منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مركزية السياق في العلوم الشرعية

مركزية السياق في العلوم الشرعية/ عبد الحليم زوبير

0

مركزية السياق في العلوم الشرعية

The centrality of Context in Jurisprudence Sciences
ذ. عبد الحليم زوبير

باحث في المستجدات الفقهية المعاصرة – جامعة القاضي عياض- مراكش – المغرب

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 

ملخص:

يشكل السياق أحد الأركان الأساسية التي ينبني عليها الفهم السليم للنص اللغوي، وليس الخطاب الشرعي خارجا عن هذه القاعدة، سواء تحدثنا عن السياق الداخلي لعموم الخطاب الشرعي حيث يجمع السياق الخطاب ليجعله وحدة منسجمة يصدق بعضها بعضا، مهما اختلفت المناسبات والأسباب والموضوعات، أو تحدثنا عن السياق الداخلي للنص الواحد الذي ينظم مفاصل النصوص نظما مستقيما منسجما بعضه مع بعض ويؤدي بعضه لبعض، أو تحدثنا عن مجموع الأحداث والظروف المحتفية بالخطاب الشرعي، وقد انشغل العلماء بالسياق في مباحث كثيرة دون أن يسموه بهذا الاسم، فاشتغل به المفسرون في مباحث أسباب النزول والتناسب بين الآيات والسور، واشتغل به الأصوليون في مباحث العلة والتعارض والترجيح..، كما اشتغل به المحدثون في مباحث أسباب ورود الحديث وتراجم الرجال..
والمتأمل في كثير من التحريفات التي لحقت النصوص الشرعية يدرك أن جانبا كبيرا من تلك التحريفات مرده إلى عدم تفهم سياق النصوص، فالانتباه إلى سياق النص عند تأمل المعنى جدير بأن يجنب الباحث والداعية وطلبة العلم الشرعي كثيرا من مزالق الفهم، وهذا ما حاولت هذه الورقة الإسهام فيه.

كلمات مفتاحية: السياق، الفقه، العلم، سوء التفاهم، الخطاب، العلماء.

Abstract:
Context is a one of the pivotal pillars of a sound understanding of linguistic texts. The Islamic religious discourse is no exception whether we mean the internal context of the whole religious discourse. Since context brings the discourse together into a valid harmonized unity whatever the situations, factors or topics; or we mean the internal context of a single text that organizes the parts of texts in a cohesive and coherent manner, or we mean a set of events and circumstances that surround jurisprudence discourse. Many Muslim scholars worked on context, without naming so, thus, interpreters of Qur’an worked on it to account for the occasions for revelation and the proportionality of verses and chapters. Fundamentalist Muslim Scholars also used this method in research areas such as motives, contradictions and preponderance in addition to prophetic traditions’ scholars who worked on context to query reasons for conversing the Hadith and biographies of people who reported it. That is why, any reflection on many distortions that tainted jurisprudence texts could realize the result of misunderstanding the context. Paying heed to the context of texts while grappling with meaning would prevent researchers, preachers and students of jurisprudence from misunderstandings of texts. This paper seeks to contribute to grasp how context is pivotal to text.
Keywords: Context, Jurisprudence, Science, Misunderstanding, Discourse, Scholars.

تمهيد: مفهوم السياق وأنواعه:

أولا: مفهوم السياق:

السياق من ساق يسوق سوقا، فأصل ماضيه سوق. ومصطلح السياق يدل في اللغة على الانسجام، والتوافق، قال ابن فارس: السين والواو والقاف أصل واحد، وهو: حدو الشيء، يقال: ساقه يسوقه سوقا، والسيقة: ما استيق من الدواب، والساق للإنسان وغيره، والجمع سوق، إنما سميت بذلك لأن الماشي ينساق عليها.
أما السياق في الاصطلاح فيتحدد بحسب موضوعاته، والجامع بينها الوحدة والانسجام، فاللغويون يعتبرون أن الجملة لها سياق خاص وعام، فالسياق الخاص هو التركيب باعتبار الجملة جزءا من بين جمل أخرى تكون النص، فقراءتها لا تتسق بدون قراءة السابق واللاحق من تلك الجمل والأفكار، لذا فالسياق بعبارة خاصة «في مجال تحليل الخطاب هو سلسلة الأفكار التي تجسد نصا ما، وبالتحديد فإن السياق هو: مجموع النص الذي يحيط بالجملة، التي يراد فهمها». وبتعبير عام فالسياق هو: «المحيط الذي أنتجت فيه العبارة.».

ويعتبره علماء الشريعة «ما ساق الشارع الخطاب من أجله»وسماه العلامة البقاعي في مؤلفه الماتع نظم الدرر في تناسب الآيات والسور الذي أثار فيه أهمية السياق في فهم كلام الله تعالى بمفهومه العام والخاص، علم المناسبات، معرفا إياه بأن «علم المناسبات -من مناسبات القرآن وغيره- تعرف منه علل الترتيب، وموضوعه: أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته، من حيث الترتيب، وثمرته: الاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بسبب ماله بما وراءه وأمامه من الارتباط والتعلق الذي هو كلحمة النسب». وهو تعريف على طريقة المتقدمين، حيث لم يركز على تحرير مصطلح السياق اكتفاء بذكر وظيفته في فهم النص.

ويفيدنا هذا النص الوعي المبكر لكبار العلماء بالسياق وضرورة أن تكون الشريعة كلا لا يتجزأ، ومنظومة يناقش كل بعد منها باستحضار الأبعاد كلها؛ حتى أن البقاعي أضفى عليه صفة العلمية بكل ما تستلزم هذه الصفة من مبادئ العلوم التي حددها العلماء. وذلك من خلال:

1 – تسمية هذا العلم علم المناسبات، والتسمية من لوازم استقلالية العلم.

2 – التنصيص على ثمرته، والتي حددها في أمرين: تعرف علل الترتيب، والاطلاع على الرتبة التي يستحقها الجزء بارتباطه بالكل.

3 – التنصيص على موضوعه باعتباره: أجزاء الشيء المطلوب علم مناسبته من حيث الترتيب.

