بطلة أحد
بقلم: الأستاذة أمينة جابري
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ومن المؤمنات. حديثنا عن امرأة جمعت من الخصال ما جمعت، امرأة مثلها قليل. إنها امرأة الحديث عنها شيق يسر النفوس، فإذا ذكرنا الوفاء كانت في المقدمة، وإن ذكرنا الإسلام والإيمان كانت المؤمنة الصادقة، وإن تكلمنا عن العبادة والطاعة وجدتها عابدة قانتة هي التي قال عنها الأصبهاني “كانت ذات جد واجتهاد وصوم ونسك واعتماد” [1]، وإذا سألت عن العلم فهي العالمة الراوية المتقنة لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي قال عنها المصطفى صلاة ربي وسلامه عليه ومن معها من أسرتها “اللّهُمّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي فِي الْجَنّةِ ” [2]. لعلك عرفتها !
فمن تكون هذه الصحابية الجليلة التي نالت شرف مرافقته صلى الله عليه وسلم في الجنة ؟
إنها نسيبة بنت كعب.
نسيبة بنت كعب:
ـ نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف المازنية الخزرجية النجارية الأنصارية الملقبة بأم عمارة. سكنت يثرب قبل الإسلام، وأحبت المدينة بقدر حبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ أمها الرباب بنت عبد الله بن حبيب الخزرجية، أسلمت وشهدت يوم أحد، وساهمت في تضميد جراح ابنتها.[3]
ـ إخوتها: عبد الله بن كعب المازني الذي شهد بدرا وأحدا والخندق .. وكان عاملا على الغنائم.
وثانيهما هو عبد الرحمان بن كعب أحد البكائين شهد أحدا والخندق وما بعدهما.[4]
ـ تزوجت أم عمارة قبل الإسلام زيد بن عاصم الأنصاري وهو من الصحابة الذين شهدوا بيعة العقبة وبدرا ثم أحدا،وأنجبت له ولديه حبيب وعبد الله وهما من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ثم تزوجت من بعده غزية بن عمرو الأنصاري شهد العقبة وأحدا ، وأنجبت له ضمرة، شهد أحدا.
إسلامها :
أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أول سفير إلى المدينة يفقه الأنصار الذين آمنوا وبايعوه عند العقبة وينشر الإسلام فيها وقد وقع الاختيارعلى من كان يتمتع برجاحة عقل وكريم خلق وزهد، إنه الصحابي الجليل مصعب بن عمير. وكان ممن لبى النداء من النساء نسيبة بنت كعب “أم عمارة” رضي الله عنها التي باشرت الدعوة هي الأخرى من جانبها بين أهل المدينة.(صحابيات حول الرسول)
ثانية اثنتين :
وجاء الوعد الحق!
الوقت: الثلث الأول من ليلة من ليالي أيام التشريق من السنة الثالثة عشرة من النبوة ،بدأ عدد من مسلمي أهل يثرب يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهوحافظهم حتى وصلوا…
المكان: منطقة العقبة بمنى من مكة المكرمة، المتفق عليها معه صلى الله عليه وسلم.
العدد: ثلاثة وسبعون رجلًا تحت قيادة الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، وامرأتان هما نسيبة بنت كعب (أم عمارة)، وأسماء بنت عمرو بن عدي (أم منيع)[5].
الهدف: اللقاء مع خير خلق الله صلى الله عليه وسلم. وعقد اتفاق تاريخي يشهد عليه الله ورسوله والملائكة والناس أجمعين، سمي بيعة العقبة الثانية .
وصل النبي عليه الصلاة والسلام ومعه عمه العباس وهو على دين قومه، لكنّه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه. استفتح العباس هذه المباحثات مبينًا منعة النبي في بلده، وعزه من قومه؛ ليرى مدى قدرة الأنصار على حمايته صلى الله عليه وسلم، ليرد عليه الأنصار في غاية الأدب واللطف طالبين من النبي عليه الصلاة والسلام كلامه، فكان أول ما تكلم به هو كلام الله سبحانه وتعالى، ثم رغّب الحاضرين في الإسلام وكان قد تمكن من قلوبهم. فعرض عليهم شروطًا كانت في غاية المشقة لكن لابد منها، فقال: “أن تبايعوني على:
- السمع والطاعة في النشاط والكسل.
- والنفقة في العسر واليسر.
- وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم (كلمة الحق والجهاد دون خوف من أحدٍ أيّا كان).
- وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم و أبناءكم (نصرة رسول الله وتقديم محبته على النفس والزوجة والولد).
- و لكم الجنة”[6]
روى الواقدي عن أبي صعصعة عن أم عمارة تتحدث عن صفة بيعتها فتقول: كانت الرجال تصفق على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، والعباس – عمّ النبي- آخذ بيده صلى الله عليه وسلم، فلما بقيتُ أنا وأم منيع نادى زوجي غزية بن عمرو: يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعانك فقال:” قد بايعتهما على ما بايعتكم عليه، إني لا أصافح النساء”[7]
عادت فرحة بما أكرمها الله به، لقد فازت برضى ربها إذ هي ثانية اثنتين تبايعان خير الخلق، فيقول الحبيب صلى الله عليه وسلم “بايعتهما على ما بايعتكم عليه” هل بعد هذا الشرف شرف. لقد نفضت عنها تراب الوأد في مجتمع الجاهلية لترتدي لباس الإسلام لباس الكرامة فتصبح ذات شأن عظيم. لم يكن حضورها خاصا بها وإنما ممثلة لمن وراءها من النساء وتأكيدا على دورهن في بناء المجتمع. حضرت البيعة لتسمع القاصي والداني وعلى مر العصور أن المرأة شأنها شأن الرجل، يشملها ما يشمله في إطار شرع الله، إذ لا فرق بينهما، فالمرأة شقيقة الرجل، يقول الله عز وجل “والمومنون والمومنات بعـضهم أولياء بعض. يامرون بالمعـروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله، إنّ الله عزيز حكيم”.[8]
وفي قوله عليه الصلاة والسلام “إني لا أصافح النساء”، استعمل “لا” ليس تنقيصا من شأن المرأة أو تحقيرا أو إهانة لها ولكن حفاظا عليها تقية نقية، عليها ما عليها من الهيبة والوقار، فتقول أمنا عائشة رضي الله عنها ” لَا واللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ في المُبَايَعَةِ، ما يُبَايِعُهُنَّ إلَّا بقَوْلِهِ: قدْ بَايَعْتُكِ علَى ذَلِك”.[9]
رفقاء الجنة :
هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فكانت بعد ذلك أول غزوة في الإسلام غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة أحد وما أدراك ما غزوة أحد. لقد كان لأم عمارة فيها موقف مشهود حيث إنها خرجت مع المسلمين تحمل سقاءها لتروي عطش المجاهدين في سبيل الله ومعها لفائفها لتضمض جراحهم وقد حضر معها زوجها وولداها حبيب وعبد الله، تتابع وقائع ما يجري عن كثب، ولما رأت كيف تحول نصر المسلمين إلى هزيمة بعد أن ترك الرماة مواقعهم وأخذ القتال يشتد على المسلمين وتفرقت صفوفهم، فما بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليل.
تقول رضي الله عنها فملت أنا وابني وزوجي وأحطنا به صلى الله عليه وسلم إحاطة السوار بالمعصم، جعلنا نذوذ عنه بما نملك من قوة وسلاح، ورآني صلى الله عليه وسلم ولا ترس معي أقي به نفسي من ضربات المشركين فأبصر موليا هاربا فقال له : “إلق ترسك إلى من يقاتل ” فألقاه ، فأخذته وجعلت أتترس به عنه، وما زلت أضارب عنه بالسيف وأرم دونه بالقوس حتى أعجزتني الجراح، وفيما نحن كذلك أقبل ابن قميئة يصيح قائلا: أين محمدا؟ دلوني عليه، لا نجوت إن نجى، فاعترضت سبيله أنا ومصعب بن عمير فصرع مصعبا رضي الله عنه بسيفه، ثم ضربني ضربة خلفت في عاتقي جرحا غائرا.وأكملت رضي الله عنها : فيما كان ابني يناضل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربه أحد المشركين ضربة كادت تقطع عضده ، فأقبلت عليه فضمدت جرحه الغائر، وقلت له: انهض بني وجالد القوم .فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ثم أقبل ضارب ابني فناداني عليه الصلاة والسلام:” هذا ضارب ابنك يا أم عمارة فاعترضت سبيله وضربته فسقط صريعا على الأرض، فالتفت إلي عليه الصلاة والسلام وقال “لقد اقتصصت منه يا أم عمارة، والحمد لله الذي أظفرك به وأراك ثأرك بعينك” .نظر عليه الصلاة والسلام إلى جرحها وهو يتصبب منه الدم فقال لابنها ” أمك أمك اعصب جرحها ، بارك الله عليكم أهل بيت.لمقام أمك خير من مقام فلان وفلان فالتفتت إليه أمي وقالت ادع لنا أن نرافقك في الجنة يا رسول الله، فقال:’اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة. فقالت رضي الله عنها ” ما أبالي بعد ذلك ما أصابني في الدنيا.
