منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة الثانية: نصائح للطلبة الجدد في التخصصات الشرعية

الحلقة الثانية: نصائح للطلبة الجدد في التخصصات الشرعية/ الدكتور سعيد حليم

0

الحلقة الثانية: نصائح للطلبة الجدد في التخصصات الشرعية

بقلم: الدكتور سعيد حليم

النصيحة الأولى: في بداية المسار، ينبغي أن يعلم الطالب، أن العلوم الشرعية الأساسية هي: علم العقيدة، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وعلم أصول الفقه، والفقه، والسيرة النبوية…

كل هذه العلوم تدور على النص الشرعية من القرآن العظيم، والسنة النبوية المطهرة. فعلم العقيدة يختص أساسا بأركان الإيمان، من: التوحيد، والنبوات، والقضاء والقدر، واليوم الآخر، وكل ما له علاقة بالأمور الغيبية التي طريقها الوحي.

علم العقيدة، هو الذي تطور في مرحلة، ليصبح اسمه: علم الكلام؛ الذي يرد الشبة الموجهة للعقيدة للإسلامية، بالأدلة العقلية، والأدلة السمعية.

أما علوم القرآن؛ فهي العلوم التي تهتم بالقرآن العظيم؛ من حيث رسمه، وقراءاته، وتجويده، وناسخه ومنسوخه، وأسباب نزوله، ومكيه ومدنيه، وغير ذلك مما يساعد في فهم أحكامه.

فأما علوم الحديث؛ فهي العلوم التي نعرف بها حال الأحاديث النبوية المطهرة، والآثار الواردة عن الصحابة رضي اللهه عنهم، وعن التابعين؛ من حيث الصحة والضعف.

وأما علم أصول الفقه فهو: القواعد العامة التي يعتمد عليها الفقيه في فهم النص الشرعي، واستنباط الأحكام الشرعية العملية منه. وعلم الفقه في معناه عند المتأخرين، هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية ، المستنبطة من أدلتها التفصيلة.

أصول الفقه يختص بالبحث في الأدلة الإجمالية؛ كالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، والعرف، واختبار المآل، وغير ذلك مما هو معروف في العلم.

والفقه يختص بالبحث قي الأدلة التفصيلية؛ كآيه من القرآن الكري أو بعض آيات، أو حديث أو بعض أحاديث، أو الإجماع، أو القياس… في مسألة معينة.

وأما السيرة النبوية؛ فهي العلم الذي يهتم بالتأريخ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، منذ ميلاده، إلى مماته. لم يستطع القدماء أن يجعلوا للسيرة قواعد خاصة في ضبطها، كما هو الأمر في علوم الحديث. ولذلك غلب على السيرة النبوية، الجانب التطبيقي من خلال الكتب المؤلفة في أحادث السيرة، وغاب التقعيد.

النصيحة الثانية: على الطالب النجيب الحصيف؛ أن يعرف في بداية المسار، أهم مصادر كل علم من العلوم المذكورة؛ يسجل ذلك في مذكرته الخاصة. يبدأ بتسجيل خمسة مصادر من كل علم. فإذا استوعب أسماءها، انتقل إلى خمسة كتب أخرى. فمن العيب العظيم، أن تجد الطالب وقد حصل على الإجازة، أو الماستر، وهو لا يعلم مصادر العلوم الشرعية.

المقصود بالمصادر: الكتب التي ألفت في القرون الأولى. تتسع هذه القرون، أو تضيق بحسب كل علم من للعلوم الشرعية.

فأول كتاب مثلا ألف في علم أصول الفقه، هو كتاب:( الرسالة) للإمام الشافعي، ثم جاء من بعد كتاب:( الفصول في الأصول) للإمام الجصاص الحنفي، ثم جاء من بعده كتاب:( التقريب والإرشاد) للإمام الباقلاني، وكتاب:( البرهان في أصول الفقه) للإمام الجويني، وكتاب:( المستصفى من علم أصول الفقه) للإمام الغزالي، دون أن ننسى كتاب:( إحكام الفصول في أحكام الأصول) للإمام الباجي المالكي، وما ألفه أيضا: ابن حزم، والسرخسي، وغيرهما من الأعلام إلى حدود القرن السادس الهجري.

جميع ما ألف في علم الأصول بعد القرن السادس؛ كان عالة على المتقدمين، باستثناء ما جاء به للإمام الشاطبي المالكي في كتابه الفريد:( الموافقات). فقد أضاف محورا جديدا إلى علم الأصول، وهو محور المقاصد.

