منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(6) ما لا يحتاج إلى بيان التعليق؛ التعلق في النحو العربي – دراسة تركيبة –

(6) ما لا يحتاج إلى بيان التعليق؛ التعلق في النحو العربي – دراسة تركيبة –/ عبد السميع مزيان

0

(6) ما لا يحتاج إلى بيان التعليق

التعلق في النحو العربي

– دراسة تركيبة –

بقلم: عبد السميع مزيان

جامعة محمد الأول -المغرب

 http://المقالة الأولى

http://المقالة الثانية

المقالة الثالثة

المقالة الرابعة

المقالة الخامسة

الحاجة إلى بيان تعلق شبه الجملة، بالحدث الذي تخدمه وتقيده مرده إلى الأسباب التي ذكرت في بداية هذا الفصل[1]، لكن إذا انتفت هذه الأسباب فلا حاجة إلى بيان التعلق، ومن تجليات هذا الانتفاء ما يلي :

1ـ الظرف: كل اسم زمان أو مكان بقي على اسميته، أو انتقل من حيز الظرفية إلى الاسمية، وتُصُرِف فيه كما يتصرف في الأسماء، فقد الحاجة إلى بيان التعليق، بحيث أنه دخل في علاقات جديدة، وهي:

أـ علاقة الإسناد: كأن ينوب الظرف عن الفاعل، نحو قوله تعالى: وحيل بينهم وبين ما يشتهون [سبأ: 54]، الظرف (بين) مبني على الفتح في محل رفع نائب الفاعل، وقوله عز من قائل: “ولولا كلمة سبقت من قبلهم لقضي بينهم”[هود: 110].

ومن علاقة الإسناد ـ أيضا ـ انتقال اسم المكان او الزمان إلى وظيفة الخبرية، كأن تقول: الصومُ يومٌ، والسيرُ شهرٌ، ومنزلك مني ليلةٌ، والصومُ يومُ الخميسِ، فقد دخلت أسماء الزمان والمكان في هذه الجمل حيزا غير الظرفية، فأصبحت في علاقة جديدة، هي الأسناد أيضا، وعلى هذا قول الله تعالى:”الحج أشهر معلومات [البقرة:196].

ب ـ علاقة التبعية: وهو أن يصبح الاسم، الذي هو في الأصل ظرفا تابعا، في عطف أو بدل أو توكيد. فهو حين ذاك لا يحتاج إلى بيان التعليق، وإن كان منصوبا؛ لنه انتقل من حيز الظرفية إلى حيز آخر، ودخل في علاقات أخرى، غير ما يكون من علاقات بين الحدث وشبه الجملة.

فقول الشاعر:

جَزَتْ رحمٌ بَيْنِي وَبَينَ منازل      جزاء كما يستنجز الدين طالبه

نرى أن (بين) الثانية معطوفة على (بين) الأولى. ومنصوبة لذلك، بالعطف لا بالظرفية.

وفي قول سعد بن ناشب:

فإنا إذا  ما الحرب ألقت قناعها      بها حين يجفوها بنوها لأبرار

يكون (حين) منصوب على التبعية؛ لأنه بدل من (إذا)؛ لأنه ظرف زمان. ولهذا فإنه لا يحتاج إلى التعليق.

وإذا قلنا: اجثوا أمام الشيخ أمام الشيخ، لكان الظرف هو الأول، أما الثاني فتوكيد لفظي، أي تكرار للأول، لا يجوز تعليقه.

2ـ الجار والمجرور: يشترك الجار والمجرور مع الظرف في الحالات السابقة، التي لا يُحْتَاجُ فيها إلى بيان التعلق، وذلك بسبب دخولهما في علاقات تركيبية جديدة، وهي علاقتي الإسناد والتبعية، ويستثنى من علاقة الإسناد أداء الجار والمجرور لوظيفة الخبرية؛ لأنه كما سبق ورأينا، لا يكون  الجار والمجرور هو الخبر، كما في قولنا: (محمد في الدار) فالخبر محذوف دلت عليه شبه الجملة.

ومن شواهد نيابة الجار والمجرور عن الفاعل، قوله عز وجل: )ولما سقط في أيديهم(     [ الأعراف: 149]، وقوله أيضا: )وجيء يومئذ بجهنم( [ الفجر: 26].

ومن شواهد وقوع الجار والمجرور تابعين، في عطف أو توكيد أو بدل، قول أبي زبيد:

ولعمر الإله لو كان للسي      ف مصال وللسان مقال

ففيه شاهد على عطف الجار والمجرور (للسان) على (للسيف).

ومن البدل قول ابن سلام في حديثه عن ابن محجن: ” ثم حبسه سعد بالقادسية، في القصر، معه”[2] فقد أبدل الجار والمجرور (في القصر) من ( بالقادسية).

ومن أمثلة التوكيد قولنا “العلم في الصدور في الصدور”، فالجار والمجرور الثاني توكيد لفظي للجار والمجرور الأول.