ويمكننا أن نضيف بأن تعرف الترتيب الذي يفيده علم المناسبات كما عبر البقاعي رحمه الله، والاطلاع على الرتبة التي يستحقها كل جزء، باعتباره ثمرة هذا العلم، ما هو في نهاية الأمر إلا وسيلة لثمرة أكبر منها وهي: فهم المقصود الشرعي من نصوص الوحي، ولا سيما عند التعارض، ولا يحصل ذلك إلا باعتبار سياق المكلف عند تقرير الأحكام. وكما فعل البقاعي من علماء التفسير فعله قبله الجاحظ الذي اهتم بالسياق في تصور المعنى الحقيقي للعبارة، فاستعمل مصطلحات منها «الموضع والمقدار والأقدار والمشاكلة والمطابقة والاقتضاء والظرف، وجميعها.. فروع عن أصل ثابت في تفكير اللغويين العرب، -وإن لم يتبلور على الصعيد الاصطلاحي- هو فكر المناسبة والملائمة.».

ثانيا- أنواع السياق:

والسياق أنواع، أو هو شعب بتعبير الدكتور إقبال عروي: «فمنه –فيما يتعلق بتفسير القرآن- شعبة السياق النصي القريب، وهو التراكيب السابقة واللاحقة للعبارة المراد فهمها، أو إفهامها.

وشعبة السياق المقامي، وهو الداخل في مفهوم أسباب النزول، وشعبة السياق الكلي للخطاب، ويتمثل في استحضار الوحدة النظمية والدلالية للقرآن الكريم، وشعبة السياق المقاصدي للخطاب القرآني، وهو الدائرة الكبرى التي تستوعب الدائرتين السالفتين وتتعداهما إلى مقاصد القرآن في العقيدة والشريعة والتربية والعمران». وقد اعتنى علماؤنا بالنوع الأول عندنا في مباحث سيأتي بيانها، منها مباحث الوقف والابتداء عند علماء القراءة، فقطع الآية عما بعدها أو ما قبلها أحيانا يعكس المعنى المراد، كما منعوا الوقف –اختيارا- على المصلين في قوله تعالى: «فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون» (الماعون: (4، و «فأكله» في قوله تعالى في سورة يوسف: «إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب» (يوسف: 17).

وأما الشعبة الثانية فهو «سياق الحالة الذي يضم مجموع الظروف والوقائع خارج لسانية كالظروف النفسية والاجتماعية والثقافية والتي بداخلها يجري حدث التواصل، كما يجري حدث التلقي، ومن ثم يمكن التمييز بين السياق اللساني والسياق الحالي» وهو مرجع كل التحولات التي تطرأ في فهم النص وإنتاجه، والنوع الثالث وهو السياق الذي يستحضر الوحدة النظمية للخطاب، فهذا أيضا مزلق كثير من المتصدين للفقه، ولا سيما من المتأثرين بمنهج أهل الحديث، الذين يركزون على صحة الخبر لذاته، بعيدا عن موقعه من النظم العام، للكتاب والسنة.

وقد اعتبر العلامة البقاعي أن إغفال هذا النوع من السياق، يشوش على المتدبر للقرآن، وينغص عليه تلذذه ببعض المعاني المتفرقة التي يحتاج فهمها أن تصهر في وحدة كلية، ليظهر الإعجاز في النظم كما ظهر في العبارات والألفاظ. قال: «ثم إذا عبر الفطن من ذلك (أي إعمال النظر في كل آية على حدة) إلى تأمل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض، متنائية المقاصد، فظن أنها متنافرة فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط، وربما شككه ذلك وزلزل إيمانه».

ومن مباحث السياق التي يجدر بنا الإشارة إليها ولو بشكل موجز جدا المقام، ذلك أن فهم الخطاب الشرعي، أو إنتاج الحكم الشرعي يحتاج وعيا بالمقام، «ومقامات الكلام الأمور المقتضية لاعتبار خصوصية ما في الكلام.. وإذا اختلفت المقامات لزم اختلاف مقتضيات الأحوال، لأن اختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات» فالنبي صلى الله عليه وسلم يتحدث بمقامات مختلفة وهي صفات واختصاصات مجموعة في شخصه الكريم، وهو ما لا يتأتى لمن بعده، فلزم أن يعرف شارح كلامه عن أي مقام يصدر، كما هو مطلوب ممن ينوب منابه، أن يعرف من أي جانب هو ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام القرافي رحمه الله: «اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الإمام الأعظم والقاضي الأحكم، والمفتي الأعلم..

فجميع المناصب الدينية فوضها الله تعالى إليه في رسالته.. ثم تقع تصرفاته صلى الله عليه وسلم: منها ما يكون بالتبليغ والفتوى إجماعا، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالإمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه، لتردده بين رتبتين فصاعدا.. ثم تصرفاته صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف تختلف آثارها في الشريعة». فمراعاة السياق الذي يتحرك فيه المفتي، محدد لطبيعة الحكم الذي يفتي به، فإنه إن أفتى مثلا في أمر يخص الحاكم فقد تجاوز حده، لأنه في وضعه لا يمكنه أن يتصور مواقع تنزيل تلك الفتوى، لأن قراءة تلك المواقع، وحسن تفهم تنزيل الحكم يحتاج أمورا لا تتوفر لغير الحاكم، كالعمل الاستخباري، والتقارير المتخصصة من لجان متخصصة، وغيرها من الأمور التي يستعين بها الحاكم قبل اتخاذ القرار.

ويسهم مراعاة مقام المتكلم في إبراز الأحكام الشرعية باعتبارها وحدة متجانسة يؤدي بعضها إلى بعض، ويصدق كل جزء منها باقي الأجزاء، وإلا تعرضت أحكام الشرع للسخرية، بسبب العرض الجافي عن مراعاة السياق ومقامات الكلام، والعقل السليم –فضلا عن عقل المسلم المشبع بتعاليم الوحي- يعرف بداهة أن مقام الهزل يباين مقام الجد و»مقام الكلام ابتداء يغاير مقام الكلام بناء على استخبار، أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار.. وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر.».