وفي علوم الحديث؛ ظهر أول كتاب مستقل في العلم، في القرن الرابع الهجري.

وهو كتاب:( المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)، للرامهرمزي. لكنه كتاب غير مستوعب لمسائل علم الحديث. وفي القرن الخامس الهجري ظهر كتابان، هما عمدة العلم. الكتاب الأول، هو:( معرفة علوم الحديث) للحاكم النيسابوري، والكتاب الثاني، هو:( الكفاية في علم الرواية) للخطيب البغدادي، الذي ألف كتبا متعددة في علوم الحديث.

وفي القرن السابع الهجري، ظهر كتاب جامع لما تقدمه، وهو كتاب:( علوم الحديث) للإمام ابن الصلاح. هذا الكتاب؛ عليه دارت أغلب الكتب المؤلفة في علم الحديث؛ اختصارا، ونظما، وشرحا، وتنكيتا.

النصيحة الثالثة: من الأمور المهمة؛ التي ينبغي أن يعرفها الطالب في بداية مساره في العلوم الشرعية: المحاور التي يتكون منها كل علم من العلوم الشرعية.

فمثلا علم أصول الفقه، يتكون من المحاور التالية:

المحور الأول: الأدلة الشرعية؛

المحور الثاني: الأحكام الشرعية؛

المحور الثالث: مراتب الدلالة؛

المحور الرابع: قواعد الترجيح عند التعارض؛

المحور الخامس: الاجتهاد، وشروط المجتهد والمقلد.

وزاد الإمام الشاطبي في القرن الثامن الهجري محورا جديدا، هو محور: المقاصد. كانت المقاصد موجودة في الكتب المتقدمة، لكنها كانت منثورة هنا وهناك. فجمعها الإمام الشاطبي، وقعدها، ووسع الكلام فيها، حتى أصبحت محورا مستقلا.

وفي علم الفقه؛ ينبغي أن يعلم الطالب؛ أن هذا العلم يتكون من المحاور التالية:

المحور الأول: العبادات؛

المحور الثاني: المعاملات؛

المحور الثالث: الحدود والجنايات…؛

المحور الرابع: السياسة الشرعية.

وينبغي أن يعلم الطالب؛ أن الفقهاء اختلفوا في تقسيم كتبهم، واختلفوا كذلك في تينية المحاور. لكن على العموم، فالتقسيم الذي ذكرته، هو نموذج من النماذج الموجودة.

أما علوم الحديث؛ فيمكن تقسيم علومها إلى ثلاثة محاور كبرى:

المحور الأول: علوم السند، ويدخل فيها: علم الرجال الذي يهتم بضبط الأسماء، وعلم الطبقات، وعلم الجرح والتعديل الذي يهتم بضبط الرجال من حيث القبول والرد.

المحور الثاني: علوم المتن، ويدخل فيها ما تعلق بمعرفة المتن من حيث الصحة والضعف، ومعرفة ما فيه من المعاني والأحكام، وأنواع المتون؛ كالمرفوع، والمقطوع، والموقوف.

المحور الثالث: علوم المتن والسند؛ وهي التي تهتم بمعرفة المقبول والمردود. ويدخل فيها علم العلل الذي يهتم بمعرفة الأسباب الخفية التي تجعل الأحاديث ضعيفة غير مقبولة.

النصيحة الرابعة: معرفة العلاقة بين العلوم الشرعية

هذا الأمر يظل ضعيفا ضامرا عند أغلب الطلبة، بعد الحصول على الإجازة أو الماستر. ينبغي أن يعلم الطالب أن العلوم الشرعية كلها؛ تنطلق من القرآن العظيم، والسنة النبوية المشرفة. رأس العلوم الشرعية؛ هو علم العقيدة؛ لأنه هو العلم الذي نثبت من خلاله، كون القرآن العظيم، والسنة النبوية؛ وحيا من الله تعالى. القرآن العظيم وحي باللفظ والمعنى. والحديث النبوي، وحي بالمعنى دون اللفظ.
جميع العلوم الشرعية؛ تستمد وجودها من علم العقيدة. فعلم العقيدة: هو العلم الكلي، وسائر العلوم الشرعية، هي علوم فرعية على حد تعبير الإمام الغزالي في (المستصفى).

