حوار مع فضيلة الدكتور إدريس مستعد رئيس الحركة من أجل الأمة
الأستاذ سعيد ضياء
حوار مع فضيلة الدكتور إدريس مستعد رئيس الحركة من أجل الأمة
أجرى الحوار الأستاذ سعيد ضياء
في إطار احتفالية موقع منار الإسلام بذكرى المولد النبوي الشريف على ضوء معركة طوفان الأقصى المجيدة، توجه موقع منار الإسلام بخمسة أسئلة حول خصوصية الاحتفال بالذكرى هذا العام، وكان ممن توجه الموقع لهم بهذه الأسئلة فضيلة الدكتور ادريس مستعد أستاذ جامعي ورئيس الحركة من أجل الأمة.
وفيما يلي نص الحوار:
“نحتفل بذكرى المولد النبوي بمفارقة بين الرحمة والعداء، بين المقاومة والاستقواء، بين التخندق واللامبالاة، بين تجبر العدو والصمت المدان”
السؤال الأول: ونحن نتابع أحداث غزة الأليمة وصمود رجالها ونسائها وأطفالها رأينا أبا يودّع ابنه الشهيد أحمد ويقول له:” يا أحمد بلّغ مني السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم”. فكيف تربطون –سيدي- هذا التعلّق المنيف بالجناب الشريف بصمود أهل غزّة؟ … وهل تعلقهم برسول الله صلى الله عليه وسلم هو سرّ هذا الثبات؟
الجواب: إن أمر الأب الفلسطيني ابنه الشهيد أحمد تبليغ السلام إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، تجسيد لاستمرارية الرسالة، وتبليغ لأداء الأمانة والوفاء بالعهد، فكل مسلم يومن بالله ورسوله هو على العهد، وعهد الله التزام واستمرار على نفس النهج، بتعبير آخر هو مفهوم ” الشهود” و” الشهادة “، يقول تعالى: “و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” البقرة الآية 143 ف” الشهود” هو الذي يحقق الاستمرارية ويجعل مهمة الرسول من مهمة الأمة الوسط، والجعل هنا من الله تعالى، فطبيعي أن تستمر القيادة في النفوس، ويكون الشهود لمن يحمل الرسالة في كل عصر.
وقد كان وقع كلمة الشهود قويا على رسول الله، عليه الصلاة والسلام، حين طلب من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فلما وصل إلى قوله تعالى: “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا”، قال له: “حسبك”، فإذا عيناه تذرفان”.
وإذا كانت الشعوب تتخذ من فلاسفتها وكتابها وشخصياتها التاريخية في مجالات مختلفة رموزا لها، تتقوى بها وتستحضرها وتجعلها روحا قومية تبعث الأمل وتوحد بين المجتمع، فما بالك بشفيع هذه الأمة ومخرجها من الظلمات إلى النور وقائدها إلى جنات النعيم، من يبعث يوم القيامة يقول :( أمتي، أمتي)، ألا يمكن أن يكون نموذجا وأسوة، وقد قال تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة” الأحزاب الآية 21؟
إن التعلق برسول الله عليه الصلاة والسلام رمز للصمود والثبات ومواجهة الأعداء، وليس غريبا أن يطلب الأب من ابنه الشهيد أحمد أن يبلغ السلام إلى رسول الله، فهو مطمئن أولا على نيل الشهادة، ورسالة مزدوجة، واحدة ستبلغ إلى رسول الله ملؤها تحية الوفاء وثانية إلى المقاومين الصامدين الذين يحتاجون إلى الدعم المعنوي أكثر من المادي.
إن الشهيد وسيط بين الرسول عليه السلام وأهل غزة المقاومين، وشاهد على الأمة جمعاء، والروح الرسالية القيادية تسري في كل من يحمل روح الشهادة.
ومن باب المطابقة الرسالية توافق دلالة الاسم، فالشهيد هنا أحمد، و من أسماء الرسول عليه السلام أحمد، وهو الكثير الحمد الذي حمد الله حتى أصبح أحمد، فالحمد لله على الرسالة والحمد لله على الشهود والحمد لله على الشهادة والحمد لله على غزة الشاهدة والشهيدة.
السؤال الثاني: لو كان مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا. كيف كان سيتعامل مع قضية فلسطين…قضية الأقصى…ومع طوفان الأقصى؟
الجواب: لقد كانت حياة الرسول عليه السلام تجربة واقعية تعدو زمانها، وفق سنن وشروط للنصر، ربى المسلمين عليها لكل وقت، فكلما تحققت تحقق وعد الله، و هذا سر” استحضار ” الرسول الذي تحدثنا عنه في السؤال الأول، فلنغير الفرضية ( لو كان حيا ) إلى ( ماذا يقول عليه السلام في هذا الأمر ؟)، فروحه تسري في المقاومين، فالقضية الفلسطينية كانت حاضرة في أحاديث الفتح ومواجهة أعداء الأمة والإشارة إلى المتخاذلين المتقاعسين، ” الرعوانيين”، بالتعبير المغربي، الذين لا يعبأون بما يجري في الواقع ولا يتحملون المسؤولية، وما علينا إلى قراءة السيرة النبوية بروح واقعية، وبلغة العصر ب” روح المقاومة “.
