منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سوء استعمال الجابري لدلالة السياق

سلسلة "القراءات المعاصرة للقرآن الكريم" مساءلة نقدية لمشروع الجابري

0

لقد أدرك علماء المسلمين القدامى مفهوم السياق بِمعناه الاصطلاحي، وقدَّموا أفكاراً وممارسات سياقية متميزة، أكَّدها البحث اللغوي وأثبت جدواها في التحليل اللغوي، وهذا يعني أنّهم سبقوا علماء اللغة المعاصرين الذين تُنسب إليهم نظرية السياق بأكثر من ألف سنة.

وذلك عكس ما ذهب إليه الجابري الذي اتهم المفسرين بإهمال السياق منشغلين » باستقصاء معاني الألفاظ، كما يفعل أصحاب المعاجم، وذكر جميع التأويلات والافتراضات، دع عنك الميول المذهبية العقدية، كل ذلك يصرفهم، في معظم الأحوال، عن التركيز على فهم الألفاظ والعبارات داخل سياق السورة المدروسة « [1]، إن مصطلح السياق من وجهة نظر الدراسات اللغوية الحديثة يشمل السياق اللغوي والحالي أو كلّ ما يحيط باللفظ أو النص من ملابسات لفظية وغير لفظية، ويقابل هذا المفهوم مصطلحات مختلفة عند علماء المسلمين إذ استعملوا مصطلح السياق ودلالة السياق والدلالة السياقية وسياق الكلام وقرينة السياق، والمعنى الشائع للسياق والذي يرتكز على أساسين اثنين هما:

الأول: سياق المقال. والثاني: سياق المقام (الحال).

فهما يمثلان الإطار العام للسياق، ويندرج تحتهما أنواع السياق الأخرى.

ومما يجدر الانتباه إليه أنه قد يُعبر عن السياق بألفاظ أخرى، مثل: ظاهر الحديث، مقتضى الكلام، فحوى الكلام، المعنى العام، القرينة، ونحو هذه المصطلحات التي يكون الاعتماد فيها على معنى النص.

وفي السياق القرآني يُعبر عن السياق بـ”نظم الآية، نسق الآية، روح الآية، ظاهر الآية، ملائمة الكلام، مقتضى الكلام، فحوى الكلام، الإطار العام، الجو العام، المعنى العام، القرينة ، المقام، ونحوها ويقصدون بذلك السياق اللغوي. واستعملوا مصطلح المقام والحال ومقتضى الحال والقرائن غير اللفظية، وأرادوا به سياق الحال، أي: حال المتكلم والمخاطَب وموضوع الخطاب ومكان حدوثه وزمانه والمناسبة التي قيل فيها.

ودلالة السياق قرينة يُستعان بها على الفهم، وهذه القرينة تكون تارة ظاهرة تُدرك من غير فكر وروية، وتارة تكون خفية لا تدرك إلا بمزيد نظر وتأمل، وآلتها إشراق العبارة وجمالها في الإفصاح عن المراد.

وهذه الدلالة وليدة النظر، وحسن الذوق، فلا يطلب عليها دليل، قال الإمام ابن دقيق العيد– رحمه الله تعالى – :”ودلالة السياق لا يقام عليها دليل، وكذلك لو فهم المقصود من الكلام وطولب بالدليل عليه لعسر؛ فالناظر يرجع إلى ذوقه، والمناظر يرجع إلى دينه وإنصافه”[2].

وللسياق نوعان رئيسان:

الأول: سياق المقال، هو السياق اللغوي الداخلي الذي ينتج عن ترابط الأصوات فيما بينها لتوليد الكلمات، والكلمات فيما بينها لتشكيل الجمل، والجمل فيما بينها لتشكيل النص.

فالقرائن المعتبرة لمعرفة دلالة سياق المقال، راجعة إلى النظم، والتراكيب النحوية، مع اعتبار قواعد دلالات الألفاظ، فالباحث في دلالة سياق المقال، يحتاج إلى التمكن من تلك الأدوات، ومن هنا تفاوت الباحثون في هذا المجال بسبب تفاوتهم في امتلاك تلك الأدوات، وتمكنهم من تطبقيها أثناء النظر في النصوص الشرعية.

