النسخ في القرآن الكريم
النسخ في القرآن الكريم/ الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
النسخ في القرآن الكريم
بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز
يقول تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}([1]).
سبب النزول
لما نُسِخت القبلةُ قالت اليهود: إن محمدا يُحل لأصحابه إذا شاء، ويُحرم عليهم إذا شاء؛ فنزلت هذه الآية.
تحليل
للنسخ في اللغة معنيان: الأول: التحويل والنقل، ومنه نسخ الكتاب، وهو تحويله من كتاب إلى آخر. والثاني: الرفع والإزالة والإبطال، يقال نسخت الشمس الظل، أي: ذهبت به وأبطلته. وهذا المعنى الثاني هو الذي يهمنا في هذا المقام.
ففي القرآن الكريم، ورد (نسخ الآية) مرة واحدة في الآية 106 من سورة البقرة. واقترن النسخ فيها من خلال تعدد القراءات، مع النسيان مرة: {ما ننسخ من آية أو نُنْسِها}؛ من النسيان أو الترك. وفي قراءة اقترن مع النسيئة: {ما ننسخ من آية أو نَنْسَأْهَا}؛ أي: نؤخرها. فنتج عن ذلك ثلاث حالات، هي:
- الأولى (النسخ): تغيير حكم آية فيتبدل الحكم.
- الثانية: (النسيان): رفع حكم آية أو تركه فينساه الناس.
- الثالثة: (النَّسْء): تأجيل العمل بحكم آية مؤقتا لانتفاء العلة.
فعن الأولى والثانية يقول الطبري (ت:310ه): ” فَسَوَاءٌ – إِذَا نُسِخَ حُكْمُهَا فَغُيِّرَ وَبُدِّلَ فَرْضُهَا وَنُقِلَ فَرْضُ الْعِبَادِ عَنِ اللَّازِمِ كَانَ لَهُمْ بِهَا – أَأُقِرَّ خَطُّهَا فَتُرِكَ، أَوْ مُحِيَ أَثَرُهَا، فَعُفِيَ وَنُسِيَ، إِذْ هِيَ حِينَئِذٍ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ “([2]). أي أن النسخ، وهو تغير الحكم، قد يكون مع إقرار الخط كما هو، والإتيان بحكم آخر في عبارة أخرى – أو رفع الخط، ونسيان الناس ما حفظوه عند التنزيل.
وعن الثالثة يقول ابن الجوزي: (ت:597 ه): “عن قتادة قال: كل شيء في القرآن: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ} منسوخ، نسخته براءة والقتال”([3]).
ويؤكد ذلك الزركشي: (ت:794 ه): “مَا أَمَرَ بِهِ لِسَبَبٍ ثُمَّ يَزُولُ السَّبَبُ كَالْأَمْرِ حِينَ الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ بِالصَّبْرِ وَبِالْمَغْفِرَةِ لِلَّذِينِ يَرْجُونَ لِقَاءَ اللَّهِ وَنَحْوِهِ مِنْ عَدَمِ إِيجَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِهَا ثُمَّ نَسَخَهُ إيجاب لذلك وَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هُوَ نسء كما قال تعالى: {أو ننسئها}، فَالْمُنْسَأُ هُوَ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَقْوَى الْمُسْلِمُونَ وَفِي حَالِ الضَّعْفِ يَكُونُ الْحُكْمُ وُجُوبَ الصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى”([4]).
والنسخ في القرآن الكريم هو في مصلحة العباد؛ فقوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}؛ لأن ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل، وما نسخ إلى الأشق فهو أكثر في الثواب. والله مربي العباد وهو القادر على كل شيء.
أهمية علم الناسخ والمنسوخ
علم الناسخ والمنسوخ فيه فائدة عظيمة لما يترتب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. ومعرفة الناسخ والمنسوخ من الأحكام هو الحصن التشريعي الحصين للمسلمين في كل زمان ومكان. وذلك لتعدد المجتمعات الاسلامية بعد زمن الوحي، واختلاف ظروفها الاجتماعية والسياسية، ومدى حاجتها إلى الميزان الرباني في كل حين. وبهذا يكون تنزيل الأحكام التشريعية على واقع المسلمين تنزيلا سليما كما يحبه الله ويرضاه.
الرد على منكري النسخ
ادعى بعض الذين أنكروا جواز النسخ، أنه يستحيل في حق الله تعالى. معللين إنكارهم بأن النسخ فيه تبديل وتغيير، وهذا التبديل والتغيير لا يتوافق مع كون علم الله شاملا ومطلقا. وهم محجوجون في ذلك؛ فإذا كان الناسخ الحقيقي هو الله تعالى، وهو رب العباد، العليم ذو العلم المطلق والقدرة الشاملة، فالله تعالى يربي عباده ويواكب تربيتهم بالتدرج في التشريع رحمة بهم، ومراعاة لمصالحهم. فعِلْمُ الله مطلقٌ وشاملٌ، وحياة الناس في ظل التوجيه الإلهي في تغيير مستمر؛ يرتقون من عبادة إلى عبادة أرقى وأصلح، بهدف الوصول إلى الكمال التشريعي الذي يريده الله ويرضاه لعباده. يقول تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}([5]).
اختلاف المفسرين في تحديد الناسخ والمنسوخ
من خلال الآية 106 من سورة البقرة التي جمعت بين الحالات الثلاثة التي هي: تغيير حكم آية فيتبدل الحكم، أو رفع حكم آية فينساه الناس ويتركونه، أو تأجيل العمل بحكم آية مؤقتا لانتفاء العلة، يتبين لنا سر اختلاف المفسرين في تحديد الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم. وذلك تبعا لاعتبار أن الناسخ والمنسوخ منحصر في الحالات الثلاثة السابقة أو في بعضها، أو في الزيادة على ذلك- توسعا ومجازا- من بيان القرآن؛ كتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتبيين المجمل. فَتَبَاينَ العددُ الإجمالي للآيات المنسوخة بين القلة القليلة من الآيات والكثرة الكثيرة منها. وكل ذلك تبعا لاجتهاد المفسرين.
([2]) الطبري، محمد بن جرير أبو جعفر، جامع البيان في تأويل القرآن، ط1، تحقيق الدكتور عبد الله التركي، (دار هجر للطباعة والنشر، 1422هـ/2001م)، 2/389
([3]) نواسخ القرآن، ابن الجوزي، ط1، (بيروت: شركة أبناء شريف الأنصاري، 1422هـ/2001م)، ص182
([4]) البرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي، ط1، (لبنان: دار المعرفة، 1376هـ/1957م)، 2/42