فصيغة (لو كان حيا) كأنها تستبعد حضوره، عليه الصلاة والسلام، بل هو حي بروحه في عالم الغيب، يتحسر على واقع المسلمين ” الأموات ” الذين لا يناصرون أهل غزة.
السؤال الثالث: يحتفل المسلمون –هذه الأيام- بذكرى مولد الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام في ظل هذه الظروف العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية عموما، وغزة الأبية خصوصا، فماذا تقترحون –سيدي- من برامج ليكون الاحتفاء جهاديا سندا للمستضعفين، لا احتفالا قاعدا بعيدا عن هموم الأمة؟
الجواب: إن احتفال المسلمين، في أي لحظة، لا يمكن فصله عن السياق الذي تعيشه الأمة، وإلا سنكون خارج التغطية الحضارية، فالاحتفالية مفهوم إبداعي يمكن أن نجسده بأشكال مختلفة حسب السياق الدي نحن فيه، فلا عذر لنا، كل من موقعه وزاويته، وسنسأل عن ذلك، من باب الشهادة والشهود.
– وأول احتفال هو الوعي بالقضية والتعريف بها بين العائلة والأهل والأحباب، وفرض إيقاع القضية الفلسطينية، لأنه في لقاءاتنا، إما أن تفرض إيقاعك وإما سيفرض عليك إيقاع الأخرين، فالمطلوب فقط البحث عن الصيغة الإبداعية للتعبير عن القضية الفلسطينية.
– استغلال المؤسسات التربوية والتعليمية للقيام بمشاهد ولوحات، وعدم الاستهانة ببساطتها، لأن تأثيرها على الأطفال يختلف عن الكبار، وتأثيرها على الأميين يختلف عن المتعلمين.
– جعل القضية الفلسطينية لسان الناس في جميع السياقات في الأسواق والمرافق، وكلما سنحت الفرصة لذلك، أي ما يمكن تسميته ب” فلسطنة ” الواقع.
– تأثيت البيوت بكل ما يحيل إلى فلسطين، فلا ننسى دور ” الكوفية ” وما أدته من رسائل أوربيا ومحليا، تصبح موقفا في سياقات مختلفة.
– إشراك الجهات الحكومية المسؤولة في التحسيس بالقضية، بأضعف الإيمان، بالحديث عما يجري على أرض فلسطين من أحداث يومية، من باب الموضوعية دون إصدار أحكام قيمة، أو باستحضار القضية أكاديميا، فقد عاينت مدراس للتعليم العالي قاموا بمعارض للتعريف بتاريخ فلسطين، وبلجنة القدس..
– نشر الابداعات الفلسطينية من قصائد وروايات وأفلام…
السؤال الرابع: كان ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلّم إيذانا بسقوط الشرك والكفر، واندحار الظلم والجور، فهل تكون ذكرى مولده اليوم –في ظل طوفان الأقصى- إيذانا بسقوط طواغيت الكفر والظلم والطغيان، وإعلانا عن بناء دولة القرآن.؟
الجواب: لقد كان ميلاد المصطفى، عليه الصلاة والسلام، إيذانا بمرحلة جديدة في تاريخ البشرية، وبقرب نهاية الكفر والظلم، فسنة الله اقتضت أن ينتصر الحق في نهاية المطاف فطوفان الأقصى اليوم وطوفان الأمة غدا بحول الله.
السؤال الخامس: رأت آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلّم حينما حملت به أن نورا خرج منها فأضاءت منه قصور الشام…والشام اليوم –سيدي- كما ترى، فهل من بقايا لهذا النور في عالمنا الكئيب، وكيف نحافظ على هذا النور النبوي في ظل هذا الظلام الذي أرخى سدوله على العالم؟
الجواب: النور الدي صدر من آمنة وأضاء قصور الشام هو نور الهداية الدي عم البشرية و أزال رموز الكفر والضلال، يشير الغزالي إلى أن الذي يستحق اسم النور هو الذي تفيض أنواره على غيره، هو النور المقصود لذاته وغيره، وهو نور النبي محمد و أنوار الانبياء عليهم السلام وأنوار العلماء، إذ تفيض منهم أنوار المعارف على الخلائق.
وقد وصف الله تعالى رسوله بالشمس والقمر، فنوره رحمة للعالمين وهو ” سراج منير” أي نوره مستمد من الله تعالى مباشرة، ومن هنا تكون مصدرية النور بكل دلالاتها المعرفية والخلقية والتجليات الإلهية.
فكل نور في الحياة مصدره نور الله، (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) النور 40، والنور واضح وموضح لغيره، هو نور يحدث في باطن الإنسان نوعا من الكشف يدله على الهدف والحقيقة.
نخلص إلى أن ” الاحتفال معرفة” والمعرفة بحث في حقائق الوجود، والمولد النبوي حقيقة كونية، فالله تعالى خلق نبيه في الأزل واختاره بين البشر، فهو المختار المصطفى، و” السراج المنير” والحديث عنه في ذكرى مولده نور وفرقان ودرء للفتن والدجل.
فالاحتفال به ذكر لسنته الفعلية والقولية، وذكر لكماله ورحمته وحرصه على المؤمنين وطلب لشفاعته.