بين الفطرة والزينة: تأملات في أنوثة الفتاة والتوازن المفقود
الأستاذة هبة صباهي
بين الفطرة والزينة: تأملات في أنوثة الفتاة والتوازن المفقود
بقلم: الأستاذة هبة صباهي
قالت لي يومًا: “لن أتزوج إلا ممن يحبني لذاتي وتفكيري.”
كانت فتاة لطيفة، ذات خصال فاضلة، نشأت في بيت ملتزم، لكنها اختارت أن تكون ممن لا يمس جسدها إلا الماء. آمنت أن بقاء الإنسان على طبيعته التي خلقه الله عليها هو الالتزام الحقيقي بالدين، فحرّمت على نفسها كل زينة أو حلية. وحين حاولتُ أن أفهم موقفها، وجدت أنها قد تأملت في حال كثير من الفتيات اللاتي أسرفن في التزين حتى زيّن لهن الشيطان تغيير خلق الله، فآثرت أن تختار الطريق المقابل: طريق البساطة والطبيعية التامة. وربما نشأت في بيتٍ غرس في نفسها أن ماء الوضوء كافٍ لإنارة الوجه، وأن الفتاة المحترمة لا يصح أن تعبث بالألوان ومساحيق التجميل، أما طلاء الأظافر فكان عندهم جريمة نكراء وضلالا مبينا. وهكذا آثرت طاعة والديها، احترامًا لخبرتهما!
لكن سؤالًا يبقى قائمًا: هل نقلوا لها الصورة الكاملة؟
الحقيقة أن حب التزين لدى الفتاة طبيعة وفطرة، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18]. والتزين ليس محرمًا في أصله، بل هو الوصف الذي يميز المرأة عن الرجل ويخلق الانجذاب بينهما، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: 14]. فالزينة مشروعة بضوابطها، وهي استجابة فطرية للنزوع نحو الجمال والتجديد.
يواجه فتيات اليوم تحدٍ ملفت، يتمثل في مقاومة ما تبثه وسائل الإعلام وثقافة الموضة من صور مضخَّمة للزينة، حتى غدت بعضهن يرينها شرطًا للجمال ومفتاحًا للحضور الاجتماعي التي تدفع نحو الإفراط والتجاوز، وتجعل من مظاهر الجسد معيارًا وحيدًا للقيمة والقبول.
وهذا كله يضع الوالدين أمام مسؤولية دقيقة؛ فالأم لا ينبغي أن تمنع ابنتها منعًا مطلقًا من التزين، بل الأصل أن تُرشِّده وتفسح لها المجال لتعيش أنوثتها ودلالها في إطار شرعي مأمون. والأجدر بها أن تعلّم ابنتها فنون العناية بجسدها وبشرتها، إعدادًا لها لحياة زوجية سوية. وكذلك الأب، فدوره أن يكون مرآة صادقة لعالم الرجال، يوجّه ابنته للاهتمام بالمظهر دون إهمال الجوهر، مستنيرًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 32].
إذا نظرنا إلى واقع الشباب اليوم، نجد أنهم لم يعودوا محصورين في أنماط محدودة من الجمال يألفونها في محيط الأسرة، بل أُتيح لهم الاطلاع على أشكال شتى عبر القنوات والثقافات. والإنسان بطبعه ـ رجلاً كان أو امرأة ـ يميل بصريًا إلى ما يعد جذابًا، فيكون الشكل مدخلًا أوليًا لبناء التعارف والتواصل. من هنا تبرز الحاجة لموازنة الفطرة السليمة مع الضوابط الشرعية، وسط هذا الطوفان من المؤثرات.
ولهذا كله، أقول لكِ أيتها الفتاة اللطيفة: لا بأس أن تهتمي بجمالك وبشرتك، ولا حرج أن تستخدمي مساحيق التجميل في الظروف المشروعة. فالمكياج ليس حرامًا بإطلاقه، بل هو استعمال مقنّن؛ يباح بين زميلاتك وفي المناسبات النسائية المأمونة، ويُندب إليه لإدخال السرور على النفس ورفع المعنويات، بل يصبح مستحبًا وواجبًا في حضرة الزوج الكريم.
أسأل الله أن يرزقك زوجًا صالحًا يتقي الله فيك، ويصون جمالك الباطن والظاهر معًا، ويحفظ جوهرك الثمين.