الثاني: سياق المقام: وهو يمثل البيئة التفاعلية بين المتحدث والمخاطب، وما بينهما من عرفٍ سائد يحدد مدلولات الكلام، وذلك أن تداول الخطاب يجري في سياق ثقافي واجتماعي بين المتحدث والمخاطب، وليس لفظاً مجرداً عن محيطه الذي يجري فيه.

فمعرفة قصد المتحدث وحال المخاطب من وسائل فهم سياق المقام، فقد يجتمع نصان متفقان في ظاهرهما في المعنى، ولكنهما مختلفان في الدلالة تبعاً لقصد المتحدث، أو حال المخاطب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً موضحاً أثر هذين الأمرين، وأن كل لفظ فهو:”مقيد مقرون بغيره، ومتكلم قد عرفت عادته، ومستمع قد عرف عادة المتكلم بذلك اللفظ، فهذه القيود لا بد منه في كل كلام يفهم معناه، فلا يكون اللفظ مطلقا”[3].  ولابد من الإشارة إلى أنَّ الأطراف المؤثرة في دلالة السياق:”قصد المتحدث، حال المخاطب، البيئة المحيطة بهما” هي أيضاً تتأثر بمعرفة السياق. بمعنى أننا نهتدي إلى هذه المعاني من خلال دلالة السياق، ونهتدي من خلال دلالة السياق إليها.

وهذان النوعان من السياق ليسا منفصلين عن بعضهما، بل كل منهما يكمل الآخر، ولابد منهما عند التعامل مع النصوص الشرعية ليتكامل الفهم، فالاقتصار على السياق المقالي وحده، سيجعل النص بيئة مغلقة تقتصر على ما تفيده الألفاظ من دلالات ومعان، وتحرم الباحث من البيئة الخارجية المحيطة بالنص، والوقوف عند دلالة سياق المقام، تجعل الباحث يحوم حول حمى النص دون الولوج إليه. وهذا هو الذي وقع فيه الجابري حيث بالغ في استخدام دلالة السياق الحالية والمقالية وكأنه اكتشاف جديد لم يسبق إليه دون معرفة القواعد الأصولية المتصلة بدلالة السياق:” كالعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والإجمال والبيان ” زاعما أن » القرآن، ولو أنه نزل منجما مفرقا حسب مقتضى، فإن لآياته سياقا، كما أن لها أسباب نزول. والعمل بأسباب النزول يجب ألا يعتدي على السياق. فأسباب النزول، هي في نهاية الأمر روايات آحاد، وأكثرها ظنون وتخمينات. أما السياق، فشيء معطى من القرآن نفسه « [4]، وهكذا يتخلى الجابري طواعية عن أهمية أسباب النزول التي بنا عليها مشروعه كله لتصبح مجرد روايات آحاد، وأكثرها ظنون وتخمينات وبالتالي يجب أن لا يعتدي العمل بها على السياق الذي هو معطى من القرآن نفسه، فجاء بغرائب لم يسبق إليها، نذكر نماذج منها :

النموذج الأول : جاء في تعليق الجابري على قوله تعالى : » الْحَقُّ مِن رَّبـِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) الشاكين في نبوتك وما يوحى إليك ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ) لكل أهل دين قبلة يستقبلونها ( فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ ) سارعوا إلى التوجه إلى القبلة وإلى ما سيترتب عن ذلك من خيرات (  أَيْنَ مَا تَكُونُواْ ) أيها المسلمون ( يَاتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ) يجمعكم بالتوجه إلى الكعبة حين الصلاة والحج (  اِنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِير « [5]. هذا الفهم الذي أثبتناه هنا بنفس الشكل الذي صاغه به الجابري أردفه بتعليق آخر في الهامش جاء فيه : » يميل معظم المفسرين إلى القول ” يجمعكم الله يوم الحساب “. ونحن نرى أن السياق ليس سياق الكلام عن المعاد والقيامة، الخ. بل السياق هو التوجه إلى الكعبة، وبالتالي فالأولى أن يكون المعنى كما أثبتنا « [6] .

وهكذا يخطأ الجابري مرتين الأولى : عندما يقدم نفسه على أنه أحد كبار المجتهدين الذين لهم حق الاستقلال بالقول في التفسير ورد أقوال كبار المفسرين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة المسلمين مع عدم إلمامه بالحد الأدنى من علوم الدين.