وحاصل الكلام: فالسياق هو الواقع، الذي لا يرتفع، ولا ينبغي للمجتهد ولا لمفسر كلام الله تعالى والمفتي رفعه قسرا، لأنه جزء من الحكم، فتجريد الحكم من واقع المكلف غير مستساغ في هذا العصر الذي أصبحت الدراسات المتخصصة تدقق في السياق باعتباره وجها واضحا للواقعية التي اتجهت إليها العلوم الحديثة، وليست العلوم الإسلامية بمنأى عن الواقعية التي عرفها أحد أعلام المعرفة الإسلامية بأنها: «في الإسلام تعني مراعاة واقع الكون، من حيث هو حقيقة واقعية، ووجود شاهد، ولكنه يدل على حقيقة أكبر منه، ووجود أسبق من وجوده، وهو وجود الواجب لذاته، وهو وجود الله الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا.». أي: إن مراعاة الواقع عنصر مهم في العلوم الإسلامية كما هو عند الآخرين، لأن المكلف المخاطب بالشريعة يعيش الواقع بكل تفاصيله على وجه المساواة، لا فرق بين المؤمن وغيره، ولا يتميز المؤمن إلا بنظرته للواقع باعتباره، دالا على وجود الله تعالى، محفزا على الاعتبار بما وراءه من حقائق، محجوبة عن غير المؤمن، فيكون السياق بهذا المعنى هو الواقع الذي «تجري عليه حياة الناس في مجالاتها المختلفة، من أنماط في المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجد فيها من نوازل وأحداث.».

المبحث الأول: مركزية السياق في المعارف الإسلامية

يعتبر السياق عنصرا هاما في الآلة المنهجية للتشريع الإسلامي من أول يوم، ولئن تأخر الاعتناء بالسياق باعتباره مصطلحا، أو علما مستقلا، فذلك راجع إلى أمرين: الأول: سيرورة طبيعية لنمو العلوم الإسلامية واستقلال بعضها عن بعض، وثانيها راجع إلى قصور بعض المشتغلين بالعلوم الإسلامية، فجردوا بعض العلوم من سياقها، فهذا خطأ أعيان، ولم يكن من مناهج الشريعة الإسلامية والسواد الأعظم من أعلامها، في عصور الازدهار. ويحسن بنا أن نلقي نظرة حول اعتبار السياق في الشريعة الإسلامية بمصدريها الكتاب والسنة، قبل التعريج بمحورية السياق في عمل الخلفاء الراشدين:

المطلب الأول: اعتبار السياق في الخطاب القرآني

حفل القرآن الكريم بإشارات بالغة الأهمية التي تدل على أن السياق جزء لا يمكن تغييبه في أي عمل تشريعي، أو دعوي إصلاحي، وأتوقف هنا عند ثلاثة ملامح من ملامح اعتناء القرآن بالسياق:

1-مراعاة التدرج في التشريع:

لم يكن التدرج في تحريم بعض الأمور التي كانت راسخة في المجتمع العربي، إلا مراعاة للسياق الاجتماعي، الذي يحكي القرآن بين ثنايا آي التشريع كثيرا من جوانبه النفسية والسياسية والاقتصادية وغيرها، كقوله تعالى: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر» (آل عمران:159). فالمجتمع العربي لم يكن سهل المراس، ولم يكن قبل الإسلام مجموعا على رئاسة، بل كان منسابا في الصحراء يحتكم إلى الأعراف التي كانت في كثير منها استجابة للهوى العربي الذي يأبى التقيد بشرع، فكان أن سلك الإسلام سنة التدرج التي يعطي بها لذلك المجتمع جرعة من الإصلاح وينتظر حتى يستسيغها وتحل محل أدواء كثيرة رسخت في مجتمع ونفوس العرب، ويكفي أن نذكر بآيات الخمر، الذي لم تكن خطورته من الناحية التشريعية فيما يؤدي إليه الإسكار من سلوكات غير واعية وحسب، بل خطورته الكبرى تكمن فيما كان العرب يحيطون به الخمر من عوائد التقدير، والإكبار، ومن يلقي نظرة على الشعر الجاهلي يجد أذكى الشعراء وأكثرهم حكمة يعتبر الشرب والإنفاق فيه وارتياد الخمارات وعقد مجالس للخمر من محاسن العادات، ومن علامات الجود والكرم، فلم يكن بالإمكان غير ما فعله القرآن الكريم من طرح قضية الخمر أولا ببعدها السلبي وما يبدوا من أبعادها الايجابية، فقال تعالى: «يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس» (البقرة:117)، ولا سيما أن العقل العربي بعد أن خالطه الوحي أخذ مصطلح الإثم في الآية مأخذ الجد، حتى إن عمر بن الخطاب كان يتوسل إلى الله تعالى أن ينزل في الخمر بيانا شافيا، ينهي أمره، وقد كان الأمر كذلك، ولكن بعدما تهيأت النفوس لذلك التشريع الجديد.

ومن الإشكالات الفقهية المترتبة على هذا البعد التدريجي في القرآن الكريم، قضية العبيد التي سلك فيها القرآن مسلكا يؤدي إلى وأدها خلال القرن الأول الهجري، وإعلان الرق جريمة يعاقب عليها الإسلام، ولكن قصور المسلمين الذين لم يستمروا في سياق التدريج الذي سنه القرآن الكريم، ونكوص العرب في فترة بني أمية إلى بعض النزعات الجاهلية التي أعادت للعصبية الاعتبار الذي وضعه الإسلام، وصار الفقهاء –للأسف الشديد- في مواكبة أحكام العبيد دون أن يتم الانتباه إلى مقصود الشرع من فتح تلك الأبواب الكبيرة في الكفارات وفي أعمال البر لإعتاق العبيد، حال دون تحقق ذلك في حضارة المسلمين.

2-وحدة الدين واختلاف الشرائع:

