ميثاق العقبة منعطف تاريخي مهم في حياة الانسانية
يحيى ملوك
مقدمة :
حينما أفتح كتاب السيرة النبوية وأتصفح في صفحاتها المختلفة من قبل الميلاد الى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه و سلم ، تستوقفني كل الأحداث التي صاحبت و لصقت بمسار الدعوة على طول الخط في التاريخ . ولعل الأمر يدل دلالة واضحة على أن المؤمن ينبغي له أن يستوعب هذا التاريخ و يجعله نصب عينيه حتى يكون على بينة من أمرهذا الدين الذي شرف بالانتماء اليه والانتساب الى سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو محور هذا الكتاب . لذلك فاني اخترت فقرة من فقرات السيرة كان لها وقع كبير في حياة العالم . وقد شكلت منعطفا كبيرا في مسار الأحداث من بعدها . إنها بيعة العقبة . فالنبي صلى الله عليه و سلم لم يستكمل بعد تأسيس أركان الدعوة و تثبيت أعمدتها و هو لا زال يقاوم المطاردة و الاغتيال .ومع ذلك فإنه يتميز بالتفكير الاستراتيجي و أنه لا يسير وفق ما يرسمه أعداء الدعوة بل يريد أن يشق له طريقا جديدا ليس على منوال غيره ، وانما مستقلا بذاته ومبدعا في أفكاره تماشيا مع ما تقتضيه ظروف زمانه . هذه البيعة كانت نقطة تحول نحو آفاق جديدة قلبت الموازين المحلية و الاقليمية والدولية .
المحور الاول : بيعة العقبة وتبعاتها
قال ابن هشام يروي عن ابن إسحاق عن كعب بن مالك: «فواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق (…) قال فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب. فتكلم القوم وقالوا: خذ منا لنفسك ولربك ما أحببت>>(1)
لقد كان هذا الرد يشي بأن الأمور كانت تجري وفق ما رسم لها من عزم و شجاعة لتحمل هذه المسؤولية و تبعاتها .
<< … فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام. ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» . فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: «نعم! والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا. فبايعنا يا رسول الله. فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ،ورثناها كابرا عن كابر». فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهـان فقال: يا رسـول الله! إن بيننا وبين الرجال -يعني اليهود- حبالا وإنا قاطعوها. فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «بل الدم الدم! والهدم الهدم! أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم».(2) هذه البيعة النبوية الثانية هي التزام متبادل . فمن جانب الأنصار التزام بأن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. ومن جانبه صلى الله عليه وسلم التزام ببذل دمه: «الدم الدم!» وبيته بمن فيه: «الهدم الهدم!» دفاعا عمن أصبحوا منه وهو منهم، يحارب من حاربوا، ويسالم من سالموا.
ومرة أخرى نقف عند قوله صلى الله عليه وسلم: «أنا منكم وأنتم مني»، لكي لا نتوهم أن الله عز وجل يبارك ويشهد عقدا يستعبد فيه رئيس قائد عباد الله يسخرهم لهواه، يرتاح ويتعبون، ويقاتلون وهو قاعد. (3)
وقال العباس بنُ عبادة بنِ نضلة وهو من الأنصار: هل تدرون عَلامَ تبايِعون هذا الرجل؟قالوا: نعم! قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترَون أنكم إذا نُهِكتْ أموالُكم مُصيبَةً، وأشرافُكم قتلاً أسلمتموه .(4)
لقد تعرضت شروط البيعة إلى النقاش العميق ، وأخذ كل ما يمكن أن تطرحه هذه الشروط من مشاكل مستقبلية . لذلك كانت هذه التساؤلات تطرح حتى يتبين القوم من مضامين الميثاق .
<< … فمن الآن! فهو والله إن فعلتم خِزيُ الدنيا والآخرة! وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه. فهو والله خير الدنيا والآخرة!
قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا؟ قال: الجنة. قالوا: ابسُط يدك! فبسط يده فبايعوه.>> (5)
إنها إذاً صفقة يتعهد بمقتضاها المجاهد أن يبذُل مالَه ودمَه في سبيل الله تعرضا لرضى الله، واستجلابا لخير الدنيا والآخرة. ليس شيئا من قضايا المؤمنين حركةً سياسية دنيوية مقطوعة عن الحياة الحقيقية في الدار الآخرة، ولاَ شيء من سعي المؤمنين المجاهدين يُلفت المؤمنين المجاهدين عن مطمح سعادة الأبد إلى زينة الدنيا وتنافساتها.(6)
المحور الثاني : بداية تحول النطام من القبيلة الى الامة
لقد كانت بيعة العقبة كما يظهرجليا عند التأمل في أبعاد الحوار السابق، لحظة حاسمة لا في تاريخ الجزيرة العربية فحسب ، بل في تاريخ الحياة السياسية للمجتمعات الانسانسة قاطبة بما مثله من انقطاع في تقاليد الولاء المطلق للاسرة أوالقبيلة أو القوم . (7)
لقد كان من تبعات هذا ولادة أمة تستند في وجودها إلى مفاهيم جديدة و قيم جديدة تفوق رابطة القبيلة والقوم . فقد جمعت هذه الأمة في بادئ الأمر طرفين يمثلان أسس بيعة العقبة : النبي صلى الله عليه وسلم والأنصار . ومكون الأنصار يتمثل في قبيلتين الأوس والخزرج .من هناك لم يكن الأمر يتطلب الغاء القبيلة بل إبقاءها لما فيها من أدوات وآليات في التنظيم والتجمع وفي توزيع الأدوار وغيرها .لذا فإن مفهوم الأمة قد تصدر أول صحيفة جمعت كل الأطراف بالمدينة :<< هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن اتبعهم فلحق بهم وجاهد معهم.