يروي عمر بن الخطاب أن الرسول الأكرم عاد من أحد وهو يقول “ما التفت يوم أحد يمينا ولا شمالا إلا ورأيت أم عمارة تقاتل دوني”
ولم يكن ابن أم عمارة أقل من أمه وأبيه شجاعة ولا أقل منها تضحية ولا فداء، فلقد أحسنا تربيته وهو صورة صادقة عنهما.
قد يقول قائل أين كان رسول الله ساعة كانت أم عمارة وسط المعركة وباقي المجاهدين يقول ابن هشام: عن أبي سعيد الخدري: أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، فكسر رباعيته، وجرحت شفته السفلى ، شج في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر وجنته ، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون، وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ، ومص مالك بن سنان ، أبو أبي سعيد الخدري الدم: عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ازدرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مس دمي دمه لم تصبه النار.
معركة اليمامة:
لقد وقع اختيار النبي صلى الله عليه وسلم على حبيب ابن أم عمارة ليكون أحد رسوليه إلى مسيلمة الكذاب وكان أصغر ولديها من زوجها الأول كان قوي الإيمان ثابت الجنان حبيبا إلى قلب أمه، أدى الأمانة وبلغ الرسالة. فاغتاظ مدعي النبوة من رسالة رسول الله فقطع أطرافه حتى لفظ أنفاسه. وصل خبراستشهاده رضي الله عنه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعزيانها فكان ردها كما عُرفت صابرة محتسبة: “لمثل هذا أعددته وعند الله احتسبته”.
أصبحت أم عمارة امرأة مسنة، وهن العظم منها، واشتعل الرأس شيبا.لكن قلبها لا زال يحمل إيمانا قويا، و لم تضعف عزيمتها.
استأذنت أم عمارة رضي الله عنها من أبي بكر الصديق رضي الله عنه ـ الذي كان خليفة للمسلمين ـ بعد وفاته صلى الله عليه وسلم للخروج مع من خرج لقتال مسيلمة الكذاب في حروب الردة، فأذن لها بعد أن أوصى خالد بن الوليد رضي الله عنه بها، قطعت يدها، ولكنها لم تكترث لما أصابها، وعندما قتل مسيلمةَ الكذاب… سجدت لله شكرًا أن خلّصهم من مسيلمة وكفره وكذبه، وعلى انتهاء هذه الفتنة العظيمة.
وفاتها رضي الله عنها :
ظلت هذه الصحابية الجليلة تحظى بالمكانة اللائقة في حياة الخلفاء الراشدين، فكان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يأتيها ويسأل عنها، وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه .وتشير الدلائل إلى أن وفاة أم عمارة رضي الله عنها كانت في مطلع خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الثالثة عشرة للهجرة، بعد أن عاشت حياةً معطاءة حافلة بالتضحيات لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وبعد أن نالت شرف مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، فمن مروياتها ما أخرجه لها أبو نعيم في “الحلية” والترمذي: أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيهَا فقَدَّمتْ إِليهِ طَعامًا فَقَالَ: كُلِي، فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الصَّائمَ تُصَلِّي عَلَيهِ الملائِكَةُ إِذَا أُكِلَ عِندَهُ حتَّى يَفرُغُوا، ورُبَّمَا قَالَ حتَّى يَشبَعُوا”. أخرجه أحمد وابن ماجة وهو حديث حسن صحيح .
نسأل الله أن يجمعنا بها في الجنة مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
[1] أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء
2 رواه النسائي وابن ماجة وصححه الألباني
[3] صفوة الصفوة 2/34
[4] الطبقات الكبرى 3/518
[5] ابن سعد من طريق الواقدي
[6] عن جابر بن عبد الله إسناده صحيح على شرط مسلم
[7] رواه النسائي وابن ماجة وصححه الألباني. ذكره ابن حجر في الإصابة.
[8] الآية 71، التوبة.
[9] الصحيحان البخاري ومسلم .