إلا أن الجار والمجرور ينفرد عن الظرف بحالتين إضافيتين، لا يحتاج فيهما إلى تعليقهما بالخبر وهما:

ـ وقوع الجار والمجرور في محل نصب على الاستثناء، فهما ينتقلان من حيز تعدية الفعل وتقييده، إلى حيز النصب على التمام. وذلك نحو قول امرئ القيس:

والله لا يذهب شيخي باطلا      حتى أبير مالكا وكاهلا

لأن (حتى) فيه استثنائية. فهي وما جر بها من مصدر مؤول من (أن) والفعل (أبير) في محل نصب على الاستثناء، فعلاقة الاستثناء في هذه الحالة أغنت عن ذكر تعلق شبه الجملة.

ـ حذف الجار ونصب ما بعده لفظا أو تقديرا، نحو قول الله تعالى: )لأقعدن لهم صراطك المستقيم( [الأعراف: 16]، أي: على صراطك المستقيم، وقول جرير بن عطية:

تمرون الديار ولم تعوجوا       كلامكم علي إذا حرام

أي تمرون بالديار. فإذا حذف الجار، ونصب الاسم بعده، فإن شبه الجملة تفقد أصالتها، وينقل الاسم حينئذ إلى حالة النصب، فيكون منصوبا على نزع الخافض، كما يقول الكوفيون، اما مذهب البصريين ان الاسم منصوب بالفعل اللازم قبله، لما أسقط الجار وصل الفعل إلى الاسم فنصبه.

أما حروف الجر غير الأصلية فلا تعلق فيها أصلا، لأنها وما جر بها لا يسمى شبه جملة، وبيان التعلق مقتصر على ما دخل ضمن خانة أشباه الجمل. وحرف الجر غير الأصلية التي لا تتعلق هي:

1ـ الحروف الزائدة: كالباء في قوله تعالى: كفى بالله شهيدا [الرعد: 13]، و(من) في قوله عز وجل: هل من خالق غير الله[ فاطر: 3]. هذه الحروف لم يؤتى بها لتوصل معنى الحدث وتربطه بالاسم المجرور، فتكون حينذاك خادمة لهذا الحدث، ولم تكن أيضا خادمة للاسم، كما هو الحال مع (من) التمييزية، وإنما هي خادمة للإسناد كله، فقد جاءت تقوية للكلام وتوكيده[3].

وسميت زائدة؛ لأنه يستغنى عنه إعراب، فالاسم بعدها يجر لفظا، ويعرب بحسب موقعه من الكلام. ولا يستغنى عنه في المعنى؛ لأنه جيء به لتوكيد مضمون الكلام.
وقد تقع الكاف زائدة، كقوله تعالى: ليس كمثله شيء[الشورى: 3]، لأن التقدير: ليس شيء مثله، وإذا قيل: أنها ليست زائدة لصار المعنى: ليس شيء مثل مثله، في هذا إثبات للمثل، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

2ـ لعل في لغة عقيل: لأنه حرف شبيه بالزائد؛ لأن مجرورها في موضع رفع بالابتداء، بدليل ارتفاع ما بعده على الخبرية، وشاهده قول الشاعر:

فقلت ادع أخرى وارفع الصوت جهرة      لعل أبي المغوارِ منك قريبُ

هذا الجار ليس خادما لحدث القرب، ولا لذات أبي المغوار، بل هو خادم للإسناد كله، إذ أضفى إلى  إسناد القرب إلى أبي المغوار معنى الرجاء، فبه أصبح هذا الإسناد شيئا مرجوا، وليس شيئا واقعا مخبرا عنه. فهو شبيه بحرف الجر الزائد لأنه لم يربط شيئا بشيء، ولا خدم أحد أفراد الجملة، لكنه يختلف عنه في أنه حمل إلى الجملة معنى لم يكن فيها، وهو معنى الرجاء، وسقوط هذا الجار من الجملة ـ وإن لم يؤثر في علاقات بعض أجزائها ببعض ـ فإنه يحرمها من معنى تأسيسي يحمله هذا الحرف.

3ـ رب: دخلت الكلام لتفيد التكثير غالبا والتقليل نادرا، فليست لتعدية الفعل، ولا لتقييده. فيكون ما بعدها مجرورا لفظا، ويعرب بحسب موقعه. فمحل مجرورها في نحو (رب رجلٍ صالحٍ عندي) رفع على الابتدائية، وفي (رب رجلٍ صالح لقيت) نصب على المفعولية، وفي نحو (رجل صالح لقيته) رفع أو نصب.

4ـ حروف الاستثناء: (خلا، وعدا، وحاشا) إذا جر بها، فهي أحرف شبيهة بالزائد، يجر الاسم بعدها لفظا، ومحله النصب على الاستثناء[4].

ومن شواهد الجر بـ (خلا):

خلا اللهِ لا أرجو سواك وإنما      أعد عيالي شعبة من عيالكا

ومن الجر بـ (عدا) قوله:

أبحنا حيهم قتلا وأسرا     عدا الشمطاء والطفل الصغير


[1] – ينظر الصفحة (…) من هذا البحث

[2] – طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، تح: محمد محمود شاكر، دار المدني، جدة- السعودية، 1/268.

[3] – المغني، ابن هشام، 2/491.

[4] – ينظر: رصف المباني في شرح حروف المعاني، احمد بن عبد النور المالقي، تح: أحمد محمد الخراط، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق – سوريا، ص: 178، 185، 366.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.