قال تعالى: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» (المائدة:50) فهذه الآية واضحة في أن هناك الثابت والمتحول حسب الأحوال والسياق، والثابت جملة هو الإيمان بالله وما يتعلق به، والمتحول ما يعالج قضية الإنسان من جهة معاشه وتحولاته الحضارية، وأوضاعه الاجتماعية، فلذلك أطبق المحققون من العلماء أن المقصود بالآية اختلاف الشرائع. قال الطبري: «قال قتادة: الدين واحد والشريعة مختلفة» ولا شك أن سياق بعثة المرسلين مختلف جدا، ولا سيما إذا قورن السياق العربي بغيره من سياقات بني إسرائيل والروم، ولذا لاحظ بعضهم أن اختلاف المعجزات التي ركزت عليها رسالة كل نبي لإثبات الإعجاز، مرتبط بالسياق الحضاري للأمم، وأن أي مخالف يمكنه أن يرد كل الروايات التي وردت حول بعض المعجزات، التي أجراها الله تعالى على يد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم-تشبه تلك التي جاء بها أنبياء بني إسرائيل لقومهم، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وعصى موسى، – كشق القمر، ونبع الماء بين أصابعه الشريفة.. وغيرها. ولكن لا يمكن لأحد أن يرد معجزة القرآن التي كانت العنصر الأهم في إعجاز العرب وإخضاعهم، وما ذلك إلا لأن السياق العربي يقدر الكلمة ونظم اللغة وأساليبها حد القداسة، فكان مناسبا لهذا السياق أن يكون القرآن في حد ذاته معجزا في لفظه ونظمه، بالإضافة إلى ما يتضمنه من تشريع محكم وأمهات الأخلاق وأخبار الأمم وغير ذلك. ولذلك رجح الإمام أبو جعفر الطبري هذا الرأي بعد أن أورد الرأي الآخر فقال: « وأولى القولين عندي بالصواب، قول من قال: معناه: لكل أهل ملة منكم جعلنا شرعة ومنهاجا». وذلك «لأن الشرائع العملية وطرق التزكية الأدبية تختلف باختلاف أحوال الاجتماع، واستعداد البشر، وإنما اتفق جميع الرسل في أصل الدين، وهو توحيد الله وإسلام الوجه له، بالإخلاص والإحسان».

المطلب الثاني: اعتبار السياق في السيرة النبوية

وكما هو الخطاب القرآني فالسيرة النبوية اهتمت بالسياق في تنزيل الأحكام، وراعت مستويات الوعي بأهداف الدعوة ومتطلبات المرحلة وأهدافها، ونقف عند ثلاثة ملامح لاعتبار السياق في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:

1- مراعاة مستوى الوعي بأهداف الدعوة الإسلامية:

لم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعا على قلب رجل واحد، بل كان سلوكهم الروحي وتفقههم في الدين يأخذ منحى تصاعديا، منذ اللحظة الأولى التي يعلن فيها الصحابي والصحابية خروجهما من الظلمات إلى النور، وكما تختلف الدفعة الأولى التي كانت السبب المباشر لتلك الولادة الروحية، من حيث قوتها، وأمدها، فقد كان الصحابة يسيرون بمقامات وأحوال مختلفة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسوس تلك النفوس المختلفة، ويتعهدها كلا حسب مستواه، وكانت نظرته صلى الله عليه وسلم دائما إلى الأمام، لا يستعجل نتائج الدعوة، ولا يحمل الناس على شيء مما لم تخالط بشاشته القلوب، وقد حدث كثيرا أن استعجل الصحابة أمورا، فيردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى جادة الأناة والحلم، والنفس الطويل الذي يعتبر من خصوصيات كل دعوة هادفة. تلك الأناة التي تلزم في انتظار أن ينضج السياق المناسب للحكم، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم ترك أمرا كبيرا من شعائر الدين لم يقم به في حياته مراعاة للسياق الذي لم يكن مناسبا لإحقاق تلك المصلحة، كما ورد في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم». فـ»النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيما، فتركها صلى الله عليه وسلم.». إن احتمال افتتان الناس بسبب هدم الكعبة، يعني في موضوعنا أن السياق لم يتغير إلى الحد الذي يمكن أن يصدر النبي صلى الله عليه أمرا شرعيا ويبادر أهل مكة للاستجابة دون أي تلكؤ، ولو تعلق الأمر بأهل المدينة –في تقديري- وفي بحبوحتهم الأنصار الذين تبوؤوا الدار والإيمان، لما تردد النبي صلى الله عليه وسلم في تنفيذ هذه المصلحة الشرعية، كما ورد في وقائع مشابهة، منها ما ورد عن عائشة رضي الله عنها في ثنائها على نساء الأنصار قالت: «لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجور أو حجوز شك أبو كامل فشققنه فاتخذنه خمرا.». وكما روى مسلم في تحريم الخمر: عن أنس بن مالك قال: «كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر،.. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها فهرقتها.». فالسياق حاكم لضمان ألا تنفر النفوس، إذا حملت على ما لا تعرف، فمن الأحكام المستفادة من حديث تغيير قواعد الكعبة السالف ذكره: أن الراعي –وهو هنا المجتهد الذي يرعى الحالة الروحية والتشريعية للأمة- يتألف «قلوب الرعية وحسن حياطتهم، وألا ينفروا، ولا يتعرض لما يخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكن فيه ترك أمر شرعي.».

2-مراعاة موازين القوى في مواجهة الأعداء:

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو الموعود بالنصر على الأعداء، لا يتوانى في قراءة الواقع كما هو، ويحسب حساب القوة التي يمتلكها المسلمون وتلك القوة التي يمتلكها العدو، ويتخذ كل الأسباب لئلا يلقي بأصحابه في أتون حرب لا قبل لهم بها، وهذا بعد آخر للسياق عندما يتخذ طابعا دوليا، ويصبح ترتيب الأعداء وتشتيت جبهة التحالف ضد المسلمين مقصودا شرعيا، لأن مجرد أن يكون الإسلام على حق لا يعفيه من استحقاقات الواقع الذي يميل يمينا ويسارا، ويطلب للمجتهد –وهو في صلب التشريع الدولي- أن يجد في معرفته الأصولية ما يحصن به عدة المسلمين وعددهم، ولا يرمي بهم في أخاديد النار بخطاب حماسي تحريضي إذا ثبت أن موازين القوة العسكرية ليست لصالحهم، كما أورد ابن هشام في غزوة الخندق «فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إلى عيينة بن حصن.. وإلى الحارث بن عوف.. وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه.. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا يا رسول الله:.. شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما.».
ولئن خالف الأنصار مقترحه صلى الله عليه وسلم -بعدما تأكدوا أنه ليس وحيا أوحي به لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو الرأي والحرب والمكيدة- فمجرد اقتراحه صلى الله عليه وسلم ذلك دل على أن المجتهد لا ينبغي له أن يتجاهل السياق الذي تتنزل فيه الأحكام، وأن خطوة واحدة إلى الوراء من أجل خطوات أخرى إلى الأمام من صميم الفقه الذي يضطلع به المجتهد، كما أن المقترح النبوي هذا كشف جانبا آخر من السياق الذي يخص قرار الحرب، وهو مستوى اللياقة الروحية، والاستعداد للتضحية والتحمل لدى الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ما ينبغي أن يشغل بال المجتهد حين يتصدى لمهمات الاجتهاد الكبرى.