إنهم أمة واحدة من دون الناس.>>(8)
المحور الثالث :كيد قريش للنبي ومن معه في يوم الزحمة
قال ابن إسحاق: ولما رأتْ قريشٌ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد كانت له شيعة وٌأصحابٌ من غيرِهم بغيرِ بلدِهم، ورأَوْا خروجَ أصحابهِ من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا مَنعَةَ ، فحزَرَوُا خروجَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة – وهي دار قصُيَّ بن كلِاَبٍ التي كانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها – يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه.
كان قرار النبي صلى الله عليه و سلم الهجرة الى يثرب تحول جوهري في مسار الدعوة (9) بحيث أصاب قريش ارتباك شديد وهي التي أحكمت حصارها للدعوة في مكة ، لكنها أرادت أن تطارد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه خارج مكة . إن الحسابات السياسية ليست دائما في صالح قريش لأنه ينبغي أخذ الجيو سياسي في الادراك . إن شساعة المنطقة واتساع رقعتها مع احتوائها على أطراف عديدة من أجل التحالف معها يتطلب حنكة سياسية ثم أموالا طائلة.
المحور الرابع : تحولات دولية تلوح في الافق
لقد كانت سنة 622 م حينما تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة نحو يثرب تعلن عن خبر يخص الحرب العالمية آنذا ك. والتي كانت رحى الحرب تطحن الدولتين العظميين . حينها انتصر الفرس هذه المرة على الروم . ثم بعد مدة أعاد الكرة عليهم هرقل قائد الروم الجديد بعد أن رتب الجيش وجمعهم على نصرة القدس التي احتلها الفرس . فتحقق لهرقل ما أراد الا أن الدولتين العظيمتين قد أصابهما ضررا كبيرا بفعل الحروب التي دارت بينهما طيلة سبعة قرون مضت .حيث كان النبي صلى الله عليه و سلم على دراية تامة بما يجري في العالم . وكانت المدينة مهدا لمشروع الدولة الاسلامية التي سوف تقفز الى الدولة القطبية في المستقبل القريب.
العبر المستخلصة :
- ليست هجرة المكان بل ربط المومنين في تنظيم قطري
وهكذا يجب على المؤمنين، من كان منهم صادقا لا تنكسر عزماته أمام التهديدات والمخاوف، أن ينضم إلى إخوته لينصرهم في جهادهم ويواسيهم بنفسه. كانت الهجرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حركة من مكان إلى مكان، ألزمتها ضرورة التجمع لمواجهة العدو وحماية بيضة الإسلام، أي عاصمته ومقر إمارته. أما الآن ودار الإسلام واسعة، وأقطارها متفرقة ووسائل العصر وطبيعة المواجهة مختلفة، فالهجرة والنصرة في حق الصادقين لا تطلب نقلة من مكان إلى مكان بعينه. التجمع المطلوب والاستنفار الواجب يتمان بربط المؤمنين في التنظيم القطري وإحكام تحركه عبر المكان وفي كل مكان. وخروج الوافد على الجماعة في سياحات الدعوة ومعسكرات الشباب يتيح له أن يبتعد عن مألوفاته وينقطع عن بيئته المرفهة الغافلة. وبذلك يطوي المراحل في قطع حبال الجاهلية والارتباط المتين بالجماعة؟ (10)
- ضرورة إبرام العقود التي تحقق مصلحة للدعوة
العقود التي لها نفع في مسار الدعوة و التي تحفظ كيانها من الزوال ينبغي أن تبرم لأنها تحفظ للمومنين وجودهم، ولأنها تضع المومنين في المحك ليكونوا أوفياء لما يتفقون .فكون سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم نبيا لم يمنعه من مباشرة عقد البيعة فهو بهذا يعطينا المثال .
- الأمة
لا رجوع الى القوم لان الاسلام ربط القائد بالأمة كيان جديد ومصطلح يدخل قاموس السياسة يتسع في مفهومه ليدخل الناس فيه بمختلف أجناسهم وأنه يتسع ليشمل رقعة جغرافية كبيرة .
- التزام داخل التنظيم الاسلامي
التزام من جانب القائد الذي هو النبي صلى الله عليه و سلم ببذل دمه (الدم ، الدم ) و بذل بيته بمن فيه ( الهدم ، الهدم ) دفاعا عن هذا الاندماج الكلي مع الانصار . و كذلك الأمر فيما يتعلق بالتنظيم الاسلامي .