والثاني : عندما يعتمد في الفهم السياق، والسياق وحده مع إغفال كل القواعد العلمية الأخرى مما أوقعه في جملة من المخالفات. فالتحذير الوارد في الآية مطلق غير مقيد، ولا دليل على أن المقصود التحذير من الشك في النبوة ولو صح زعم الجابري بأن التحذير متعلق بالشك في النبوة لكان تحذيرا للأمة وليس للنبي عليه السلام لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يستحيل أن يشك في نبوته وهو يوحى إليه، وقد مر في سورة يونس أنه عليه السلام بلغ من اليقين في صحة نبوته وما يوحى إليه مبلغا يجل عن الوصف، فحاله عليه السلام فوق الشك، فعن قتادة في قوله : فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” لا أشك ، ولا أسأل [7]“. والأولى حسب السياق الذي يحتج به الجابري أن يكون التحذير من الشك في صحة التوجه إلى القبلة الجديدة.

أما قوله تعالى  : “أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعاً ” ف » جملة في معنى العلة للأمر باستباق الخيرات ولذلك فصلت لأن العلة لا تعطف إذ هي بمنزلة المفعول لأجله ، والمعنى فاستبقوا إلى الخير لتكونوا مع الذين يأتي بهم الله للرفيق الحسن لأن الله يأتي بالناس جميعاً خيرهم وشرهم… بأن يكون المعنى تقبل الله أعمالكم في استباق الخيرات فإنه المهم، لا استقبال الجهات أو المعنى إنكم إنما تستقبلون ما يُذَكِّركم بالله فاسعوا في مرضاته بالخيرات يَعْلم الله ذلك من كل مكان، أو هو ترهيب أي في أيَّة جهة يأتي الله بكم فيثيب ويعاقِب، أوْ هو تحريض على المبادرة بالعمل الصالح أي فأنتم صائرون إلى الله من كل مكان فبادروا بالطاعة قبل الفوت بالموت ، إلى غير ذلك من الوجوه « [8]. وهكذا فالسياق لا يحسم المعنى كما يزعم الجابري بل هو قرينة يستعان بها على الفهم وقد ينتج السياق مفاهيم متعددة دون أن يكون أحدها أولى من الآخر، يبقى أن السياق هنا يحتمل أمورا متعددة ولكنه قطعا لا يحتمل ما ذهب إليه الجابري.

النموذج الثاني : في قوله تعالى : ” ) أيها اليهود ( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ ) لا التوبة ولا الجنة ( حَتَّىا تُنفِقُواْ ) هنا في الدنيا (  مِمَّا تُحِبُّونَ ) وأنتم لا تفعلون ذلك ( وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) أنتم تحرمون أطعمة وتنسبون هذا التحريم إلى التوراة ثم تتخذون ذلك ذريعة لعدم التصدق بها ، وهذا كذب في الحقيقة إن (  كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَآئِيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَىا نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَاتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) لنر هل حقا فيها تحريم ما تحرمون النفقة منه ( “[9]. وقد علق الجابري على هذه الآية في الهامش تعليقا مطولا حاول فيه إثبات وجهة نظره محتجا بقرينة السياق وحدها معرضا عن كل القرائن والأدلة الأخرى التي دفعت بكل المفسرين إلى الإجماع على أن هذه الآية متعلقة بالمسلمين وليس باليهود كما يزعم الجابري، حيث قال : » هذه الآية تطرح مشكل العلاقة بينها وبين ما سبقها وما تلاها. فما قبلها خطاب موجه إلى الكفار، وسياقه العام يتعلق باليهود…أما ما بعدها فصريح أنه يتعلق باليهود كذلك ! « [10]. وهنا نجد الجابري مضطربا في احتجاجه بالسياق لأن السياق هنا ليس سياقا واحدا ولذلك اضطر للاعتراف بأن الخطاب موجه للكفار وبالتالي :  » كيف نفهم قوله تعالى :  ” لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ ) أي الجنة ( حَتَّىا تُنفِقُواْ  مِمَّا تُحِبُّونَ  وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ” ؟ وبعبارة أخرى من المخاطب هنا ؟ جميع المفسرين يذهبون إلى أنها خطاب للمسلمين، وهذا يجعل الآية مقطوعة الصلة بما قبلها وبما بعدها، وهذا ما ارتضاه ابن عاشور إذ جعلها جملة اعتراضية، والجملة الاعتراضية…لا تعني في رأينا الخروج تماما عن السياق، فهي تكون بين متلازمين كالمبتدأ والخبر للتفصيل ومزيد بيان أو للاستثناء والاحتراس…الخ، وهي لا تكون جملة يتيمة منقطعة عما قبلها وما بعدها، وهذا النوع من الجمل اليتيمة لا يليق ببيان القرآن وبلاغته، ولا ينفع فيه القول بأن القرآن نزل منجما، لأن كونه نزل مفرقا لا ينزع المعقولية عن وحداته الخطابية..ولا عن سياقاته « [11].

