وأحضرت الأنفس الشح (3) سلسلة دروس من غزوة بدر
إدريس قافو
وأحضرت الأنفس الشح (3) سلسلة دروس من غزوة بدر
بقلم: إدريس قافو
إن معرفةَ طبيعةِ النفس البشرية وروغانها وحِيَلها هي ضرورةٌ على الأقل لغايتين كبيرتين؛ أولا لحمل النفس على الاستقامة بما هي منطلق التغيير ومحلُّ النية التي بها صلاح الأعمال أو فسادها، وثانيا لاكتساب القدرة على التأليف بين المؤمنين بناءً للصف الذي يتحقق به التدافع في الأرض، مصداقا لقول الله تعالى لرسوله ﷺ: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) ([1]) فبدون ذلك التأليف يكون الخلاف والتنازع ثم الفشل، والله تعالى يقول: (وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُ) ([2])
وهدف هذا المقال هو كشف جانب من هذه الطبيعة من خلال ما أشار إليه القرآن والسنة من أحداث يوم بدر. وبالتحديد سنقف عند حدث غير متوقع لا من حيث ظرفية وقوعه، ولا من حيث الأشخاص الذين صدر منهم؛ سنقف عند درس اختلاف بعض الصحابة في الغنائم.
الحدث ودلالة الأشخاص والظرفية
اختلف بعض الصحابة يوم بدر في الغنائم، فكان ذلك من أسباب نزول سورة الأنفال. فعن عبادة بن الصامت قال: (فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النَّفل وساءت فيه أخلاقنا) ([3]). والذين شهدوا بدرا هم مؤمنون أسلموا يوم كان مجرد إعلان الإسلام مغرما، ولا يُقبِل عليه إلا من يريد اللهَ والدارَ الآخرة، وهم من أفضل المسلمين؛ فقد (جاء جبريل إلى النبي ﷺ، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين -أو كلمة نحوها- قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة)([4])؛ فهم إما من السابقين الأولين من المهاجرين الذين تركوا الديار والأموال نصرة لدينهم، وإما من الأنصار الذين آووا ونصروا، والذين شهد لهم الله تعالى بقوله: (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ)([5]).
فهؤلاء الكرام الذين هم بأعلى المواصفات البشرية، والذين جاؤوا إلى معركة غير متكافئة من حيث العدد والعدة، وهم يترقَّبون أن يتخَطَّفهم الموت في أية لحظة، وفي نهاية يوم مشهود سماه الله يوم الفرقان، وكان نصره المدوي جذيرا أن ينسيهم أي غنيمة مادية أو معنوية، تنافسوا غنائم تافهة مقارنة مع ما تركوا من أموال، وما غنموا من نصر. والسؤال كيف نفهم هذا الحدث؟
تفسير الحدث وحقيقة (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ)
إن الله لحكمته، وكمظهر من مظاهر قيوميته، غرس في الفطر البشرية مجموعة من الغرائز لتكون أسباباً ظاهرية للحياة، كتزيينه للناس مؤمنيهم وكافريهم، ما أشارت إليه الآية : (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ)([6])، ومهما بلغ المؤمن من السمو الروحي فإن النفس تبقى بها بقايا تطلع إلى ما تمليه تلك الغرائز، كما بقي في نفس حاطب بن أبي بلتعة، وهو من أهل بدر، بقايا تطلع إلى ما خلف في مكة، فحاول إرسالَ خبر رسول الله ﷺ إلى قريش قبيل يوم الفتح، ليسدي إليهم بذلك معروفا يحمون به قرابته([7]). والصحابة عموما قبل غزوة أُحد كانوا يعتقدون أن ليس منهم من يريد الحياة الدنيا، لأن ظروف إسلامهم وما كان فيها من اضطهاد يقتضي ألا يُسلِم إلا من يريد الآخرة، لكن لما تسابق بعضهم الغنائم، وفارق بعض الرماة مكانهم، وكانت الهزيمة، ونزل قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ)([8])، أدركوا أن منهم من لا يزال في نفسه بقايا تطلع إلى متاع الدنيا.