العلوم الشرعية أغلبها يخدم النص الشرعي من حيث الفهم. فعلم أصول الفقه، علم يساعد بقواعده على فهم النص الشرعي، فهما سليما وصحيحا. فقواعد علم أصول الفقه، بها يستنبط الفقيه الأحكام الشرعية العملية من النص الشرعي. والمفسر يعتمد على قواعد علم أصول الفقه، ليستنبط معاني القرآن. والمحدث الفقيه الذي يستنبط الأحكام الشرعية من الأحاديث النبوية، يحتاج قواعد علم الأصول؛ ليكون فهمه صحيحا وسليما. وكذلك المختص في علم العقيدة، يحتاج إلى قواعد علم الأصول؛ حتى يكون فهمه للنص الشرعي مسددا وقاصدا.
علم أصول الفقه؛ هو آلة الفهم في جميع العلوم الشرعية.

أما علوم الحديث؛ فهي التي تضبط النص الحديثي من حيث الصحة والضعف. فكل من يحتاج إلى الحديث النبوي في الاستدلال؛ هو في حاجة إلى عمل المحدث.

المفسر في حاجة إلى المحدث؛ في ضبط الأحاديث الخاصة بالتفسير، والأحاديث التي تبين أسباب النزول، وكذا معرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن العظيم. والذي يكتب في السيرة النبوية؛ يحتاج إلى المحدث؛ لأن الكثير من أحداث السيرة، موجودة في دواوين السنة.
النصيحة الخامسة: معرفة مقاصد العلوم

معرفة مقاصد العلوم؛ أمر في غاية الأهمية؛ لأن هذه المعرفة هي التي تجعل الطالب ينشط في الطلب، ويجتهد، ويبذل قصارى جهده في التعلم والاكتساب. ذلك أن معرفة المقصد من كل علم؛ يساعد كذلك على تحمل النصب والتعب الذي يجده الطالب في طريق التعلم والتحصيل.

مما يساعد في معرفة مقاصد العلوم؛ الاطلاع على الكتب التي ألفت في آداب الطلب وضوابطه. من هذه الكتب النافعة جدا:

أولا: (الجامع لأخلاف الراوي، وآداب السامع)، للخطيب البغدادي؛

ثانيا: (جامع ليان العلم وفضله)، للحافظ ابن عبد البر الأندلسي؛

ثالثا: (مقدمة المجموع شرح كتاب المهذب)، للإمام النووي؛

رابعا: (تذكرة السامع)، للإمام ابن جماعة؛

حامسا: الجزء الأول من كتاب:( إحياء علوم الدين) خاصة ما كتبه الإمام الغزالي في شروط المعلم، وشروط المتعلم.

النصيحة السادسة: معرفة الإشكالات العلمية التي أدت إلى ظهور العلوم الشرعية.

العلوم الشرعية؛ علوم ظهرت إلى الوجود بسبب إشكالات علمية واقعية. فعلم العقيدة ظهر بسبب ما نشأ من خلاف متعلق بفهم الآيات المتشابهة في القرآن العظيم.

وعلم أصول الفقه؛ ظهر بسبب الاختلاف في الفهم والاستنباط، والتعارض بين الأدلة. فجاء علم أصول الفقه؛ ليضع قواعد علمية موضوعية، ودقيقة للفهم والاستنباط.

علم أصول الفقه: هو منطق الفهم في العلوم الشرعية. قواعده تصلح في الفقه ، وفي غيره من العلوم الشرعية. ويمكن أن نستعين بها في الفهم، خارج العلوم الشرعية.

وجاء علم الفقه؛ لضبط تدين المسلم، وليجعل جميع تصرفاته مضبوطة بالشرع الكريم. جاء الفقه؛ ليقدم للمسلم ما يحتاجه في هذا الكون من خلال الإجابة عن جميع حاجاته؛ سواء ما تعلق منها بالعبادات، أو ما تعلق منها بالمعاملات في البيع والشراء، وسائر العقود العوضية، والعقود التبرعية. وكذا ما يضبط تصرفات المسلمين في الولايات العامة؛ كالولاية العظمى، والحسبة، والقضاء.

وجاءت علوم الحديث؛ بسبب ظهور الوضع والكذب؛ انطلاقا من عصر التابعين. خصوصا وأن أغلب الأحاديث النبوية وصلتنا من طريق الآحاد، بخلاف القرآن العظيم الذي وصلنا عن طريق التواتر. فلو وصلتنا السنة بطريق التواتر؛ لما كنا في حاجة إلى علوم الحديث. ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالى، شاءت أن تكون أغلب الأحاديث النبوية بطريق الآحاد؛ لينشأ بسبب ذلك علم فريد من نوعه، لم يعرف عند الأمم السابقة. علم دقيق وعجيب؛ وضع ضوابط علمية موضوعية؛ للتمييز بين المقبول والمردود من الروايات.
يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.