لطالما أساء الجابري في فهمه  للقرآن الكريم ودائما يذكر هذه الإساءة في سياق من يدافع عن القرآن الكريم وينافح عنه ولو بالتأويل البعيد والقياس الفاسد، فالجابري هنا يعتبر كل علماء الإسلام لا يفهمون معنى السياق وحجيته ولذلك وجب الضرب بإجماعهم عرض الحائط والإتيان بفهم آخر ليس له أي حجة أو برهان سوى السياق الذي عجز الجابري نفسه عن إثبات قوة حجيته عندما اعترف بأن الخطاب موجه إلى الكفار، وسياقه العام يتعلق باليهود، فكيف يستبعد الجابري أن يكون الخطاب هنا موجها للمسلمين كما كان موجها في السابق للكفار حتى وإن كان السياق العام يتعلق باليهود أو الاحتكام إلى السياق وحده وبالتالي تأويل الخطاب الموجه إلى الكفار ليصبح هو أيضا موجها إلى اليهود ؟. لماذا هذه الانتقائية وهذا الاضطراب والتناقض الذي يصل به الجابري إلى تحكيم السياق فقط في تلك الآية المتعلقة بالمسلمين لتصبح متعلقة باليهود ؟ » وبناء عليه، نحن نرجح أن يكون الخطاب في هذه الآية موجها إلى اليهود، وبذلك تكون علاقتها بما بعدها واضحة ) كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَآئِيل (، أما علاقتها مع ما قبلها فواضح من قوله تعالى :”  إِنَّ الذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُّقْبَلَ مِنَ اَحَدِهِم مِّلْءُ الاَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىا بِهِ “، أي لن تقبل منهم التوبة يوم القيامة ولو قدموا من أجلها من الذهب قدر ما يملأ الأرض، إن التوبة، وبالتالي الجنة، ليست مرهونة بمقدار ما بإمكانهم أن ينفقوا، بل تتوقف على أن ينفقوا الآن مما يحبون« [12].

ورغم أن الجابري اعترف بإجماع المفسرين على أن هذه الآية تتعلق بالمسلمين فإنه عاد ونقل كلام القرطبي وكأنه يقول بقول الجابري مع العلم أن الكلام واضح في أن المقصود بكلام القرطبي هم المسلمون، لأن الشرف الحقيقي يبدأ بالإيمان ثم ينمو ويزداد كلما ترقى المؤمن في درجات الكمال، أما الكافر عموما ومنهم اليهود فهم مطالبون بتحصيل الإيمان أولا قبل الحديث عن الإنفاق، قال الجابري : » قال القرطبي :” لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء تأملون العيش وتخشون الفقر ” وهذا في نظرنا أولى أن يقال في اليهود « [13]. ولو صح هذا الذي ذهب إليه الجابري لكانت هذه الآية من أقوى الأدلة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ولحسمت الخلاف القائم بين علماء الأصول في هذه المسألة.

أما علاقة الآية بما قبلها وما بعدها التي جعل منها الجابري إشكالية تستعصي على الحل إلا بجعل المخاطب هم اليهود فقد حلها البقاعي – رحمه الله تعالى – بما هو أيسر حيث قال : » ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو معنى إن الدين عند الله الإسلام – وما بعد ذلك إنما جرّه – ختم الآية بدعوى أن المخالفين من الخاسرين ، وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد ، لا بدفع لقاهر ولا بتقوية لناصر ، فتشوفت النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع ، فأرشد إلى ذلك وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول ، رجوعاً إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه أبلغ بقوله :  لن تنالوا البر وهو كمال الخير حتى تنفقوا أي في وجوه الخير مما تحبون أي من كل ما تقتضون ، كما ترك إسرائيل عليه الصلاة والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى « [14].

