خواطر على هامش النقاش الدائر حول تعديل قوانين مدونة الأسرة
خواطر على هامش النقاش الدائر حول تعديل قوانين مدونة الأسرة/ ذ. عبد الله وخلفن
خواطر على هامش النقاش الدائر حول تعديل قوانين مدونة الأسرة
ذ. عبد الله وخلفن
كثر الكلام في الآونة الأخيرة -من جهات متعددة – عن تعديل مدونة الأسرة، إلى درجة أن المتتبع لمايقال و ينشر قد يعتقد أنها من المشاكل الملحة التي تستوجب العجلة والسرعة من أجل التخفيف من حدة المشكلة، هكذا يظهر للمتتبع البسيط، لكن عند التحقيق والتمحيص تتغير الانطباعات وتنكشف الحقائق لكل من يستعمل العقل ويتجرد من الخلفيات، يدرك أن هناك عوامل أخرى ضاغطة وسياقات تدفع في هذا الاتجاه، لايهمها مصلحة الأسرة بل بالعكس تسعى لتفكيكها، وسندرك ذلك بعد حين.
أما الآن فلنعد إلى الموضوع ونتساءل: ما طبيعة المشاكل التي تعاني منها الأسرة المغربية؟ هل هي مشاكل ناتجة عن القوانين المنظمة للأسرة؟ ام هي التطبيقات العملية الناتجة عن الممارسات المنحرفة الموروثة داخل السياق الأسري الذي يعج بتقاليد وأعراف يرثها الخلف عن السلف؟ أم هي مشاكل اقتصادية تحد من رغبات الأسرة وحاجاتها مما يجعل الطموحات دون الإمكانيات؟. ثم إن الإصلاح حق طبيعي لانجادل في ذلك، لأن الإنسان في تطور مستمر، فهو ملزم بالمواكبة والتكييف والمسايرة حتى لايتأخر عن الركب، وخارطة طريق الإصلاح تستلزم بيان مجموعة من النقاط للرأي العام منها: ماهي دواعي الإصلاح أولا؟ وما مرجعياته ثانيا؟ وما هي أهداف ذلك الإصلاح المرتقب؟ ومن هم المؤهلون لهذه المهمة الوطنية الخطرة؟ ذلك أن الشعوب العربية خسرت رهانات التنمية إن على المستوى الإقتصادي أو الصناعي أو التربوي أو الفني أو السياسي وغيرها من المجالات، فلم يعد لهويتها تواجد في هذه المجالات، والمعقل الأخير الذي بقي فيها لهويتها وجود هو معقل الأسرة، ولذلك تصوب إليه السهام من الأعداء لإفراغه من خصوصياته.
دواعي الإصلاح :
لا شك أن الإصلاح محمود ومطلوب، لأن المجتمع يعرف دينامية وحيوية تحتاج إلى المواكبة كما قلنا، وغياب الإصلاح لا يعني إلا الركود والجمود وفقدان الصلاحية، وقد مر على الإصلاح السابق حوالي 20 سنة، ولا شك ان ثغرات ظهرت تحتاج إلى تقييم فتقويم، ومما يمكن أن ينتج عن هذا التطور الطبيعي في المجتمع ما يلي:
- فراغ تشريعي: نتيجة ما استجد من الأحوال والأوضاع بحيث يلاحظ المتتبع أن القوانين الموجودة لا تغطي ما استجد من الحالات.
- خلل في الفهم: نتيجة التأويلات المختلفة بسبب لغة النص الظنية والغيرالمنضبطة.
- ظلم ملحوظ لأحد الأطراف المكونة للأسرة: الآباء والأمهات والأطفال.
- تطوير مطلوب لمسايرة تطور المجتمع.
هذه بعض الأسباب وليست كلها، وبالنظر إلى واقعنا المغربي وواقع قضاء الأسرة، يخلص إلى نتيجة هي ضرورة إجراء الإصلاح فعلا، لأن جل الأسباب المذكورة حاصلة في الواقع، لكن دون استعجال أو ارتجال لأن الأمر جلل، وفيما يلي أمثلة لبعض الظواهر الغير الصحية التي تستلزم الإصلاح.
أولها: نسبة الطلاق المهولة التي تعج بها محاكم قضاء الأسرة، وما ينتج عنها من نزاعات أمام القضاء لا تشرِّف المغرب والمغاربة، مما يستوجب البحث عن الأسباب واستخلاص الدروس والعبر لمعالجة هاته الظاهرة بالتخفيف منها قدر المستطاع.
