لِسَانُ الْوَحْي (قصيدة)
للشاعر الدكتور الصادق الرمبوق
لِسَانُ الضَّادِ أَسْنَحُ لِلْوِصَالِ
وَأَمْكَنُ لِلْمُحِبِّ مِنَ النَّوَالِ
وَفِي كَلِمِ السَّمَاءِ عَلَيْهِ سِيمَا
نَبِيٍّ أَوْ مَلاَكٍ مِنْ جَمَالِ
يَفِيضُ بِسَطْوَةِ الْقَيُّومِ حَتَّى
تَذُوبُ الرُّوحُ مِنْ رَهَبِ الْجَلاَلِ
وَمَا لَفْظٌ بِأَقْدَرَ مِنْهُ حَمْلاً
لِنُورِ الْحَقِّ فِي مَتْنِ الْمَقَالِ
خِطَابُ اللهِ قُدُّوسٌ فَأَنَّى
يُبَاشِرُ نَاقِصٌ فَحْوَى الْكَمَالِ؟
تَجَلَّى الْمُطْلَقُ الْبَارِي كَلاَماً
فَأَجْدَرُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مِثَالِ
وَأَحْرَى أَنْ يَجِيءَ الضَّادُ أَحْلَى
وَأَمْكَنَ فِي الْعُذُوبَةِ مِنْ زُلاَلِ
عَلَى عَيْنِ السَّمَاءِ أَصَابَ مَا لَمْ
يُصِبْهُ لِسَانُ مَنْ نَطَقُوا بِحَالِ
تَهَيَّأَتِ الْبَلاَغَةُ فِيهِ كَيْمَا
يُطِيقَ رِسَالَةً فَوْقَ اللَّآلِي
وَنَالَ بَيَانُهُ فِي السَّبْكِ حَظّاً
لِيَسْطِيعَ النَّفِيسَ مِنَ الْمَعَالِي
وَهُذِّبَتِ الْفَصَاحَةُ مِنْهُ صَقْلاً
فَحُلِّيَ بِالْجَزَالَةِ فِي الصِّقَالِ
تَبَوَّأَ فِي ذُرَى الْإِعْرَابِ شَأْواً
أَفَادَ لَهُ السَّنِيَّ مِنَ الْخِلاَلِ
يُصَوِّرُ قُدْرَةَ الْقَهَّارِ بَطْشاً
تَخِرُّ لِهَوْلِهِ شُمُّ الْجِبَالِ
وَيَبْسُطُ رَأْفَةَ الرَّحْمَنِ جُوداً
فَيَسْجُدُ سَامِعٌ شُكْراً وَتَالِ
عَشِقْتُكَ يَا لِسَانَ الْوَحْيِ عِشْقاً
تَعَدَّى حَدَّ قَصْدٍ وَاعْتِدَالِ
وَمِنْ أَيْنَ التَّوَسُّطُ فِي لِسَانٍ
سَبَا لُبِّي وَشَكَّلَ مُخَّ بَالِي؟
يُقَرِّبُ غَيْبَ آخِرَةٍ بِوَصْفٍ
يَرَى فِيهِ النُّهَى حَقَّ الْمَآلِ
وَيُوقِظُ فِطْرَةً غَفَلَتْ فَتَصْحُو
عَلَى زَجْرِ الْمُذَكِّرِ بِالزَّوَالِ
كَأَنَّ الْبَعْثَ رَأْيَ الْعَيْنِ يَبْدُو
حَقِيقاً لَيْسَ رَجْماً بِالْخَيَالِ
تَفَرَّدَ بِالْمَلاَحَةِ فِي اشْتِقَاقٍ
وَتَصْوِيرِ الدَّقِيقِ مِنَ الْخِصَالِ
وَفِي التَّوْلِيدِ بَحْرٌ مُسْبَطِرٌّ
وَأَوْحَدُ لاَ يُجَارَى فِي النِّزَالِ
وَيُخْرِسُ أَلْسُنَ الدُّنْيَا بِسَبْرٍ
يُطَرِّزُ فِيهِ أَغْوَارَ الْخِلاَلِ
وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْ حُبٍّ وَبُغْضٍ
وَوِجْدَانٍ أَدَقَّ مِنَ الْهِلاَلِ