وهكذا تندرج هذه الآية في السياق العام للسورة بربطها مع مطلعها فهو الأنسب لها وبالتالي فالمخاطب بها ابتداء هم المسلمون، وقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذلك فبادروا إلى الامتثال لهذا التوجيه الرباني العظيم في صور تليق بالكبار الذين أصبح شغلهم الشاغل هو رضى الله جل وعلا مهما كانت التضحيات، فعن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، قال : ” تلوت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فذكرت ما أعطاني الله تعالى ، فما وجدت شيئا أحب إلي من جاريتي رضية فقلت : هي حرة لوجه الله عز وجل ، فلولا أني لا أعود في شيء جعلته لله عز وجل لنكحتها ” فأنكحها نافع فهي أم ولده “[15].

وذاك الذي فعله عبد الله بن عمر إنما تعلمه من أبيه الذي كان سباقا إلى الخيرات مبادرا إلى المكرمات، فعن ابن عمر رضي الله عنهما : أن عمر بن الخطاب أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها ، فقال : يا رسول الله ، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه ، فما تأمر به ؟ قال : ” إن شئت حبست أصلها ، وتصدقت بها ” قال: فتصدق بها عمر ، أنه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء ، وفي القربى وفي الرقاب ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل، والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، ويطعم غير متمول قال : فحدثت به ابن سيرين ، فقال : غير متأثل مالا”[16].

هذه هي النماذج المخاطبة بكلام الله جل وعلا والتي تبادر بالامتثال وتأبى أن تعود في شيء فعلته لله، ومن هؤلاء أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه الذي كان أكثر الأنصار مالا، فلما سمع خطاب الله تعالى ووعده الكريم تقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحب ما يملك طلبا لوجه الله تعالى، فعن أنس بن مالك ، يقول : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله إن الله يقول في كتابه : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، فإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” بخ ذاك مال رابح ، بخ ذاك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت فيها ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين”، فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه “[17].

ورغم أن البقاعي فسر البر بكمال الخير، وفسره غيره بالجنة، أبى الجابري إلا أن يعطيه فهما بعيدا كل البعد عن الحقيقة، هذا الفهم هو التوبة وهو بعيد لأن الكلام هنا عن عطاء الله جل وعلا  كالجنة، فالجنة عطاء والنظر إلى وجه الله تعالى عطاء، أما التوبة فهي عمل يطالب به العبد، ولا يأتي الحديث عنها في سياق الوعد بل في سياق الأمر كقوله تعالى: »وَتُوبُواْ إِلىَ اللَّهِ جَمِيعًا اَيُّهَا الْمُومِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ« [18]    . فلماذا فسر الجابري البر بالتوبة ؟.

لما جعل الجابري الخطاب في قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون موجها إلى اليهود  فسر البر بالتوبة، لأن التوبة في فهم الجابري مرتبطة بالذنوب التي يأتيها العبد في زمن الكفر، أما الذين ولدوا في الإسلام ونشئوا فيه فلا حاجة لهم بالتوبة، لأن » الآيات التي تدعوا المؤمنين إلى التوبة كانت – حين نزولها – تخاطب أناسا كانوا قبل إسلامهم يأتون الذنوب، أما الذين ولدوا في الإسلام وساروا على نهجه من صغرهم فكيف نطالبهم بالتوبة؟[19]« . كلما تصفحت أسفار الجابري رأيت واكتشفت فيها العجب العجاب من انعدام الإدراك  لأبسط القواعد الشرعية والآداب الدينية والمعارف الإسلامية، وأعجب من هذا كله كيف سوغت للجابري نفسه الإقدام على وضع تفسير للقرآن مع هذا الكم الهائل من القصور المعرفي والفراغ التام من العلم الشرعي؟.

