عبد القادر زَمَامَة: الأديب الباحث
بقلم: خالد برادة
عضو رابطة الأدب الإسلامي
يزخر العالم العربي برجال أفذاذ شغفوا بالعلم والأدب، واهتموا بالتنقيب عن التراث، وتجلية جوانبه -تحقيقا ودراسة-، فقدموا إسهامات معرفية للثقافة، وخدمات للأدب العربي، ويحفظ التاريخ أسماء لامعة في سماء الثقافة والمعرفة، نذكر منهم بغاية التقدير الأستاذ عبد القادر زَمامَة (رحمه الله)، الذي يُعَدُّ في طليعة الأدباء المطبوعين، والباحثين النّابهين، والمحقِّقين المدقِّقين، فهو معدود في زمرة أعلام الأدب والفكر في المغرب، كعلال الفاسي، وعبد الله كنون، ومحمد المنوني، وعبد الهادي التازي.

صورة نادرة للأستاذ عبد القادر زمامة (رحمه الله) في شبابه
وُلد عبد القادر زمامة عام 1920م بمدينة فاس، وتلقى دراسته الابتدائية والثانوية بها، ثم التحق بجامعة القرويين –كعبة عشاق العلم والمعرفة، وقبلة القُصّاد من كل قُطر-، التي نال بها شهادة العالمية؛ وحصل عام 1974م على دبلوم الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب بالرباط، وعمل أستاذا بكلية الآداب بفاس.
وقد كانت له جهود مبذولة في البحث والتأليف والتحقيق، وعُنيَ بالقضايا التاريخية والاجتماعية والأدبية والفكرية؛ وصدر له: أبو الوليد بن الأحمر، ومعجم تفاسير القرآن الكريم (بالاشتراك مع آخرين)، وأما في مجال تحقيق المخطوطات، فنذكر له: كتاب الحلل الموشية والأخبار المراكشية، لمؤلف أندلسي من أهل القرن الثامن عشر (بالاشتراك مع الدكتور سهيل زكّار)، والبيان المُغرب في أخبار الأندلس والمَغرب -قسم الموحدين- لابن عذاري المراكشي (بالاشتراك).
فضلا عن مقالاته الضافية التي نيّفت على المائة، وهي منشورة في عدد غير قليل من المجلات والدوريات العربية، ولا غَرْوَ فقد فسحت له المجلات الثقافية صدرها، فنشرت له درر مقالاته ودراساته الرصينة، وتشهد له مجلة دعوة الحق، بما كان يكتبه فيها تحت عنوان: (الوِجادات) -من عام 1967م، إلى 1992م-، ومفادها ما كان يستخرجه من بطون كتب التراث العربي من جواهر، فهو يشق الأصداف عن خرائد اللؤلؤ، ويهديها إلى القراء، وقد عَزَّ عليه أن يترك تلك الدرر واللآلئ بعيدة عن أعين الناس، فعمد إلى تجليتها، وهرع إلى تدبيجها ونشرها، حتى يستفيد القراء من ألقها، وينعموا بعبقها، وسطوع معانيها، فاسمع إليه وهو يقول عن هذه الوجادات: “في تاريخنا الفكري والأدبي زهرات لا تتذوى، وصور حية لا تبلى، والباحث الدارس تقع عينه في كل يوم على مقتطفات غضة في العلم والأدب واللغة فيقف عندها وقفة تأمل وإعجاب، فإذا جاوز ذلك إلى تسجيلها في مذكرات والاحتفاظ بها فقد أدّى واجبه نحو نفسه، وهناك من يتجاوز ذلك إلى حد النشر والإذاعة بين الناس، ولا يحتفظ بذلك لنفسه فقط، وقد سجل تاريخنا البعيد والقريب عددا من الأعلام أسهموا في هذا الميدان بنصيب يذكر فيشكر، وجريا على هذه السنن ننشر هذه الوجادات”[1]؛ وهي وحدها كفيلة بأن تشهد له بفطنته، وكلفه بالتراث، ونهمه للقراءة، وغوصه في بطون الكتب، يُجلِّي أسرارها ومعانيها، ويعيد النظر في ظاهرها وخافيها، فيعيد لها إشراقتها؛ وهذه الوجادات تحتاج إلى دراسة خاصة، فهي تدل على مكانة عبد القادر زمامة في البحث عن النفائس التراثية، وتفصح عن جمال ذوقه في استكناه الفوائد العلمية والنوادر الأدبية الكامنة في بطون الكتب.