وتلك الغرائز يتولد منها الحرص والشح، وفي تفسير لظاهرة الاختلاف في الغنائم يرى أحد خبراء التربية أن ذلك السلوك هو تجلٍّ لحقيقة:( وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ).
(وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ) ([9]) هو مقطع من آية تتحدث عن الصلح بين الزوجين في حال خوف المرأة من نشوز زوجها أو إعراضه عنها، وحضور الشح بين الزوجين اللذين اتفقا على العيش مدى الحياة، وعقدَا على ذلك ميثاقا وصفه القرآن بالغليظ ([10])، وهو وصف لم يستعمل في القرآن إلا في ثلاثة مواضيع: في الميثاق الذي تأخذه الزوجة من زوجها، وتفارق بموجبه والديها وإخوانها، لتعيش مع زوجها حتى الموت، وهي تظن بفطرتها أن عيشها معه سيكون أفضل، وفي الميثاق المأخوذ من الأنبياء([11])، وفي الميثاق المأخوذ من الذين رُفع فوقهم جبل الطور تهديدا لهم ليلتزموا بالأوامر الشرعية ([12]) ثم خالفوا الأوامر فمسخوا قردة وخنازير. فحضور الشح بين الزوجين مع وجود هذا الميثاق الغليظ (أو ميثاق العيش المشترك حتى الموت)، وأثناء السعي إلى الصلح بينهما، هو دليل على ضرورة توقعه فيما دونه من المواضع من باب أولى، (فالشح حاضر دائما في الأنفس، وهو دائما قائم فيها، الشح بأنواعه، الشح بالمال، والشح بالمشاعر) ([13])، والشح في الاعتراف بالآخر وحقوقه وفضله.
وفي قصة اختصام أبي بكر ¢، وهو الذي جاء بكل ماله أثناء التجهيز لغزوة تبوك، مع ربيعة بن كعب الأسلمي ¢ على نخلة على الحدود بينهما ([14]) درس كبير جدا، ففي فلتة من فلتات النفس أغلظ أبو بكر القول لربيعة رضي الله عنهما، إلا أن ربيعة كان متيقظا في لحظة الحدث، وقد عبر عن يقظته بقوله “وجاءت الدنيا” في إشارة إلى حقيقة (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ) فتصرف بحكمة، وانتهت القصة بالاحتكام إلى رسول الله ﷺ، ووقع التراضي بين الطرفين، ثم تصدق أبو بكر ¢ بالأرض كلها. فصدور هذا الفعل من الكُمَّل مثل أبي بكر، وقد يكون من باب الحرص على الحق، يعنى أنه أمر متوقع من الجميع، ولكن المهم هو أن نتصرف مثلما تصرف أبو بكر وربيعة.
وقفة مع استهلال سورة الأنفال بنزع الأنفال من أيدي السائلين عنها
سورة الأنفال هي سورة تضمنت كثيرا من أحكام الجهاد ومبادئه، وقد جاءت فيها ستة نداءات بصيغة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا):
– إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ([15])
– أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ([16])
– اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ([17])
– لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ([18])
– إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ([19])
– إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ([20])
ورغم أهمية ما تضمَّنته هذه النداءات من توجيهات أساسية لإدارة سير المواجهة العسكرية، فقد افتُتِحت السورة بالحديث عن الغنائم التي هي نتيجة نهائية للمعركة، ونزعت الأنفال من أيدي السائلين عنها، وجعلتها لله ورسوله ﷺ، وأمرتهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، والطاعة لله والرسول ﷺ، وهذا الترتيب العجيب قد يفهم منه البعض، أنه قبل الدخول في أي مواجهة، يجب توطين النفس أولا على التنازل عن كل غنيمة مادية كانت أو معنوية، ثم بعد ذلك تأتي المبادئ الأخرى. فكل ذي مشروع عابر للأجيال إن لم يُحكِم هذه البداية، لن تشرق له نهاية، لأن الحرص على الغنائم المعنوية قبل المادية، كالحرص أن تُنسب الإنجازات إلى شخص أو إلى حزب أو طائفة تقديما لذلك على المصلحة العامة، سيفسد ذات البين، ثم يكون الفشل.