ويمكن رد دعوى الجابري هذه بأمرين اثنين:

الأول : بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن الإسلام يجب ما قبله، فقد جاء إليه عدد من الصحابة كعمرو بن العاص رضي الله عنه وغيره يشكون إليه ذنوبا فعلوها قبل الإسلام فكان جوابه دائما عليه السلام أن الإسلام يجب ما قبله، فعن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : ” كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه في مسجده منصرفه من الجعرانة ، فطلع هبار بن الأسود من باب النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر القوم إليه قالوا : يا رسول الله ، هبار بن الأسود، فقال : ” قد رأيته ” ، فأراد رجل القيام إليه ، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن اجلس ، ووقف عليه هبار ، فقال : السلام عليك يا نبي الله ؟ إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله ، ولقد هربت منك في البلاد ، وأردت اللحوق بالأعاجم ، ثم ذكرت عائدتك وفضلك وصفحك عمن جهل عليك ، وكنا يا نبي الله أهل الشرك ، فهدانا الله بك، وسعدنا بك من الهلكة ، وكنا يا نبي الله أهل الشرك ، فاصفح عن جهلي ، وعما كان يبلغك عني ، فإني مقر بسوأتي ، معترف بذنبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” قد عفوت عنك ، فقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام ، والإسلام يجب ما قبله”[20]. فخطاب الله تعالى لعباده المؤمنين بالتوبة لم يكن متعلقا قط بذنوب الجاهلية لأنها كانت تغفر بمجرد الدخول في الإسلام .

ثانيا : إن التوبة تتعلق بتكوين النفس البشرية المعروفة بالضعف والغفلة، والمجبولة على ارتكاب الذنوب والخطايا، ولذلك كان لزاما على كل مؤمن أن يواظب على التوبة والاستغفار، أضف إلى ذلك أن أول تائب تاب الله عليه هو آدم عليه السلام، قال تعالى: »فَتَلَقَّىآ ءَادَمُ مِن رَّبـِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ « [21]. وآدم قطعا لم يكن كافرا ثم أسلم، ونوح عليه السلام لم يكن كافرا ثم أسلم، بل كان نبيا معصوما من الذنوب صغيرها وكبيرها ومع ذلك قص الله علينا توبته عندما سأل ربه نجاة ابنه ظانا أنه من أهله الذين وعده بنجاتهم فرد الله تعالى عليه بقوله: »وَنَادَىا نُوحٌ رَّبـَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنَ اَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ اَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلَـنِّي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ اِنِّيَ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ أَنَ اَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِين« [22].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو سيد الخلق – رغم كماله دائم الاستغفار، وهو المعصوم من الوقوع في أي ذنب يخطر أو لا يخطر على بال، فعن الأغر المزني، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ” إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة [23]“. وقد كان يفعل ذلك عليه السلام بين يدي الصحابة ليُقتدى به، فعن ابن عمر، قال : إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة : ” رب اغفر لي ، وتب علي ، إنك أنت التواب الرحيم [24]“.

والمؤمن مهما بلغ من درجات الكمال فهو معرض للوقوع في كثير من الأخطاء كالغيبة والنميمة…الخ، ولذلك وجب عليه تجديد التوبة في كل آن، والإكثار من الاستغفار، قال تعالى : » فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ « [25]. وعن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوي بها سبعين خريفا في النار [26]“. فالتوبة لها منزلة سنية في الشرع، إذ لا يستغني عنها مبتدأ في الطريق إلى الله تعالى ولا منته. أما هذا الذي قاله الجابري فلا يقول به مسلم مهما إدراك فهمه للدين وقل علمه بشريعة رب العالمين، لأنه مما هو معلوم في الدين ضرورة .

النموذج الثالث : بعد هذا الاستطراد الذي جرنا إليه تفسير الجابري للبر بالتوبة نقف مع نموذج آخر من نماذج فهم القرآن حسب السياق – كما يزعم الجابري – ففي تعليقه على قوله تعالى : » ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمُ أَجْرٌ كَبِيرٌ « [27]. زعم الجابري أن الأمر بالإنفاق هنا خاص بالإنفاق على تجهيز الجيش لمواجهة كفار قريش، فقد قال الجابري – بعد أن نقل كلام الطبري والزمخشري – »ونحن نفهم من الحث على النفقة في هذه الآية أن المطلوب هو النفقة على تجهيز سرايا وجند النبي عليه السلام، فالظرف هو ظرف الصراع المسلح مع قريش…« [28]. ولعل الجابري نسي أنه قد جاء في هذه الآية قبل الأمر بالإنفاق الأمر بالإيمان، فهل الأمر بالإيمان أيضا مقيد بمحاربة قريش !!! كلا إن الأمر بالإنفاق هنا عام، والعام لا يخصص إلا بدليل، كما أن الأمر بالإيمان عام، وقد قدمه الله تعالى ثم بعد ذلك »حث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى إلى استعمال ما استخلفهم فيه من المال في طاعته، فإن لم يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه. وقوله: ” مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ” فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفًا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان«[29] .