3- الحذر من الإشاعة المغرضة وتأثير المرجفين

كم يحتاج المجتهد من الحكمة والوعي بالسياق، لينطق بالحكم المناسب في الوقت المناسب حسب الظرف المناسب؟ هل المجتهد معني بأفهام الناس؟ أم يعنيه فقط أن يكون أمينا في تأصيل الحكم الشرعي بمنتهى الصدق؟ هل ينكب المجتهد على مدوناته يستخرج منها الحكم ليجد طريقه إلى النشر؟ لا يراجع كيف ستتلقى وسائل الإعلام -غير المهتمة أصلا بالحكم الشرعي والمعادية- ذلك الحكم..؟. إن الإعلام أصبح سلطة كبرى في واقع الناس هذا، والدعاة عموما والفقهاء على وجه الخصوص –في غالب الأحوال- إما أنهم لا يتعاملون مع الإعلام أصلا، وهو ما يئد أفكارهم ويحد من تأثيرها على جمهور المتلقين، وإما أنهم يتعاملون مع جماهير الإعلام كما يتعاملون مع عدد محدود من طلبتهم في مجلس هادئ لا ينازع فيه الشيخ الكلام، وهو ما يحول آراء الفقهاء إلى مادة دسمة للسخرية الإعلامية، مع كامل الأسف.

والمتأمل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ بسهولة تحرزه صلى الله عليه وسلم من الإشاعة التي يتخذها المنافقون لشق صف المسلمين، وكما كان صلى الله عليه وسلم يعتبر سياق الشرك الصراح عند أهل مكة، فإنه يعتبر سياق النفاق في المدينة، بكل ما يعني النفاق من مركز قانوني لصاحبه يحصنه من متابعة قضائية تسلبه حقوقه، باعتباره فردا من أفراد الجماعة المسلمة، ولهذا صور عدة في سيرته وسنته صلى الله عليه وسلم، نكتفي بما ورد في قصة عبد الله بن أبي الذي حاول الإيقاع بين الأنصار ورسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغل حادث تخاصم رجل من الأنصار وآخر من المهاجرين فحرض قومه قائلا: «أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: مر عباد بن بشر فليقتله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا، ولكن ائذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها.». لقد استحضر النبي صلى الله عليه وسلم مسار الحادثة في وعي عامة العرب الذين لن تفسر لهم الإشاعة أسباب قتل ابن أبي، وإنما ستلخص القضية في أن محمدا يقتل أصحابه.

المبحث الثاني: مظان السياق ومباحثه في العلوم الشرعية

لا يخلو علم من العلوم الشرعية إلا واهتم علماؤه بالسياق، فكل علم يراعي من السياق ما تنسلك به مسائله في سلك متجانس منظم، فعلم الأصول مثلا يتناوله في باب التعارض والترجيح ومباحث الألفاظ والدلالات التي لا يمكن أن تنسلخ عن سياقها إلا إذا فقدت اللغة هويتها وأصالتها، وهذا ما نجده عند علماء الحديث في علم الرجال وأسباب ورود الحديث وسواه، كما توجد مباحث مهمة للسياق في هذه العلوم منها ما يتعلق باللفظ وموقعه في النظم، ومنها ما يتعلق بالمقام وأغراضه وأحوال المتكلم والمخاطب، ومنها ما يتعلق بالسياق المقاصدي العام وما يتعلق بكليات الشريعة وروح الدين الإسلامي، وهي كلها ضوابط خطيرة في تحديد الدلالة واستنباط الحكم:

المطلب الأول: مظان السياق في العلوم الشرعية

لا يشك منصف أن علوم الشريعة لم تنفصل عن سياقها يوما منذ تأسيسها، بل إن تأسيسها واستقلالها وتمييز مباحثها، يرجع الفضل في جانب كبير منه إلى تعامل العلماء مع السياق، فلو كانوا في غفلة عن السياق ما استطاعوا تأسيس علوم غدت بعدهم منابع للمعرفة الإنسانية في كل المجالات، وحيث إن تلك العلوم جميعا تتضمن الإرهاصات الأولى لنظرية السياق -وإن لم تتبلور في مبحث خاص، ولم تفرد بفن خاص- فإن استقصاء السياق في مظانه الشرعية أمر متعذر، في مناسبة كهذه التي لا تتوخى الحديث عن السياق في حد ذاته، وإنما بقدر ما يساعد على تعرف ملامح السياق المعاصر الذي لا بد منه لتعرف هويات المسالك الفقهية المعاصرة، وأسرار اختلافها، كل ذلك يحتم اختزال الحديث عن السياق في إشارات دالة نمهد بها للمقصود من البحث.

إن الشريعة الإسلامية متناسقة في نفسها، متساوقة مع محيطها، قال الإمام الشاطبي عن تناسق الشريعة في نفسها: «الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك.». هذا التناسق حمل العلماء الذين تصدوا لخدمة الشريعة على الاهتمام بالسياق، فلا يكاد مبحث من المباحث العلمية سواء تعلق الأمر بعلوم الآلة أو علوم المقاصد من حديث عن نوع من أنواع السياق سواء سمي باسمه أو عدل عنها إلى تسمية أخرى مثل المناسبة والموافقة والملائمة وغيرها.. وسأعرض في هذا الفرع نماذج من مظان السياق في العلوم الشرعية التي يمكن لمن شاء تعميق البحث فيها، في أفق تأسيس ما يراد أن يكون نظرية السياق في العلوم الشرعية. وسأكتفي بعرض هذه النماذج من ثلاثة حقول للمعرفة الإسلامية: هي السياق في علم أصول الفقه، والسياق في علوم القرآن، والسياق في علوم الحديث:

أولا- السياق في علم أصول الفقه:

يمكن القول بأن أهم المجالات العلمية التي استعمل فيها السياق هو مجال علم أصول الفقه، حتى إن ابن القيم رحمه الله في نقل سابق –في المطلب قبل هذا- اعتبره من جملة هذا العلم، كونه: يرفع الاحتمال والاشتراك والعموم والإطلاق بين الألفاظ، وحسب قراءة سريعة لأصول الفقه تبين أن علماء هذا الفن اهتموا بالسياق من خلال مباحث كثيرة، أهمها:

1-مبحث التعارض والترجيح:

فقد أجمع كل من كتب في أصول الفقه أن الترجيح بين نصين متعارضين يعتبر –من بين ما يعتبر فيه- سياق الرجال وسياق المتن، والسياق العام للشريعة بغض النظر عن صحة السند والمتن في حد ذاتهما: فذكروا السياق باعتباره مرجحا لسند على آخر، كما ذكروه باعتباره مرجحا من مرجحات المتن:

أ-السياق مرجحا من مرجحات السند

ومما ذكروا في السياق باعتباره مرجحا لرواية بعض رجال السند: «أن يكون راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة، تلبس بها، وراوي الخبر الآخر أجنبيا فيتقدم خبر صاحب القصة، لأنه أعلم بظاهرها، وباطنها، وأشد إيقانا بحفظ حكمها.». ومثل له التلمساني في مفتاح الوصول بحديث أبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال، التي تعارض حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حرام، فرجح المالكية حديث أبي رافع لأنه جاء في آخر روايته: « وكنت أنا السفير بينهما». وبهذا الاعتبار يرجحون روايات أمهات المؤمنين في ما يتصل بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة، كما «قدموا خبر عائشة في التقاء الختانين على خبر من روى: لا ماء إلا من الماء».

ب-السياق مرجحا من مرجحات المتن:

ورد اعتبارهم للسياق في نقد متون الحديث وترجيح بعضها على بعض في صور، بين مكثر منهم ومقل، ومنها ما ذكره أبو الوليد الباجي: «أن يكون أحدهما (أي المتنين المتعارضين) ورد على سبب، والآخر على غير سبب، فيقدم ما ورد على غير سبب، على الوارد على سبب، لأن معارضته للخبر تدل على أنه مقصور على سببه.». فالحديث الذي ورد لسبب معين يعني أن سياقه معروف، فإذا وجد خبر يعارضه لم يذكر له سبب يمكن أن يربط بأي سياق مناسب درءا للتعارض ومثال ذلك ما ورد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما إهاب دبغ فقد طهر.» حين مر بشاة ميتة، فيرجح قوله في حديث آخر: «لا تنتفعوا من الميتتة بإهاب ولا بعصب» فيكون الحكم حرمة الاستمتاع بأجزاء الميتتة إلا جلد ما يؤكل لحمه.

ج-أثر السياق العام في ترجيح الأخبار

ويعتبر السياق أيضا، لتنسيق الأخبار وجعلها منسجمة، اعتبارا لما أسلفنا من قول الشاطبي بأن الشريعة منسجمة في أصولها وفروعها، وهو من السياق الداخلي اللفظي للنص، وهو الجمع بين الأخبار، بطريقة التنسيق، وعدد أبو حامد من هذا النوع خمسة أنواع، وسماها مرجحات خارج السند والمتن، ومنها: «كيفية استعمال الخبر محل الخبر، كقوله لا نكاح إلا بولي، مع قوله: الأيم أحق بنفسها من وليها، لأنا نحمل ذلك على أنها أحق بنفسها في الإذن لا في العقد.». فيعمل بكل خبر في سياقه.

2-مبحث العلة:

عندما ينشغل المجتهد بتعيين الوصف المناسب ليكون علة للحكم، فإن مناسبة الوصف –المطلوبة له- تعني انسجامه مع الموضوع الذي سيق له الخبر، وعرف التلمساني المناسبة بكونها: «أن يكون في محل الحكم وصف يناسب ذلك الحكم. مثاله: تحريم الخمر، فإن فيه وصفا يناسب أن يحرم لأجله، وهو الإسكار المذهب للعقل، الذي هو مناط التكليف». كما قسموا القرائن التي ترجح أحد الأوصاف المحتملة لاعتبارها علة إلى ثلاثة أنواع هي: القرينة اللفظية والقرينة السياقية والقرينة الخارجية، والواقع أن هذه القرائن كلها تمثل وجها من أوجه السياق:

أ-القرينة اللفظية:

القرينة اللفظية يقصدون بها اعتبار سياق الكلمة ومدلولها المعجمي في اللغة العربية، فلذا رجح بعض المالكية: أن المراد بالقروء في قوله تعالى: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» (البقرة: 228) الأطهار لا الحيض، لأن قروء جمع مذكر فلذلك ورد عدده ثلاثة مقرونا بتاء التأنيث، كما يقال ثلاثة أطهار، وإنما يقال في الحيض ثلاث حيض، بدون تاء، لأنه جمع مؤنث. فهذا من السياق الداخلي اللفظي القريب.

ب-القرينة الخارجية:

وأما القرينة الخارجية فيقصدون بها اعتبار باقي النصوص التي لها علاقة بالموضوع، في تعيين المقصود، كما أضاف المالكية من هذا المنطلق أن المراد بالقرء في الآية السالفة: الطهر، باعتبار أن لفظ الآية يفيد أن عدة المطلقة تعقب طلاقها، والمرأة لا تطلق إلا في طهركما في حديث عمر…

ج-القرينة السياقية:

والمراد بها اعتبار سياق الآية، وربط السابق باللاحق في النص ذاته. ومثاله: اختلافهم في المخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: «وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين»(الأحزاب: 50). هل يجوز انعقاد النكاح بلفظ الهبة أم هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم. فيقول الحنفية وبعض المالكية: «سياق الآية يرجح أن المراد ملك البضع، وذلك أن الآية سيقت لبيان شرفه صلى الله عليه وسلم، على أمته، ونفي الحرج عنه، ولذلك قال: (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج» (الأحزاب: 50) ولا شك أن الشرف لا يحصل بإباحة لفظ له، وحجره على غيره، إذ ليس في ذلك شرف..».
فتلخص من ذلك أن السياق من حيث هو كاشف عن ظروف المفتي والمستفتي، معتبر أصوليا.