يَكُونُ مِنَ الدَّلاَلَةِ مُنْتَهَاهَا
وَأَنْفَذَ لِلْمَعَانِي مِنْ نِبَالِ
يَصُوغُ الْحَالَ فِي نَسَقٍ قَشِيبٍ
كَوَشْيِ الْهُدْبِ فِي عَيْنَيْ غَزَالِ
وَيَنْشَرِحُ الْأَدِيبُ إِلَى فَسِيحٍ
وَرِيفِ الدَّوْحِ مَمْدُودِ الظِّلاَلِ
فَيَا للهِ لَفْظٌ جَلَّ عَنْ أَنْ
يُعَارَضَ مِنْ تُرَابٍ بِالْمُحَالِ
وَإِنَّ اللَّفْظَ مُعْجِزَةٌ تَسَامَتْ
بِآيِ الذِّكْرِ عَنْ دَرَكِ السِّجَالِ
لِسَانُ الضَّادِ مَحْفُوظٌ وَبَاقٍ
بِحِفْظِ الذِّكْرِ فِي ذِمَمِ الرِّجَالِ
تَصَاغَرَ مَنْ يُطَاوِلُ مِنْهُ حَرْفاً
وَفَازَ مِنَ الْجَرَاءَةِ بِالْكَلاَلِ
رَحِيقُ الضَّادِ حَلَّى ذَوْقَ قَوْمٍ
وَضَمَّخَهُمْ بِآدَابٍ عَوَالِ
وَعَطَّلَ عِنْدَ مَنْ عَادَوْهُ طَعْماً
وَأَسْلَمَهُمْ إِلَى نَزَقِ الْخَبَالِ
وَمَنْ لَمْ يَشْرَبُوا الْعَسَلَ الْمُصَفَّى
أُصِيبُوا بِالتَّنَحْنُحِ وَالسُّعَالِ
أَيَا لُغَةَ الْجَمَالِ أَسَرْتِ سِرِّي
بِمَعْسُولِ الشَّمَائِلِ وَالدَّلاَلِ
فَإِنْ عَنْ حُسْنِ دَلِّكِ يَسْلُ غِرٌّ
فَلَسْتُ إِلَى شَفَا قَبْرِي بِسَالِ
وَإِنْ يَهْجُرْكِ كُلُّ الْخَلْقِ طُرّاً
فَمَا لِي عَنْ هَوَاكِ مِنِ انْتِقَالِ
سَيَمْضِي الْعُمْرُ لاَ حَوْلاَنِ مِنِّي
وَمَا لِي عَنْ لِسَانِي مِنْ فِصَالِ
فَعَوِّذْ أَعْجَمَ الْقَلْبِ الْمُسَجَّى
بِنَفْثَاتٍ مِنَ السِّحْرِ الْحَلاَلِ
وَقُلْ يَا حِقْدُ لاَ تُقْصِرْ عَدَاءً
وَأَوْغِلْ فِي أَفَانِينِ الضَّلاَلِ
فَإِنَّ الضَّادَ حَيٌّ فِي كِتَابٍ
وَآلُ كِتَابِنَا هُمْ خَيْرُ آلِ
سَيُسْعِفُنَا قَرِيباً فِي انْبِعَاثٍ
إِذَا نَشِطَ الْحُمَاةُ مِنَ الْعِقَالِ
وَمَا يُجْدِي لِسَانُ الْوَحْيِ فِي مَنْ
أَنَاخُوا فِي كُسَاحٍ وَاعْتِلاَلِ
وَيَهْمِي وَابِلاً إِنْ هُمْ أَفَاقُوا
وَمَنْسُوبُ الْحَضَارَةِ فِي اقْتِبَالِ
إِذَا الْعَرَبِيَّةُ الْغَنَّاءُ تَاهَتْ
عَلَى وَقْعِ التَّغَنِّي فِي احْتِفَالِي
فَمَا قَوْمِيَّةَ الْأَقْزَامِ أَشْدُو
وَأَنْتَبِذُ الْعُرُوبَةَ فِي التَّعَالِي
وَمَا بِسِوَى لِسَانِ الْوَحْيِ فَخْرِي
وَمَا لِسِوَاهُ فِي الطَّلَبِ ارْتِحَالِي
إِلَى لُغَةِ الْخُلُودِ سَمَا وَلاَئِي
وَإِقْبَالِي وَشَدْوِي وَاشْتِغَالِي