والغريب هو أن الجابري الذي كثيرا ما يتعسف في استعمال قرينة السياق من أجل الفهم تجده في مواطن عدة يعرض عن حجية السياق رغم وضوحها، وهكذا نجده مثلا يفهم قوله تعالى : » اَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ) ليس مجنونا كما ادعوا[30] ( اِنْ هُوَ ) القرآن ( إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ « [31]، فالسياق هنا واضح أنه يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفى الله تعالى عنه الجنون الذي اتهموه به، ثم وصفه بأنه نذير مبين.

وهنا أيضا خالف الجابري قاعدة أخرى طالما احتج بها وهي أن الضمير يعود على آخر مذكور، وآخر مذكور هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك جعل الجابري الضمير يعود على القرآن الكريم، وقد رأينا قبل في آية أخرى عندما كان السياق يتحدث عن القرآن والضمير يعود عليه، كيف جعل الجابري الضمير يعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : » إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ ) على محمد ( وَإِنَّا لَهُ ) للنبي ( لَحَافِظُونَ ) من الجنون الذي يتهمونه به في الآية السابقة ([32][33]« ، فالتهمة بالجنون جاءت في سياق – عند الجابري – ونفيها جاء في سياق آخر، وبذلك يتضح حجم الاضطراب الموجود في كلام الجابري، وعدم انضباطه بأي قاعدة من القواعد العلمية، وخروجه مرارا حتى عن المنهج الذي رسمه هو لنفسه.

[1] فهم القرآن القسم الأول ، ص 164 – 165 .

[2]  إحكام عمدة الأحكام ، ج 2 ص187 .

[3]  مجموع الفتاوى ، ج20 – ص415 .

[4] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 109 .

[5] سورة البقرة ، الآية 147 – 148 .

[6] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 58 .

[7] مصنف عبد الرزاق الصنعاني ، كتاب أهل الكتاب ، هل يسأل الكتاب عن شيء ، حديث : 9920 .

[8] التحرير والتنوير .

[9] سورة آل عمران ، الآية 92 – 93 .

[10] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 136

[11] نفس المرجع والصفحة .

[12]  نفس المرجع والصفحة .

[13] نفس المرجع والصفحة .

[14] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور .

[15] رواه الحاكم ، كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم ، حديث : 6406 .

[16] رواه البخاري ، كتاب الشروط ، باب الشروط في الوقف ، حديث : 2605 .

[17] رواه البخاري ، كتاب الزكاة ، باب الزكاة على الأقارب ، حديث : 1403 .

[18] سورة النور ، الآية 31 .

[19] العقل الأخلاقي العربي ، ص 467 .

[20] معرفة الصحابة لأبي نعيم ، باب الهاء ، من اسمه هشام ، حديث : 5983 .

[21] سورة البقرة ، الآية 37 .

[22] سورة هود ، الآية 45 – 47 .

[23] رواه مسلم ، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب استحباب الاستغفار والاكثار منه ، حديث : 4977 .

[24] صحيح ابن حبان ، كتاب الرقائق ، باب الأدعية ، حديث : 928 .

[25] سورة الأعراف ، الآية 99 .

[26] رواه الحاكم ، كتاب الأهوال ، حديث : 8858 .

[27] سورة الحديد ، الآية 7 .

[28] فهم القرآن القسم الثالث ، ص 258 .

[29] تفسير ابن كثير .

[30] فهم القرآن القسم الأول ، ص 239 .

[31] سورة الأعراف ، الآية 184 .

[32] فهم القرآن القسم الثاني ، ص 33 .

[33] سورة الحجر ، الآية 9 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.