لقد كان عبد القادر زمامة واسع الاطلاع، غزير المعرفة، كاتبا سيّال القلم، مقدما للبحوث الرصينة والمقالات النافعة، لا يدع شاردة ولا واردة إلا تقصّاها وحقّقها، ورأى فيها الرأي الذي لا يجانب الصواب، فيقدم بجهوده العلمية إسهامات معرفية للباحثين والقراء، ناهيك عن قراءاته الحصيفة في المؤلفات التي تُعَدُّ من المصادر الهامة في تراثنا، وعرضه لما اشتملت عليه، فهو يمتاز بدقة الوصف، وجودة التحليل، وبراعة النقد؛ وجدير بالذكر أنه كان عضو الهيئة الاستشارية لمجلة الكِتاب المغربي، وكذلك عضو الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر.
وقد أبدع عبد القادر زمامة في فن كتابة المقال الأدبي والتاريخي والاجتماعي، وطرق باب الفن القصصي[2]، وتفوّق في تحقيق المخطوطات، فكان صاحب القدح المعلّى فيه؛ وبذلك ساهم في تنشيط الحياة الثقافية بغزارة كتاباته في الأدب والتاريخ والتحقيق، دلّت على علوّ كعبه، ورجاحة عقله، وهو بذلك جدير بأن يتصدَّر قائمة الأدباء والباحثين المشاهير في العالم العربي، لأنه أغنى الجانب الثقافي ببحوثه الرّصينة، ومقالاته النافعة، وكان يؤمن بمدى ارتباط الثقافة بالعامل التاريخي، فكتب عن الثقافة من منظور تاريخي[3].
وَأوْلَى عِنايةً بعلم التراجم والسِّيَر، ولا يعرف قدر الكِبار إلا الكِبار –وليس عبد القادر زمامة بِدْعاً منهم-، فلا عجب أن ينزلهم منزلتهم في إجلال وإكبار، فأعمل فكره وحمل يراعه للترجمة للعلماء والأدباء، وبيان فضلهم ومدى إسهاماتهم العلمية والأدبية، ولم يكتف بالترجمة للأعلام فحسب، بل كان يجمع كل ما يتعلق بصاحب الترجمة، وعصره ومصره وآثاره، مع بيان مكانته الأدبية والعلمية، ولا يفوته في رحلته هذه أن يستخرج ما يقف عليه من دلالات واستنتاجات، فكان باحثا يجمع بين دقّة الوصف، وبراعة التحليل، وقوّة الاستنتاج.
ويذكر عبد القادر زمامة –دون اعتدادٍ بنفسه- أن زملاءه الباحثين يعرفون مدى قيامه بالبحث في المصادر والمراجع المتعددة عن نسبة عدة آثار أدبية إلى أصحابها، وتحقيق صحة تلك النسبة بما يكفي من الأدلة[4]، وقد سطّر ذلك في معرض حديثه عن بحثه الدءوب عن صاحب بيتي الرقمتين، الذي اهتدى -بعد بحث مستفيض- إلى أن ناظم عقدهما هو أبي البركات اللّخمي الإربلي، المعروف بشرف الدين بن المستوفي.
كما عُنِيَ عبد القادر زمامة بإحياء كلمات من اللهجة المحلية، التي توارثها الخلف عن السلف، وجدها –بعد البحث- عربية فصيحة، وكان يرى أن العوامل الإقليمية تُحيي وتُميت من الألفاظ والتراكيب ما لا عَدَّ له، فقد تحيا كلمة في المغرب، بينما تموت في المشرق، والعكس واقع أيضا؛ وارتأى أن يبدأ بتقديم كلمات من المغرب الأقصى لها مدلول خاص، نشرها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، وكان هدفه من وراء ذلك أن يربط الصلة بين المدلول الاصطلاحي لتلك الكلمات والمدلول اللغوي، فهو يرى أن “دائرة اللغة أوسع من دائرة القواميس”[5].
لقد اكتشف عبد القادر زمامة أن اللهجات المحلية تحوي ألفاظا ومصطلحات حيّة ماتت في المعاجم والمراجع، ولكنها عربية المبنى والمعنى، وإن لم تكن قاموسية، وقد وجد في الأمثال العامية مادة خصبة في ذلك، فنشر من الأمثال المغربية ما طوته الأيّام، ونبّه إلى أن فيها كلمات فصيحة تقرّ بها الأعين، وتطمئنّ لها الأنفس الغيورة على لغة الضاد؛ وقد جمع له السعيد بنفرحي دراساته عن الأمثال المغربية، في كتاب بعنوان: (الأمثال المغربية: دراسات ونصوص).