ثانيا: السياق في علوم القرآن:

يمكن ملاحظة اعتناء العلماء بالسياق في علوم القرآن، من خلال اعتنائهم بأسباب النزول، والمكي والمدني، باعتباره سياقا مقاميا لآي القرآن، وفن التناسب بالآيات الذي أصبح بعد البقاعي، يسترعي المشتغلين بعلوم القرآن، كما نجد اعتناء المفسرين بالسياق الداخلي للنص، ولكثرة المباحث وتفرعها نكتفي بالإشارة إلى اعتناء العلماء بالسياق المقامي والداخلي للنص:
1-السياق المقامي في علوم القرآن:
يمثل اهتمام العلماء بأسباب النزول، والحرص على التفريق بين القرآن المكي والمدني، التطبيق العملي للسياق المقامي، وقد نزل القرآن الكريم على مدار نيف وعشرين سنة، منجما حسب السياقات الدعوية، والمراحل الجهادية والتشريعية لجماعة المسلمين الأولى، قال تعالى: «وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث» (الإسراء: 106)، وربط الله تعالى هذا التنجيم بمقصد تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: «وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا» (الفرقان: 232) ذلك أن البيان القرآني يحمل في كل نجم من أسرار التشريع والتربية والعرفان، ما لابد في تنزله من مراعاة المقام، سواء مقام المبلغ ومقام المبلغين، «فهذا التنجيم والنزول على مكث لابد أن يستدعي سائر أنواع السياق الذي نزل فيه كل نجم من نجوم القرآن المجيد.».

2-السياق الداخلي للنص في علوم القرآن:

اعتنى علماء القرآن بالسياق الداخلي للنص القرآني، فاعتنوا بالتناسب بين الآيات والسور، كما أسلفنا نقلا عن البقاعي، ونكتفي هنا بعرض نموذج من ذلك السياق الذي يضطرب الفهم في تفسير كلام الله تعالى إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار. قال تعالى: «إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون» (الأنبياء: 98). لقد التقطت قريش هذه الآية في حمأة التعصب ضد الدعوة الإسلامية، وظن شاعرهم عبد الله ابن الزبعرى أنه وجد ما يفحم به النبي صلى الله عليه وسلم، فالآية عنده مضطربة في السياق، ذلك أن حكم الله على المشركين وشركائهم بالنار يشمل أيضا عيسى وعزير والملائكة الذين اتخذهم المشركون شركاء مع الله، وهم من جملة المعبودين الذين تتناولهم الآية المتوعدة للمشركين وشركائهم، ففهموا من الآية أنها تحكم على عيسى وعزير والملائكة بالنار، ولكن ابن الزبعرى ومن وراءه من قريش، لم ينتبهوا إلى عناصر دالة من السياق تزيل الغشاوة وتوضح المقصود، «فالآية جاءت بعد أن عرضت سورة الأنبياء لعدد كبير منهم، وبينت ما جرى لهم مع أقوامهم، وختمت بإعلان وحدة أمة الأنبياء (…) ووحدتهم كذلك في اختلاف مواقف أقوامهم منهم.. ثم يجري التفات الآية إلى هؤلاء المشركين، لتحذرهم وتنذرهم (…) وسيكتشف هؤلاء المشركون هذه البديهية: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها (الأنبياء:99)».

وقد لفت العلامة ابن عاشور إلى وضوح دلالة السياق التي لم يستوعبها كفار قريش، قال: «وكانت أصنامهم ومعبوداتهم حاضرة في ذلك المشهد كما دل عليه قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها)».

ثالثا: السياق في علوم الحديث:

كما كان السياق حاضرا في نزول القرآن الكريم، وعند تفسير العلماء له، فإن ذلك السياق أيضا حاضر في سنة رسول الله وسيرته، كما هو حاضر في علوم السنة. ونشير إلى مظان السياق في علوم الحديث فيما يلي:

1- السياق المقامي في علوم الحديث:

اقتضت مناهج التأليف عند العلماء قديما أن تنفصل السير والمغازي عن السنن والآثار، ولا ينبغي أن يكون الفصل عندما يراد الفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن علماء المغازي علموا أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تكون مفهومة إلا بالقدر الذي تفهم معها أيام رسول الله وأحواله في السلم والحرب والسفر والحضر، والفرح والكدر، وبداية الدعوة وآخرها. ومن جليل وعي علماء السير بالسياق التاريخي ما درجوا على القيام به من ذكر بداية الخلق وقصص الأنبياء والأمم السابقة، حسب ما توفر لهم من مصادر، ومهما تكن درجة تلك الأخبار من حيث الصحة والضعف، فإن الدلالة المتوخاة هنا هي اهتمامهم بالسياق العام للدعوة، بالتعريف بالدعوات السابقة، وأحوال الجاهلية قبل الإسلام، ثم حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة.. الخ.
وتابع أهل الحديث الذين اهتموا بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، وتاريخ الرجال الذين يحملون السنة، وقد استلزم ذلك أن تتشعب علوم الحديث إلى فروع تاريخية، اهتمت بظروف التحمل والأداء، «كما عكس تلك العناية تشددهم في نقد الرجال، وتتبعهم لطبقاتهم، وتسجيلهم لمناقبهم.. كل هذا كان المؤمل منه أن يعمق لدى مدوني العلم في الإسلام الوعي بالعلاقة الجدلية الممكنة بين العلم والتاريخ، بين مضمون العلم أو مقاصده، وظرفيته.».

2- السياق الداخلي للنص في علوم السنة:

يشترط العلماء للمتصدي للسنة أن يعرف منها تاريخ الأخبار، ورواياتها، لتكون النصوص في وضع منسجم مع بعضها البعض، لأن وحدة مصدرها، ومقاصدها لا تحتمل غير ذلك. وليقدم الأقوى منها على الضعيف، والمرفوع لرسول الله صلى الله عليه وسلم على المنسوب لغيره، «فابن عباس مثلا قد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد راهق الحلم، وله من الأحاديث العدد الوفير، فبحثوا طويلا لمعرفة سماعاته من النبي صلى الله عليه وسلم، وسماعاته من الصحابة والتابعين، نظرا لتأثير هذا في استنباط الأحكام الشرعية». واشتغلوا بجمع روايات الحديث وضم أطرافه، قال العلامة الناقد يحي بن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه». كما اهتموا لتناسق الحديث والقرآن باعتبار القرآن المصدر الأول للتشريع، والسنة لا يمكن أن تخالف محكم القرآن، ولذلك اهتموا بحديث همام بن الحارث قال: «رأيت جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: بال ثم توضأ ومسح على خفيه، ثم قام فصلى. فسئل فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بال ثم توضأ ومسح على خفيه.». قال إبراهيم النخعي: «كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.». لقد ضبط العلماء سياق الأخبار بالقدر الذي ضبطوا به روايات الخبر، وطرقه، ولم يكونوا منعزلين في صوامع يطلون على الناس بين الفينة والأخرى.

