مرتكزات سورة الفاتحة
مرتكزات سورة الفاتحة / الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
مرتكزات سورة الفاتحة
بقلم الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين
تعريف سورة الفاتحة:
الفاتحة سورة مكية وهي أم القرآن؛ كما جاء في الحديث الصحيح: ((أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم))([1]). تتكون من سبع آيات تتكرر قراءتها في كل صلاة، وهي أعظم سورة في القرآن. أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرأها والمؤمنون في اليوم والليلة ما شاء الله ذلك. كل يلتزم بمعناها في حياته مع الله في جميع الظروف والأحوال. وكلها من الله الرحمن الرحيم بالتلقي؛ فهو الذي علم المؤمنين إياها، ووفقهم لقراءتها والعمل بها.
ترتكز السورة على ثلاثة محاور هي: الحمد والإقرار والدعاء.
المحور الأول: الحمد
والحمد كلمة شكر ارتضاها الله لنفسه، وأمر عباده المؤمنين أن ينطقوا بها شكرا لله على نعمه الظاهرة والباطنة. فتكرر الحمد ثلاث مرات: الحمد لله رب العالمين، والحمد لله الرحمن الرحيم، والحمد لله ملك يوم الدين. فكان حمدا وثناء وتمجيدا. وهو الحمد على أسماء وصفات إلهية، لخصت أسماء الله الحسنى وأثرها على العباد في الدنيا والآخرة؛ من الألوهية والربوبية والرحمة العامة والخاصة ومِلْكية يوم الحساب، مما يجعل المؤمن ينخرط في صلب الإيمان بالله واليوم الآخر.
المحور الثاني: الإقرار بالعبودية لله رب العالمين
أراد الله تعالى من العبد المؤمن أن يُفرد العبادة لله وحده خالصة من كل شرك، وأن تكون الاستعانة مقتصرة على الواحد الأحد. واقترنت العبادة بالاستعانة حتى تكون عبادة حقة نابعة من الكتاب والسنة كما أرادها الله لعباده. فمن الدعاء الذي حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم دبر كل صلاة: ((اللهُمَّ أعني على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتك))([2])؛ لأن العبد عاجز بقوته، حيث لا حول ولا قوة إلا بالله. لذلك فالمؤمن لا يطلب الاستعانة إلا من الله ليوفقه الله لما يحبه ويرضاه.
المحور الثالث: الدعاء
اختار الله تعالى لعباده المؤمنين هذا الدعاء الجامع المانع الذي يتجلى في طلب الهداية للصراط المستقيم، هذا الصراط الذي هو نتيجة للتمسك بالوحي والذي بيَّنه الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾([3]). وهذا الصراط هو الذي جعله الله للمؤمنين الذين يطيعون الله والرسول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾([4]). إن السر كله كامن في اتباع الوحي والتشبث به والعمل بمقتضاه في السر والعلن، وفي جميع الأحوال دون كلل ولا ملل ولا فسوق ولا عصيان. متبرئين من طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين. هؤلاء الذين أخبرنا الله بشأنهم في كتابه العزيز، من أولئك الذين عصوا وكفروا بكتبهم ورسلهم واتبعوا أنواعا من الطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان. هذه الأصناف البشرية التي مرت عبر التاريخ الإنساني من الكافرين والفاسقين والمنافقين والطاغين والعصاة والظالمين، وقد بينهم الله لنا في محكم كتابه العزيز، وأرادنا أن نتجنب مواقفهم وسلوكهم في تعاملهم مع الوحي الرباني.
خلاصة القول
من خلال سورة الفاتحة يتبين لنا هذا الارتقاء الروحي طَبقاَ عن طبَق، لبلوغ درجة الاستقامة، رفقة الأنبياء والمؤمنين الذين اصطفاهم الله ليكونوا عبادا لله مخلَصين. وليعمروا الأرض وينشروا السلام بين الناس، مطمئنين بهذا العطاء الكريم من الرب الكريم. من أجل ذلك – وغيره كثير- كانت سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن الكريم؛ لأن معانيها مبثوثة في أرجاء هذا الكتاب الرباني العظيم.
([1]) الأحاديث، صحيح البخاري، ط1، (بيروت: دار طوق النجاة، 422هـ)، باب قوله: ولقد آتيناك … والقرآن العظيم، 6/81، رقم الحديث: 4704
([2]) الأحاديث، سنن أبي داود، ط1، (دار الرسالة العالمية، 1430هـ/2009م)، باب في الاستغفار، 2/631، رقم الحديث: 1523
حفظك الله ورعاك ونصرك اخي وابي الروحي