ولم يكن غرض عبد القادر زمامة من جمع الكلمات المحلية إحياء اللهجة العامية على حساب اللغة العربية، بل كان يهدف إلى خدمة اللغة العربية بإحياء ما أماتته المعاجم من الألفاظ الفصحى، ذلك أنه عند بحثه اللغوي والعلمي وجد كلماتٍ عربية -غير قليلة- قد أُهملت من لدن الباحثين، ولاسيما رجال المعاجم والمراجع، فهبّ لسدّ هذه الثغرة بالتحقيق اللغوي، ولا يُظَنُّ أنها عملية يسيرة، بل تطلّب ذلك استقراء وتتبّعا لأصل الكلمة عند المؤرخين والرحالين واللغويين والموثقين، فأحصى الكلمات ودرس الألفاظ والتعابير المستعملة حاليا ليبيّن أصل الكلمة العربي؛ فقد كان يحترم قواعد البحث العلمي، ويطبّق آدابه في دراساته، ويتوسّل بمناهجه للوصول إلى النتائج والحقائق.
وكان يشرح للقراء ما توصّل إليه من نتائج في بحوثه[6]، وكثيرا ما انتهى إلى أن تلك الكلمات التي سرت على ألسنة الناس هي كلمات عربية المبنى والمعنى، رغم أنها سقطت من القواميس.
كما أنه اهتمّ بأسماء الحِرَف والمِهن في مدينة فاس، وجعلها مادة خصبة للبحث والدراسة، ورأى أن الاستعمال اليومي لأسماء تلك الحِرف يُحيي من المفردات والتعابير ما لا تُحييه المعاجم والمجامع، وكان هدفه من جمعها هو تجلية زوايا اجتماعية ولغوية تستحق الدراسة والبحث.
وقد توصّل بعد جمعه لأسماء الحِرَف والصناعات، وتبويبها وتقسيمها إلى أن “اللهجة المغربية كانت وما تزال عربية في أصولها وفروعها”[7]، ويؤكد ذلك الدكتور إبراهيم حركات، الذي ذهب إلى أن المغرب لم تفسد لهجته بقدر ما فسدت في مناطق أخرى، وذلك بحكم وفود العرب الفاتحين عليه، ثم هجرة بني هلال وبني سليم، فضلا عن تأثره بالأندلس في الميدان الاجتماعي واللغوي، فاستعملت بذلك اللهجة المغربية ألفاظا عريقة في الفصاحة[8].
وكم كان أمل الأستاذ عبد القادر زمامة أن تجد فكرته في ربط الصلة بين المدلول الاصطلاحي للكلمات ومدلولها اللغوي صداها لدى الباحثين، لتقديم لغة محدّدة الألفاظ والمعاني، وإخراج مجامع جامعة للتراث العربي.
وظل عالمنا الأديب مقدّما للبحوث والدراسات، إلى أن انزوى عن عالم الناس لما أعياه المرض، وكانت وفاته يوم 19 أكتوبر من عام 2019م؛ ويبدو أنه لَمْ ينل ما يستحقه من الاهتمام الذي يليق به، والحفاوة بأعماله، ودراستها من لدن الباحثين.
وسيبقى لعبد القادر زمامة فضل لا يُنكر في ترشيد الفكر، وتنوير الوعي، وتحقيق التراث، وخدمة اللغة العربية، فهو في طليعة الأدباء والمفكرين الذين حملوا مشعل الثقافة الهادفة، ونشروا لواء الفكر السديد.
[1] – الوجادات (1)، عبد القادر زمامة، مجلة دعوة الحق، العدد 95.
[2] – له قصص منشورة، من بينها:
– قطعة من قلبين، مجلة آفاق، العدد 4، أكتوبر 1963م، ص 50، 56.
– إنه من أهل الجنة، نقلا عن: المفيد في اللغة العربية، السنة الأولى من التعليم الثانوي الإعدادي، ص 28، 31.
[3] – انظر ما كتبه عن الثقافة من رؤية تاريخية في مقاله: الثقافة المغربية من منظور تاريخي، مجلة المناهل، العدد 35، دجنبر 1986م، ص 213، 220.
[4] – انظر: مع بيتي الرقمتين أيضا، عبد القادر زمامة، مجلة المجمع العلمي العربي، ج 3، المجلد 67، يوليو 1992م، ص 411. (بتصرف يسير).
[5] – كلمات من المغرب الأقصى، عبد القادر زمامة، مجلة المجمع العلمي العربي، ج 2، المجلد 40، أبريل 1965م، ص 423.
[6] –
[7] – أسماء الحِرف المعروفة في مدينة فاس، عبد القادر زمامة، مجلة اللسان العربي، العدد 4، يناير 1966م، ص 92.
[8] – انظر: الدارجة المغربية أفصح اللهجات العربية، د. إبراهيم حركات، مجلة اللسان العربي، العدد 4، يناير 1966م، ص 33، 34. (بتصرف يسير).