المكانة والفضل (2) المسجد الأقصى المبارك
المكانة والفضل (2)المسجد الأقصى المبارك/الدكتور مصطفى العلام
المكانة والفضل (2)المسجد الأقصى المبارك
بقلم: الدكتور مصطفى العلام
منذ أن احتل الصهاينة الغاصبون أرض فلسطين سنة 1948م ، والقدس الشريف سنة 1967م، والمخططات اليهودية تركز على تهويد القدس الشريف عامة، وتغيير الوضع القائم بالمسجد الأقصى خاصة. فبعد الحفريات والاستيلاء على البيوت العربية وحصار الأحياء العربية المجاورة للحرم القدسي وطرد أصحابها، وتزايد اقتحامات المتطرفين الصهاينة لباحات المسجد الأقصى، تابع العالم أجمع في شهر رمضان الحالي (1444هـ) اقتحام الصهاينة للمسجد الأقصى المبارك وتدنيسه، والاعتداء على المصلين والمعتكفين فيه، لم يفرقوا في ذلك كله بين رجل مسن أو امرأة. وهي سابقة تعد الأولى من نوعها، تبين بوضوح أن المسجد الأقصى المبارك مستهدف في وجوده بمخططات واعتداءات الصهاينة. إن كل هذه الجرائم الصهيونية في حق المسجد الأقصى المبارك التي تحتمي بتطبيع بعض الدول العربية، وبقرارات قمتي الذل والعار المنبثقة عنه كالعقبة والنقب، تفرض على المسلمين جميعا هبة قوية دفاعا عن حرمات مقدساتهم، وتصديا شجاعا لدحر مخططات الصهاينة وجرائمهم.
فماهي مكانة المسجد الأقصى المبارك في وجدان المسلمين عامة وأهل فلسطين على وجه الخصوص؟ وماهي أهم الأحداث في مسلسل الاعتداءات على المسجد الأقصى؟ ولم يتم التركيز في مخططات الاحتلال الصهيوني في المسجد الأقصى المبارك ؟ وهل ينجح الصهاينة في مخططاتهم الإجرامية؟
مكانة المسجد الأقصى المبارك وفضله:
خص الإسلام بيت المقدس بمنزلة وفضائل تليق به، وانفرد بمميزات جعلت النفوس تهفو إليه، واحتفظ بمكانة خاصة في وجدان المسلمين عامة وأهل الأرض المباركة خاصة.وقد تجلت مكانة بيت المقدس في العديد من النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية نذكر منها:
1ـ أولى القبلتين وثالث الحرمين : إنه أول قبلة توجه إليها المسلمون في الصلاة لعـدة سـنوات، قبـل أن يتوجه الناس إلى الكعبة المشرفة بنزول آيات سورة البقرة، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة ،الآية: 143: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وقد جاء تفصيل تغيير قبلة المسلمين الأولى في الحديث الشريف الذي رواه البراء بن عازب قال» لمَّا قدمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ صلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ستَّةَ أو سبعةَ عشرَ شَهرًا وَكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يحبُّ أن يوجِّهَ إلى الكعبةِ فأنزلَ اللَّهُ تعالى قد نرى تقلُّبَ وجهِك في السَّماءِ فلنولِّينَّكَ قبلةً ترضاها فولِّ وجهَك شطرَ المسجدِ الحرام فوجَّهَ إلى الكعبةِ وَكانَ يحبُّ ذلِك فصلَّى رجلٌ معَه العصرَ ثمَّ مرَّ علَى قومٍ منَ الأنصارِ وَهم رُكوعٌ في صلاةِ العصرِ نحوَ بيتِ المقدسِ فقالَ هوَ يشهدُ أنَّهُ صلَّى معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وأنَّهُ قد وجَّهَ إلى الكعبةِ قالَ فانحرفوا وَهم رُكوعٌ« [1] .
2ـ ثاني مسجد بني في الأرض: وقد ثبت ذلك في الحديث الشريف الذي رواه أبو ذر الغفاري قال« قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ. قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قالَ: ثُمَّ المَسْجِدُ الأقْصَى. قُلتُ: كَمْ كانَ بيْنَهُمَا؟ قالَ: أَرْبَعُونَ، ثُمَّ قالَ: حَيْثُما أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، والأرْضُ لكَ مَسْجِدٌ [2] «. .
3ـ ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال: فعن أبي سعيد الخذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «… وَلا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى. [3] «. وقذ ذكر ‘ابن تيمية’ رحمه الله هذا الحديث وعلق عليه بالقول: « والعبادات المشروعة في المسجد الأقصى هي من جنس العبادات المشروعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر المساجد إلاّ المسجد الحرام، فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المـساجد الطواف بالكعبة، واستلام الركنين اليمانيين، وتقبيل الحجر الأسود[4] «. .كما أشار ‘سيد قطب’ رحمه الله إلى أن ارتباط المسجد الأقصى المبارك والمسجد الحرام في رحلة الإسراء والمعراج كان اختيارا ربانيا يعلن فيه عن وراثة الإسلام لجميع مقدسات الرسل قبله، فيقول: « والرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رحلة مختارة من اللطيف الخبير تربط بين عقائد التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد خاتم النبيئين. وتربط بين الأماكن المقدسة لديانات التوحيد جميعا وكأنما أريد لهذه الرحلة العجيبة إعلان وراثة الرسول الأخير لمقدسات الرسل قبله واشتمال رسالته على هذه المقدسات وارتباط رسالته بها جميعا.« [5].