- حرية إبداء الرأي
الحرية في التعبير عن وجهة النظر كانت حاضرة بقوة . ويتعلق الأمر بعقد اتفاقية .فإنها تتعرض للنقد في حينها وتقلب من جميع أوجهها حتى يقتنع بها الكل أو الجل.
- الحوار مطلوب حتى يحس الأطراف بالأمان
النقاش والحوار مطلوب بين الأطراف المتعاقدة لكي يستحضروا كل المخاوف والاحتمالات .هذا يزيد في إغناء الوثيقة كقوله صلى الله عليه و سلم :( الدم ، الدم )و ( الهدم ـ الهدم )لتقوية مضمون الوثيقة .
- مراعاة المصلحة الدنيوية والأخروية
يجب أن تراعى في أية وثيقة ، والتي تحدد مصير الجماعة المصلحة الدنيوية و الأخروية . و يظهر ذلك في قول العباس بن نضلة الأنصاري :<<….فهو و الله خزي الدنيا والاخرة >> وكذلك قوله : << …فخذوه فهو والله خير الدنيا و الاخرة >>.
- المساومة
أغلى ما يكترث له المرء المال والقتل ولذلك تكون فيه المساومة . وقد سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم : فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا ؟ قال : الجنة . ولهذا فليعمل العاملون ويضعوه في حسابهم.
- المنهاج النبوي
موقفنا الان داخل الأمة التي فقدت بوصلتها وضاعت مقوماتها أن نصطحب المنهاج النبوي في حياتنا التربوية والتنظيمية .
- عدم الغفلة عما يدبره الأعداء
لا ينبغي أن نغفل تتبع الأعداء لنا . فهم يرقبون كل خطواتنا و تحركاتنا ، ويبنون عليها خططا و استراتيجيات من أجل حشرنا في الزاوية .
- مراعاة الفرق بين الفرقاء
قد يجتمع الأعداء من كل فرقة أو حزب أو ملة أو دولة أو دول من أجل اجتثاتنا و استئصالنا ، وفي المقابل هناك من ينصفنا و يمد حبل الوصل معنا ، فينبغي أن نراعي هذا الفرق و نبني عليه علاقات وألا نعامل الناس كأنهم سلة واحدة .
- أشد الناس عداوة
الملاحظ في التكتل القبلي في مكة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم ، عدم وجود اليهود طرف فيه . فإن هذا يعطينا مؤشرا واضحا على أن دائرة العداء تتسع ولكن بتفاوت بينهم الا أن أشدهم كما أخبرنا القران الكريم اليهود والذين أشركوا .مصداقا لقوله تعالى : ” لتجدن أشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين أشركوا “.سورة المائدة اية 84
- الجغرافية السياسية
الجيوسياسية أو الجيوبوليتيك مصطلح تقليدي ينطبق في المقام الأول على تأثير الجغرافيا على السياسة، فهـو علم دراسة تأثير الأرض (برها وبحرها ومرتفعاتها وجوفها وثرواتها وموقعها) على السياسة في مقابل مسعى السياسة للاستفادة من هذه المميزات وفق منظور مستقبلي .فينبغي أن يكون هذا العلم في متناول القائمين على أمر الدعوة حتى لا يفاجأوا بشر من هذه الثغرة (11).
- توازن القوى
تقول نظرية توازن القوى في العلاقات الدولية أن بإمكان الدولة ضمان وجودها عبر منع أي دولة أخرى من اكتساب قوة عسكرية تمكنها من الهيمنة على الدول الأخرى.وهذا ما يؤدي الى تحالفات تحفظ من خلالها على استقرار التنظيم أو الدولة الصاعدة .(12)
المراجع :
(1)كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمان المباركفوري ، الطبعة الثانية 1408-1988م ص 144
(2) كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمان المباركفوري ، الطبعة الثانية 1408-1988م ص 145
(3 )كتاب المنهاج النبوي تربية وتنظيما و زحفا ، عبد السلام يس ، ص 117 -118 ، سراج الالكترونية
(4) كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمان المباركفوري ، الطبعة الثانية 1408-1988م ص 145
(5) كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمان المباركفوري ، الطبعة الثانية 1408-1988م ص 145-146
(6) العدل : الاسلاميون والحكم ، عبد السلام يس ص 117 و 118
(7) العقيدة والسياسة لصافي لؤي ص 99.
(8)السيرة النبوية كما في عيون الأثر،لمحمد اليعمري الربعي، أبو الفتح المجلد 1 ص 227 ، المكتبة الشاملة .
(9) الربيع الاولح خنفر الطبعة الاولى ، بيروت 2020 لوضا ص 170.
(10) المنهاج النبوي ، عبد السلام يس موقع سراج الالكترونية ص 200و 201.
(11)ويكيبيديا الموسوعة الحرة
(12)ويكيبيديا الموسوعة الحرة