العبرة
العبرة من العبور. فكيف نعبُر مما وقع لأفضل المسلمين إلى ما قد يقع لمن دونهم؟ ثم كيف نتصرف وقف ما يحفظ إصلاح ذات البين؟
كيف نعبُر من درس ذئب الحرص على المال؛ إشارة إلى الحديث: (ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسدَ لها من حِرصِ المرءِ على المالِ والشرفِ لدِينِه) ([21])، إلى توقع تبريرات النفس وهي تنساق مع مكائد الذئب الثاني: الحرص على الشرف والرئاسة؟ وكيف نُثنيها عن آفة تنافس الرئاسات؟
كيف نعبُر من اعتقاد بعض الصحابة أنهم تجاوزوا نطاق جاذبية الدنيا ثم اختلفوا في الغنائم، إلى اعتقادنا تجاوُزَ جاذبية الرئاسات، فنستحضر دائما حقيقة أن الإنسان كما قال ابن خلدون هو رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خُلق له، وأن هذه الصفة قد تحجبها حقيقة أن (الرّئيس إذا غُلِب على رئاسته، وكبح عن غاية عزّه، تكاسل حتّى عن شبع بطنه، وريّ كبده) ([22])، فنظن أن ذلك الكسول زاهد في الرئاسة، أو حقيقة أن الشخص قد يزهد في الشيء فقط ليأسه منه؟ وكيف لا ينسينا ضمور هذه الصفة وغياب السعي لنيلها، حقيقة تجذرها في النفوس التي لم تزكيها التربية؟ وكيف نستحضر دائما حقيقة أن (غريزتا حب المال والحرص على جمعه وحب الجاه والرئاسة جِمَاع الشرور الاجتماعية) ([23])؛ فمن الصراع على الحكم بدأ نقضُ الخلافة الراشدة، وتفرُّقُ الأمة.
الخلاصة
مهما بذل المؤمن من جهد وقطع من أشواط في تقويم سلوكه، فعليه أن يعلم أن التربية ومراقبة النفس وتقويم زيغها عملية يجب أن تستمر حتى يدركه أجله، فالنفس ما دامت حيَّةً (من الحياة) فهي حيةٌ (أفعى)، قد تلدغه.
وعلى كل ذي مشروع عابر للأجيال، قبل الدخول في أي مواجهة في معركة التغيير، أن ينزع من نفسه التطلع لأي غنيمة مادية كانت أو معنوية، فإن لم يُحكِم هذه البداية، لن تشرق له نهاية.
([1]) _ سورة الأنفال: الآيتان 62- 63
([2]) _ سورة الأنفال: الآية 46
([3]) _ -الإمام أحمد، مسند الإمام أحمد بن حنبل. وفي تعليق الهيثمي على رواية أحمد لهذا الحديث قال: (ورجال الطريقين ثقات). انظر الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.
([6]) _ سورة آل عمران: الآية 14
([7]) _ أنظر سياق الحديث: (إنه شهد بدرا وما يُدريك؟ لعل الله عز وجل اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) عند البخاري ومسلم في صحيحيهما.
([8]) _ سورة آل عمران الآية: 152
([9]) _ سورة النساء: الآية 128
([10]) _ إشارة إلى قوله تعالى: (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [سورة النساء: 21]
([11]) _ قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [سورة الأحزاب: 7]
([12]) _ قال الله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا). [سورة النساء: 154]
([13]) _ قطب، سيد: في ظلال القرآن، ج 2، ص 769
([14]) _ -القصة مذكورة في حديث طويل أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وغيره، رقم: 2781 ج 2، ص 188، وقال صحيح على شرط مسلم، وقال الذهبي في التلخيص لم يحتج مسلم بمبارك (يقصد مبارك بن فضالة).
([15]) _ سورة الأنفال الآية: 15
([16]) _ سورة الأنفال الآية: 20
([17]) _ سورة الأنفال الآية: 24
([18]) _ سورة الأنفال الآية: 27
([19]) _ سورة الأنفال الآية: 29
([20]) _ سورة الأنفال الآية: 45
([21]) _ أخرجه الترمذي (2376)، وأحمد (15794)
([22]) _ ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج 1 (المقدمة)، ص 185