجرةٌ إليَّ). [أخرجه مسلم (2948)]. وتفضيل هذه الأيام على غيرها لما يقع فيها من عبادات وطاعات، وأعمال بر وخيرات. قال الصنعاني، كما جاء في التنوير شرح الجامع الصغير: (وتفضيل الزمان باعتبار ما يقع فيه من أعمال البر، وأن أجرها فيه أكثر من أجرها في غيره، وإفضاله تعالى على عباده بالمغفرة فيه؛ أكثر من إفضاله في غيره، كما تكررت به الأحاديث.) [التنوير شرح الجامع الصغير (2/496)]. وفيها أفضل أيام العام، والتي هي يوم النحر، يوم الحج الأكبر. لما رواه أحمد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ). [أخرجه أحمد (31/427)]. وقال ابن القيم في حاشية ابن القيم على سنن أبي داود: (فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ يَوْم النَّحْر أَفْضَل الْأَيَّام.) [حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (5/128)]. وفيها يوم عرفة الذي أكمل الله فيه الدين، وأتم النعمة على المسلمين، وهو ركن الحج الأعظم. وهو اليوم الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزل الأملاك والرحمة من الله لعباده، ويقع فيها كثير من أفعال الحج والعمرة… [تفسير السعدي ص923]. فعلى المسلم الحرص الشديد لاغتنام هذه العشر بأيامها ولياليها، في الطاعات والصالحات والخيرات، فإنها فرصة قد لا تعوض ورحم الله من قال:

إِذا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاغْتَنِمْها * فَعُقْبَى كُلِّ خافِقَة ٍ سُكُونُ

ولا تغفل عن الإحسان فيها * فلا تدري السكونُ متى يكونُ

ويمكن اعتبار عشر ذي الحجة، عزاء لمن قصر في رمضان، وهذا من رحمة الله بعباده.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون  إلى  يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.