منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عاشوراء دروس وعبر

فاطمة صربون  

0

عاشوراء دروس وعبر
فاطمة صربون  

في يوم واحد تغيّر مصير أمة كاملة، وفي لحظة فاصلة، انشق البحر، ونجا الإيمان، وغرق الطغيان، ذاك هو يوم عاشوراء، اليوم الذي نصر الله فيه نبيه موسى عليه الصلاة والسلام، وأهلك فيه فرعون وجنوده.

لكن هل تأملنا يوما ما الذي يعنيه هذا اليوم بالنسبة لنا كمسلمين؟
وهل أدركنا أن هذه القصة القرآنية العظيمة لم تُروَ لنا عبثا، ولم نؤمر بصيام يوم ذكراها استحبابا فقط، بل لنأخذ منها دروسا نعيد بها إحياء قلوبنا وثقتنا بربنا؟

يوم عاشوراء.. أكثر من مجرد تاريخ

عاشوراء ليس مجرد تاريخ في التقويم الهجري، إنه يوم من أيام الله، يوم سجّل فيه القرآن مشهدا من أعظم مشاهد النصر الإلهي في التاريخ، قال تعالى:﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيٰ مُوس۪يٰٓ أَنِ اِ۪ضْرِب بِّعَصَاكَ اَ۬لْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٖ كَالطَّوْدِ اِ۬لْعَظِيمِۖ ٦٣﴾ [الشعراء: 63]

لقد نجى الله فيه نبيه موسى عليه السلام ومن آمن معه، من بطش أعتى طاغية عرفه التاريخ: فرعون
ويا له من مشهد مهيب؛ البحر ينشق، المؤمنون يعبرون، والظالم يغرق.

 مشهد يهز القلوب، وفي نفس الوقت يبث فيها الإيمان والثقة.

ومن هذا المشهد نستشف كثيرا من الدروس والعبر والتي حولها تدور تفاصيل هذه الملحمة العظيمة.

  • الدرس الأول: الثقة بوعد الله

حين اشتد الموقف، ووصل موسى عليه السلام ومن معه إلى البحر، خلفهم جيوش فرعون، وأمامهم ماء هادر لا يعبره بشر، قال أصحاب موسى: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَۖ ٦١﴾ [الشعراء: 61]

لكن موسى، النبي المؤمن، أجاب بيقين لا يتزحزح ولا يترنح: ﴿قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِے رَبِّے سَيَهْدِينِۖ ٦٢﴾ [الشعراء: 62]

وهنا تتجلى أسمى معاني التوكل والثقة بالله؛ فمهما أُغلقت الأبواب، ومهما اشتد البلاء؛ إذا كنت مع الله، فهو كفيل أن يفتح لك من أبواب الفرج ما لم تتوقعه.

  • الدرس الثاني: نصرة الله للمظلوم

موسى عليه السلام لم يكن يملك جيشا، ولا عتادا، ولا نفوذا دنيويا، لكنه كان يملك الحق والدعاء، وأما فرعون، فكان يملك الجيوش، والمال، والسلطة، لكن الله لا يترك المظلوم، ولا يتخلى عن عباده المؤمنين بوعد ﷲ لا بحسابات البشر، وحتى لو تأخرت النصرة فهي آتية لا محالة، ولو بعد حين.
وغالبا ما يأتي النصر المبين بشكل لا يتصوره أحد، لا من الظالمين ولا حتى من المؤمنين.

  • الدرس الثالث: نهاية الظالمين محتومة

فرعون قال ما لم يقله أحد من قبله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ اُ۬لَاعْل۪يٰ ٢٤﴾ [النازعات: 24]

ظن أن عرشه يدوم، وأن جبروته لا يهزم، لكن الله أهلكه بأبسط جنوده: الماء

والعبرة أن الظلم لا يدوم، والطغيان لا يعلو إلى الأبد، ومهما ظن الظالم أنه فوق كل شيء، فإن الله له بالمرصاد.

ولنا في بقية الأمم السابقة ما لا يعد ولا يحصى من الأمثلة والعبر والمشاهد الشاهدة على نهاية كل الظالمين وغلبة الحق وأهله المؤمنين.

يوم عاشوراء يوم شكر وعبادة

لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فلما سأل عن سبب صيامهم، قالوا:” هذا يوم نجى ﷲ فيه موسى”، فقال ﷺ: “نحن أحق بموسى منهم” فصامه، وأمر بصيامه.

فنحن كمسلمين نصومه شكرا لله على هذا النصر، وعلى تثبيت المؤمنين، وعلى سنّة الأنبياء في شكر نعم ﷲ.

ونصومه كذلك احتسابا للأجر والثواب الذي روي أن النبي ﷺ قال فيه: أنه يكفر السنة التي قبله.

وكذلك علينا أن نجعل دعاءنا فيه صادقا، ففيه ساعة إجابة وببركة الفرج الذي ناله موسى وقومه، سيفرج ﷲ علينا همنا وكربنا سبحانه، ونتذكّر نعم الله علينا، ونطلب منه نجاتنا كما نجا موسى.

عاشوراء يعيد إلينا المعنى الحقيقي للتوكل، ويجعلنا نرى بعين الإيمان أن الفرج يأتي حين ينقطع الرجاء إلا من ﷲ، فلعل الله يكتب لنا نجاة من همّ، أو شفاء من مرض، أو فتحا من حيث لا نحتسب
ولا ننسى أن نستحضر دائما مقولة موسى عليه السلام:﴿كَلَّآۖ إِنَّ مَعِے رَبِّے سَيَهْدِينِۖ ٦٢﴾ [الشعراء: 62]، فهي بلسم لكل ما يعتري المؤمن من قلة حيلته أمام ما يجري من ظلم حوله، ومن يأسه من التغيير والنصر، ومن انسداد أبواب الفرج أمامه.

فاللهم نجنا من الظلم والظالمين كما نجيت موسى ومن معه، وافتح لنا أبواب الفرج والنصر كما فتحت لهم طريقا في البحر، وأفرح قلوبنا بهلاك كل ظالم ومنافق وطاغية ومن والاهم كما أهلكت فرعون وهامان وجنودهما إنك على ذلك لقدير يارب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.