منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عن جبريل صاحب جبريل! 

د. أسامة الأشقر

0
عن جبريل صاحب جبريل! 
د. أسامة الأشقر
إن الله تعالى إذا اتخذ شيئاً لنفسه فقد اختاره، وإذا اختاره فإنه قد حظي بإكرامه، وقد أخبرنا سبحانه أنه يتخذ منّا شـ.ــ.ـهـ.ـ.ـداء، وأحسب أن منهم شاباً ارتقى أخيراً في القصف على مخيم نور شمس مع ثلة من رفاقه الأبرار.

• حينها قلتُ لصاحب لي إن رسول الله قد دخل بنفسه على خط التثبيت، وذلك أن رؤيته في المنام هي رؤيا حق، فإن الشيطان لا يتمثّل في صورته، وهذا من البشارات العظيمة التي يأنَس بها المرء.

• ومن هذه المرويات التي وصلتني قبل مدة من الزمان أن فتى كان في العاشرة من عمره قد روى لأهله رؤيا عجيبة دُهشوا لها دهشة عظيمة، واستبشروا بها، وأوّلها بعضُهم بما يزيد الأمر طمأنينة واستبشاراً، ثم تتابعت هذه الرؤى منه وكبرت حتى بلغ الثامنة عشرة قبل شهر من ارتقائه، بعضها يرى فيها رسول الله، وأخرى يرى فيها إشارات قويّة تدلّه على مسار ينبغي أن يكون فيه ولا يغادره.

• كان لجبريل كما سماه والده جسد نحيل، ووجه صغير مضيءٌ بريءُ المشهد لطيفُ المحيّا، ولكنه كان يحمل فؤاداً شجاعاً يُكِنّ إصراراً عنيداً على المسار الذي اختاره واستأنس به.
• حمل هذا الشاب السلاح بعد أن أفرج عنه في الصفقة الأخيرة أول الطوفان مع فئة الأشبال في شهر 11/2023 إذ كان ممن لم يبلغ الثامنة عشرة، ولكنه لم يلبث أن انتظم في سلك المقاتلين شَغَفاً وشوقاً، وأصبح مطارداً يلاحقه العدوّ بعدها، ويتتبّع خطاه، ويترصّده، وكثيراً ما آذى هذا العدوُّ أهلَه إيذاءًَ بالغاً ليسلّم نفسه، وقد كان يؤذيه ما يؤذي أهله، لكنه كان يصبّر نفسه أنّ معاناتهم لن تستمر مع قرب الإشارة بارتقائه سعيداً إن شاء الله.
• كان جبريل يحب الطيران في رؤاه، وكان يرى نفسه طائراً أبيض طائفاً عندما يكون جبريل الملاك بكامل هيئته المجنّحة التي تسدّ الأفق مع رسول الله؛ وكان أول لقائه برسول الله في المنام وهو في سن العاشرة، وكان رسولُ الله يلبس عباءة سوداء في الصحراء وكان ممتلئ الأطراف ظاهر القوّة، فكان الفتى جبريل لا يكاد يواصل النظر إليه من شدّة النور الذي فيه، فيغضّ طرفه ليعاود النظر إليه، وسأله رسول الله حينها عن اسمه ودينه فأجابه، فحفر رسول الله في المكان حفرة كأنها قبر، فسأله لمن هذا؟ فقال: لك، ثم جاء بحصان، وأردفه وراءه وركض به مسافات ممتدّة حتى وصل إلى مدينة بـ.ـيـت المـ.ـقـ.ـدس، فوجد فئة من المسلمين تنتظره هناك، وتقابلهم طائفة من أوغاد الأرض قد اقتحموا المكان، فخاض رسول الله معركة وهزمهم ولم يبق منهم أحداً، ودخل الفتى جبريل مع رسول الله المسجد، ثم أمره إلى يصعد إلى القبّة ويرفع الأذان، ثم أمره أن ينزل فصلّى به ركعتين، فلما بلغ السجود الأخير في الركعة الثانية فاضت روح جبريل، فحمله رسول الله على حصانه إلى الموضع الذي رآه من قبل فدفنه عنده؛ وأحسب أن “نور شمس” هي تأويل الصحراء التي رأى حفرته فيها، وهي موضع ارتقائه.
• كانت تلك فاتحة الرؤى، وكانت عينه تدمع إذا تذكّرها أو ذُكّر بها، وأحسب أن هذه الرؤى قد كثرت، لأنّ هذا الباب شديد الخفاء، وإذا فُتِح فإن له سبلاً يفتح الله بها على أهل الكرامة ليقفوا على أبوابها حتى يؤذن لهم بدخولهم، ويستأنسون في انتظارهم بما يسعدهم ويبصّرهم؛ ومن آداب هذا الفتح ألّا يتحدّث به صاحب الكرامة وإلا خفِي عليه الباب، وإذا أَلْمَح إليه لواحد من أهله أو صَحْبه فإنه لا يتابع فيه، ولا يكشف سرّه لئلا يفقد بصيرة المفتاح.
• كان جبريل يرى نفسه في الحال الذي أَحَبَّ أن يكون مع رسول الله فيه، وهو يقاتل في ساحات المسجد، وظنّي أنّه خشي أن ينتظر حتى يدخل الناس جميعاً المسجد الموعود بعد التـ.ـحـ.ـرير كما أوّله بعضُهم له فتطول حياته، فراجَع رسولَ الله ليدعو له أن يكون مع رفاقه من أهل السعادة.
• كان جبريل مطارَداً لا يعرف أهله أين يعيش أو كيف يعيش، ولكنهم يعلمون أنّه اختار طريقه، وأنه منغمس في تلك اللحظة التي ينتظرها، وقد كانوا يرونه من قبل ينتفض عندما يصلّي الوتر، فإذا دخل في دعاء قنوت الوتر وقف قلبه عند دعاء مأثور وخالجته مشاعر قويّة وارتعاشة خالعة، فكان يريد أن يعرف سرّ ما يصيبه إذا دعا بهذا الدعاء، وقد حاول بعض أهله أن يعرف الدعاء، فانتبه جبريل لِسرّه فأبَى أن يكشفه لهم.

• كان من جمال روحه وشفافيتها أنه كان في صلاة العشاء في الجلسة الأخيرة يتشهّد فإذا بنور عظيم يملأ عليه وجهه فتتمثل له هيئة رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه على الهيئة التي لقيه عليها أوّل مرة في الصحراء، وكان باسماً كأنه يبلغه رضاه عنه ومتابعته له، ويذكّره بعهده، وكان ذلك يقظة لا مناماً.

• ومن كراماته رحمه الله ما رواه رفاقه في المطاردة أنه كان يتلو سورة “الكافرون” وهو نائم، وقد أوّل المتقدّمون من المفسّرين ذلك بأن ذلك يكون شهادةً على صدق الرائي وإخلاصه، وعوناً وتوفيقاً من الله على مقاتلة أهل الزيغ والكفر، ويكون توفيقه بالثبات عند ملاقاتهم وعدم الخوف منهم وجرأته عليهم وعدم التردد في ذلك. تَلقَى حبيبَك رسولَ الله يا جبريلُ ابنَ آلِ جبريل حيث بشّرك إن شاء الله، ويكرم الله وفادتك، ويرفع قدرك، ويجعلك شاهداً مشهوداً مذكوراً في الملأ الأعلى، ويشفّعك في أبيك غسّان وأمّك وإخوانك وأخواتك وأهل بيتك ومقامك، ويكرمهم بك. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.