ثانيها: العزوف عن الزواج ونسبة العنوسة في المجتمع، فهي ظاهرة ليست صحية في المجتمع الإسلامي، وقد يعتبرها البعض ممن لا يهمهم أمر هذا لدين مسألة عادية ناتجة عن تطور المجتمع وارتفاع نسبة المتعلمين فيه ممن تأثروا بالمحيط الدولي الذي يسعى لرفع القيود عن تلبية الغرائز الجنسية بين أفراده، ولا يتحرجون من ذلك، ولكن بالنسبة للمجتمع المسلم هذا ناقوس خطر ينبئ عن الاتجاه نحو الرذيلة والانحلال الخلقي.
ثالثها: نسبة النساء العاملات، أعني المتزوجات، وهذا يفرض استحضار هذا المعطى وتقنينه من بداية المشوار، فمن الأزواج من يقف ضد عمل المرأة، ومن النساء من يرفضن أية وصاية من الأزواج ويمتنعن عن أداء مهامهن داخل البيت، كما أن منهن من لا يساهمن في نفقات الأسرة بالقسط المطلوب في متطلبات البيت بحجة أن ذلك من اختصاص الزوج، كما أن هذه الوضعية تلقي بظلالها على حضانة الأولاد ونفقاتهم في حالتي الزواج والطلاق معاّ. وهذا يتطلب استدعاء باب الكد والسعاية من الفقه الإسلامي وتطويره ليتناسب وحاجات الواقع، لو لم يكن غير هاته الظواهر لوجب الإصلاح، فكيف وقد ظهرت اختلالات كثيرة، ليس على مستوى النصوص فحسب، ولكن على مستوى التطبيق والممارسة الميدانية أيضا.
مرجعيات الإصلاح:
في الفقرة السابقة خلصنا إلى ضرورة إصلاح المدونة بناء على عوامل متعددة، وعلى اختلالات ملحوظة، ولكن ما هي المرجعية التي ستعتمد من أجل تنفيذ الإصلاح حتى يلبي حاجات الناس ؟، فالإصلاح يجب أن ينطلق من حاجات الناس وظروفهم وقناعاتهم، فلا يمكن أن نستورده من بيئة أخرى لنطبقه في بيئتنا إن أردنا إصلاحا حقيقيا. ومعلوم أن أهم المرجعيات التي يتحدث عنها الناس هي المرجعية الدينية أو المرجعية الحقوقية، فما طبيعة كل مرجعية من هاتين المرجعيتين ومن يتبناهما؟ وإلى أين ستفضي؟
المرجعية الدينية: وهي مستمدة من نصوص القرآن والسنة باعتبارهما المرجعية العليا للشريعة الإسلامية، ثم بعد ذلك من اجتهادات الفقهاء المستنبطة من نصوص الوحي بشقيه، مسترشدة بمقاصد الشرع التي اهتدى إليها العقل الفقهي المتتلمذ على الوحي، وهذه المرجعية هي التي تأسست عليها المدونة منذ ظهورها بل حتى قبل ظهورها، فقد جرى العمل بمبادئ الشريعة، منذ أن اختار المغاربة الانتماء إلى هذا الدين قبل قرون خلت، فصار ذلك جزء لا يتجزأ من شخصيتهم وتدينهم، فليس الالتزام والخضوع لهذه المرجعية من باب الصدفة أو من باب الخِيَرَة من الأمر، بقدر ما هو خيار عقدي ملزم لكل من انتمى إلى هذا الدين انتماء صادقا، لأنهم يتعبدون الله بذلك. على رأس هذا الاتجاه الإسلاميون وغيرهم من المتدينين في المجتمع.
المرجعية الحقوقية : في الآونة الأخيرة بدأت الأصوات ترتفع إلى حد الصراخ، من أجل اعتماد المرجعية الحقوقية لإصلاح المدونة، باعتبارها مرجعية كونية وعالمية التي يجب أن تسمو فوق كل التشريعات والقوانين الوطنية، لأنها عصارة ما توصل إليه العقل البشري المتجرد من كل الضغوطات الأخلاقية والدينية والموروثات البالية، فهي الملجأ لكل المظلومين والمنجى من كل الممارسات الإكراهية، حسب المناصرين لهذا المنحى الحداثي، تتذرع هذه الفئة بمصادقة الدولة المغربية على الاتفاقيات والمعاهدات التي تخدم هذه الأهداف، خاصة اتفاقية “سيداو”[1]التي تتناقض في جل بنودها مع الشرع الإسلامي، فرغم أن المغرب تحفظ على بعض البنود، إلا أن ضغوطات دولية تمارس عليه لرفع التحفظات، ولعل هذا الإصلاح يأتي في هذا السياق من أجل تلبية ما يمكن تلبيته إلى حين الوصول لرفع كل التحفظات. ويتزعم هذا الفريق العلمانيون وعلى رأسهم الحركة النسوية الراديكالية التي تستقوي بالمنظمات الدولية التي تسعى لتمكينها من كل الحقوق مهما تناقضت مع ما درج عليه الناس في المغرب منذ قرون من الزمن.