4ـ الصلاة فيه تكفر الذنوب وتحط الخطايا استجابة لدعاء سيدنا سليمان عليه السلام: فعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم« إنَّ سليمانَ بنَ داودَ لمَّا بنَى بيتَ المقدِسِ ، سألَ اللهَ عزَّ وجلَّ خِلالًا ثلاثةً: سألَ اللهَ حُكمًا يُصادِفُ حُكمَه، فَأُوتِيَه، وسألَ اللهَ مُلكًا لا ينبَغي لأحدٍ من بعدِه ، فَأُوتِيَه، وسألَ اللهَ حينَ فرغَ مِن بناءِ المسجدِ أنْ لا يَأْتِيَه أحدٌ لا يَنهَزُه إلَّا الصَّلاةُ فيهِ، أن يُخرِجَه مِن خطيئَتِه كَيومِ ولدَتْهُ أُمَّه، أمَّا اثْنَتانِ فقَد أُعطِيَهُما ، وأَرجو أن يكونَ قد أُعطِيَ الثَّالثةَ«.[6] وتبعا لذلك فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي من الحجاز، فيدخل فيصلي فيه، ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء مبالغةً منه لتمحيص نية الصلاة دون غيرها، لتصيبه دعوة سليمان عليه السلام.
وفي رواية أخرى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « مَنْ أَهَلَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. قَالَ: فَرَكِبَتْ أُمُّ حَكِيمٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى أَهَلَّتْ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ. [7] «
5ـ ثواب الصلاة فيه بخمسمائة صلاة: فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَجَابِرٍ مَرْفُوعًا : « فَضْلُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِائَةُ أَلْفِ صَلَاةٍ ، وَفِي مَسْجِدِي هَذَا أَلْفُ صَلَاةٍ وَفِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَمْسُمِائَةِ صَلَاةٍ « [8]. وفي رواية أخرى رؤية بيت المقدس أفضل من الدنيا وما فيها، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «تَذَاكَرْنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى، وَلَيُوشِكَنَّ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا أَوْ قَالَ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»ـ [9]
6ـ بأكنافه ستكون الطائفة المنصورة: روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الباهلي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ (= فريق أو مجموعة) مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إلا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لأْوَاءَ (= شدة وضيق معيشة) حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ (= جوانب) بَيْتِ الْمَقْدِسِ» [10]. وللحديث شواهد أخرى نذكر منها:
حديث مُرَّة بن كعب البهزي، رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا تَزَالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي عَلَى الحَقِّ ظاهِرِين على مَن نَاوَأَهُمْ، وَهُمْ كالإِنَاءِ بينَ الأَكَلَةِ حتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللهِ وهُمْ كَذَلِكَ”. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: “بأَكْنَافِ بيتِ المَقْدِسِ » [11].
وحديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَزَالُ عِصابَةٌ مِن أُمَّتي يُقاتِلونَ علَى أبوابِ دِمَشْقَ ومَا حَوْلَهُ، وعلَى أبوابِ بيتِ المَقْدِسِ ومَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُم خِذْلانُ مَن خذَلهم، ظَاهِرِين علَى الحَقِّ إلى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ» [12].
وختاما فإن المسجد الأقصى المبارك يحظى بمكانة خاصة في وجدان المسلمين عامة والفلسطينيين على وجه الخصوص، ولعل الصور والفيديوهات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي في شهر رمضان من كل سنة أصدق دليل على هذه المكانة العظيمة. من أجل ذلك وجب الدفاع عنه وتحريره من أيدي الصهاينة الغاصبين. لكن تحقيق هذه الغايات تعترضه عقبات كثيرة تتمثل في المخططات والاعتداءات الصهيونية التي تهدف إلى هدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وهذا ماسنتناوله في موضوع الحصة القادمة من هذه السلسلة حول فلسطين والمسجد الأقصى المبارك.
الهوامش:
[1] أخرجه البخاري (7252)، والترمذي (340) واللفظ له، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11003)، وابن ماجه(1010)، وأحمد (18707).
[2] أخرجه البخاري (3425)، ومسلم (520).
[3] أخرجه البخاري (1864)، ومسلم (827) جزء منه
[4] انظر، مجموع الفتاوى، ابن تيمية، دار الوفاء للنشر، ط3: 1426هـ/2005م، 27/10
[5]في ظلال القرآن، سيد قطب ، النسخة الإلكترونية، 15/12.
[6] أخرجه النسائي (693) واللفظ له، وابن ماجه (1408) باختلاف يسير، وأحمد (6644) مطولاً باختلاف يسير.
[7] أخرجه الإمام أحمد ( 6/299).
[8] شعب الإيمان، أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقي ،رقم 3938
[9] أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني.
[10] مسند الإمام أحمد رقم(2232).
[11] أخرجه الطبراني (754).
[12] ـ أخرجه أبو يعلى (6417)، والطبراني في الأوسط (47)، وابن عدي في الكامل 7/ 84.