أهداف الإصلاح:
لاشك أن الأهداف من الإصلاح هو سد النقص الحاصل في النصوص القانونية وعلاج الخلل الناتج عن الممارسات التطبيقية والتأويلات الخاطئة، إلى هنا يتفق الجميع الكل يريد الإصلاح، ولكن ما نوع الإصلاح المراد تحقيقه؟ وإلى أي اتجاه يتجه؟ وما هي النتائج التي يسعى لتحقيقها؟ هنا يكمن الخلاف بين الفريقين إلى حد التناقض، وحق لنا أن نتساءل ما هي أهداف كل فريق من هذا الإصلاح المرتقب للمدونة؟
فالفريق الأول يسعى إلى تقوية مؤسسة الأسرة باعتباها النواة الأولى للمجتمع، فهي الحجر الأساس لصلاح المجتمع، وهي المحضن الأول والخزان الاجتماعي للأخلاق النبيلة، والحصن الحصين للحفاظ على
النوع الإنساني، فهي القاطرة التي تربط بين الماضي والمستقبل، ولأجل هذا جاء الإسلام بتشريعات تهم تنظيم الأسرة التي تحرض على الزواج وتكثير النسل وتحقيق الإحصان والعفاف،والحفاظ على النسب، وسَمَّى العَقد الذي يربط بين الزوجين “الميثاق الغليظ”، يسعى من وراء ذلك كله إلى نشر المودة والرحمة بين الزوجين، وإسعادهما في الدنيا وفي الآخرة، إلى غير ذلك من الأهداف.
أما الفريق الثاني الموصوف بالحداثي فلا تهمه هذه الأهداف بالمرة، ولكن هدفه السعي لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة وتحقيق استقلالية المرأة ماديا ومعنويا من الرجل ورفع الظلم والحيف عنها من أي كان بسبب الجنس أو النوع أو الدين، وذلك باعتماد المواثيق الدولية ذات الصلة، لأنها تحقق المساواة المطلوبة في نظرهم، وعند العودة إلى بنود تلك المواثيق، وعلى رأسها اتفاقية سيداو ووثيقة القاهرة، نجد منطوقها ودلالاتها المختلفة تسعى لتفكيك الأسرة بالمفهوم المتعارف عليه للأسرة التي تنشأ من عقد بين رجل وامرأة، فلا يهم تلك المواثيق الزواج الشرعي وما ينتج عنه من أولاد، فابن الزنا وابن التبني والإبن الشرعي كلهم في درجة واحدة، وأحيل القارئ الكريم إلى كتاب مهم يبين حقيقة المواثيق الدولية الصادرة من الأمم المتحدة : و هو: ” المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة”[2]، للكاتبة اللبنانية : الدكتورة كاميليا حلمي محمد، كتاب يزيل الغشاوة عن الأفهام ويكشف الحقيقة عن ما يخطط للأسرة، فعلى سبيل لمثال فإن وثيقة القاهرة”[3]، تدعو الحكومات إلى تغيير هياكل الأسرة في بنود متعددة، فهي تعرف الأسرة على أنها :” مجموعة من الأشخاص ذوي الصلة بدرجة معينة عن طريق الدم أو التبني أو الزواج”، وينتج عن ذلك ظهور أنواع من الأسر وعلاقاتها المختلفة، مثل : علاقات التعايش، الأسر ذات الجنس الواحد، الأسر وحيدة الوالد، الأسر العائلية، وبذلك يفسح المجال لكل أشكال العلاقات الشاذة،، فلم تعد الأسرة ترتبط بزواج شرعي بين رجل وامرأة ولكن أيضا بين رجل ورجل أو امرأة وامرأة، وبذلك يتم التشريع من أعلى المؤسسات الدولية للمثلية الجنسية، كما تم التأكيد على شرعنة العلاقات الرضائية ابتداء من 14 سنة، مقابل عدم الاعتراف بالزواج الشرعي وما ينتج عنه قبل 18 سنة، هذا هو ما يطمح إليه الحداثيون في إصلاحهم للمدونة. إنه التخريب والهدم للفضيلة وإشاعة الفواحش وتقنينها من أعلى سلطة دولية، ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل ظهرت نتيجة هذا التفسخ والمسخ، شرعنة الحق في تغيير الجنس من ذكر إلى أنثى أو العكس وظهور كائن اجتماعي جديد وفق ما يصطلح عليه بالجندر بناء على حرية الاختيار،وأكثر من ذلك ظهر من يعلن التزاوج مع الحيوانات أعزكم الله. إلى هذا المستنقع يجرنا إليه الحداثيون نسال الله اللطف.
لجنة الإصلاح
هو الجهاز المكلف بالإصلاح، يتم انتقاء أعضائه حسب معايير محددة تتناسب ونوع الإصلاح الذي نريد، إنهم كفاءات وطنية برهنوا من خلال تجربتهم على الولاء لمصلحة الوطن وثوابته، فليس من المنطق في شيء اختيار كفاءات لا علاقة لها بالموضوع، أو هي تغرد خارج السرب، فالتخصص مطلوب على وجه الإلزام، وعدم مخالفة التوجه العام مطلوب أيضا من أجل الوصول إلى قوانين مناسبة للإشكالات المطروحة وفق مرجعية المغاربة، وعلى رأس المعنيين بذلك علماء الشريعة الذين لهم دراية وخبرة في الموضوع، يساعدهم في وضع القوانين أهل التخصصات الأخرى كل في مجاله، وبذلك يحصل التكامل والتوافق، أما عندما يُستدعى لهذه المهمة من ليست له علاقة بالموضوع، أوممن يعلنون معارضتهم لكل ما هو ديني، فلا ننتظر إلا الكوارث لا قدر الله، وقد يقول قائل إن الإنصاف يقتضي إشراك الجميع وتجنب الإقصاء، ونحن نقول له إن الجميع متفق عل الاحتكام إلى مبادئ الديمقراطية التي من مسلماتها القبول بحكم الأغلبية، فغالبية الشعب المغربي يدينون بدين الإسلام ولا يرضون غيره حكَماً، فإن شككتم في هذا فلنحتكم إلى آلية ديموقراطية أخرى هي الاستفتاء، وهو الكلمة الفصل عند التنازع بين أبناء الوطن الواحد، من هنا نقول إن كل إصلاح غير مؤطر بمبادئ الإسلام فلن يكون له القبول ولن يكون من نصيبه إلا الفشل، وبه الإعلام.
في الختام:
مرحبا بالإصلاح الذي يتقدم بنا إلى الأمام ويحافظ على بشريتنا وفطرتنا التي فطر الله الناس عليها، ويسعى لتقوية الأسر وتحصينها من كل الشوائب والنقائص، ونشرالعدل والمودة والرحمة بين أفراد الأسرة، فالأسر هي اللبنات الأساسية للمجتمع، بصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد. وحذار حذار أن يتحول الإصلاح إلى الإفساد، بالسقوط في هذا المستنقع الآسن الذي يهبط بنا من الآدمية إلى الدوابية، وبسعيه الحثيث نحو تفكيك الأسر على غرار ما وقع في الغرب الصليبي، وأغلب الدعاة إلى” الإصلاح ” بهذا الشكل ممن لم يستطيعوا الوصول إلى تكوين الأسر أصلاً، أو أنهم من الفاشلين في المحافظة عليها بعد تأسيسها، يتزعم هذا الفريق الحركات النسوية الناقمة على المجتمع لعجزها في الوصول إلى رغباتها بسهولة، بإزالة كل القيود التي تكبلها دون تلبية رغباتها الشاذة، فهي تعمل باستمرار على شرعنة هاته العلاقات الشاذة وتنزيل كل البنود التي تزيل الخطوط الحمراء، وتعميم حكم المباح على كافة العلاقات الجنسية إلى غير رجعة، إن تمت الاستجابة لمطالبها لاقدر الله.
(1) هي اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ” التي اعتمدتها الأمم المتحدة في العام 1979 ومن أخطر بنودها إعطاء المرأة حق التصرف في جسدها والتحكم في الإنجاب والحق في الإجهاض وإلغاء العدة ثم المساواة في الميراث.
[2]) كتاب “الموثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة”، للكاتبة اللبنانية الدكتورة كامليا حلمي محمد، وهو عبارة عن رسالة دكتورة استمدت معلوماتها من تجربتها وعملها في مكاتب الأمم المتحدة تنقلت إلى مقر إلأمم المتحدة عدة مرات، وخلصت إلى هذا البحث المتميز معززا بالوثائق والبراهين.
[3] ) إشارة إلى ” المؤتمر الدولي للسكان واتنمية بالقاهرة 1994، ومن توصياته وثيقة القاهرة إباحة الإجهاض والتشجيع على العلاقات الجنسية وعدم تجريمها ورفع كل القيود عنهاإلخ.