المطلب الثاني: مباحث السياق في العلوم الشرعية

بناء على ما تقدم يظهر أن السياق شكل عنصرا أساسيا في اشتغال العلماء الأقدمين، في كل مناحي العلوم الإسلامية، وقد لخص الإمام الشاطبي ضرورة اعتبار السياق بكل أنواعه في قوله: «إن المساقات تختلف باختلاف الأحوال، والأوقات والنوازل.. فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم هو الالتفات إلى أول الكلام وآخره، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها، فإن القضية وإن اشتملت على جمل فبعضها متعلق بالبعض، ولأنها قضية واحدة نزلت في شيء واحد، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام إلى أوله، وأوله إلى آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف، فإن فرق النظر في أجزائه فلا يتوصل إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض إلا في موطن واحد، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم». لقد تضمن هذا النص حديثا عميقا عن أنواع ثلاثة من السياق، وهو السياق اللفظي للكلمة وهو ما أرشد إليه من ضرورة رد أول الكلام إلى آخره والعكس، والسياق المقامي وهو ما عبر عنه الشاطبي بالأحوال والأوقات والنوازل، ثم السياق العام وهو ما يشير إليه بالبحث عن مقصود الشارع في خطابه إلى المكلفين. وفي ما يلي عرض موجز لهذه الأنواع من السياق:

  • أولا- السياق اللفظي:

اهتم العلماء بسياق الكلمة من حيث هي جزء من تركيب كلي، وأوجبوا على من يتصدى لمعرفة نصوص الشرع أن يكون على بينة من قواعد البيان العربي، ومعرفة عاداتهم في الخطاب اللغوي، واختيار المعاني الغالبة في استعمالهم. قال ابن القيم رحمه الله: «ومعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه، وذم من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حد الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة، فإنه هو المنزل على رسوله، وحده بما وضع له لغة أو شرعا، بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه». وقد خص العلماء بالدرس والبحث أساليب العرب واستعمالاتهم، وفصلوا المعاني الحقيقية عن المجازية والحقائق العرفية عن الشرعية، وأساليب التقديم والتأخير، ومراتب الدلالة، وضوحا وخفاء، والألفاظ المشكلة والمشتركة وكيفية رفع الإشكال وترجيح وجه من أوجه الاشتراك، ومفهوم الموافقة والمخالفة وغير ذلك.. مما يطول شرحه ولا يناسب هذه العجالة التي يطلب منها التمهيد لأهمية السياق في معالجة الخلاف الفقهي المعاصر.

  • ثانيا- السياق المقامي:

سياق المقام، هو أحوال صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم أو من ينوب منابه من الأئمة والمجتهدين من جهة، وأحوال المكلف الذي يتوجه إليه الخطاب من جهة أخرى، وهو بصيغة أخرى: الظروف الزمانية والمكانية لوظيفة التشريع، بكل ما يتضمنه الزمان والمكان من تحول في الصحة والمرض والغنى والفقر، والقوة والضعف، والسفر والحضر، والسلم والحرب، والمكانة الاجتماعية، وغيرها، وقد اهتم العلماء بكل ذلك: فميزوا تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه نبيا معصوما، وتصرفاته بوصفه عالما مفتيا، وتصرفاته بوصفه قاضيا حكما، وتصرفاته بوصفه قائدا حاكما، كما اهتموا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومراحل الدعوة، والقرآن المكي والمدني، ومراتب الصحابة من حيث سابقتهم وغناهم وبلاؤهم، كما اهتموا بسير الرجال الحاملين لأخباره، وهي علوم كلها تسعى لضبط السياق المقامي لحامل الفقه ومبلغه والمبلغ له.
وانطلاقا من القولة المأثورة عن سيدنا عثمان رضي الله: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن». يمكننا تقسيم سياق المقام من جهة الشارع ومن ينوب عنه إلى مقام القرآن ومقام السلطان:

1-مقام القرآن:

وأقصد به ما يتضمنه القرآن الكريم من التوجيهات والإرشادات التي تخاطب وجدان الناس، وتحفزهم لفعل الخير واجتناب الشر، أي مقام الوعظ والإرشاد، ويشمل ما يتعلق بالرقاق، ومكارم الأخلاق. فهو من باب التغليب، وإلا فالقرآن يتضمن أيضا مقام السلطان.

2-مقام السلطان:

ويقصد به ما أناطه الإسلام بالدولة من إقامة العدل والفصل في المنازعات، وفرض النظام بالقوة اللازمة لردع من لا يخضع قلبه لتوجيهات القرآن.
ويتفرع هذان المقامان إلى مقامات فرعية: سماها الطاهر بن عاشور: مقام التغيير ومقام التقرير ومقام التشريع، فيلزم الفقيه الناظر في النازلة المعروضة، أن يميز أولا بين المطلوب منه، هل هو مخاطبة القلوب وتحفيزها لفعل الخير واجتناب الشر، وذلك حين يكون في مقام القرآن، وتلك مهمة الوعاظ والمرشدين. أم يطلب منه أن يحمل المخالف على الامتثال فيكون في مقام السلطان، وتلك مهمة القضاة والشرطة القضائية.

ثالثا- السياق المقاصدي العام:

هذا السياق يتميز عن باقي السياقات، كونه يستحضر الشريعة في كلياتها، ومقاصدها الكبرى، وهذا مما ينقدح في نفس من مارس الشريعة، ولذا اشترطوا للمجتهد أن يحيط بأمهات العلوم الشرعية من لغة وقرآن وحديث وأصول، ليفهم السياق العام للشريعة، وهذه دعوة سابقة في تاريخ العلوم الإسلامية إلى تكامل العلوم، وقد أصبحت هذه الدعوة الآن مثار نقاش، تكاد تكون مبدئية لمن أراد أن يحيط بالمعرفة، وأن تجزء العلوم قد أزرى بالمعرفة في كلياتها المتصلة. «والإمام السبكي جعل الإحاطة بمعظم قواعد الشرع شرطا مستقلا، بحيث يكتسب بها قوة، يفهم بها مقصود الشرع» فإنه قد يحدث أن يكون النص صريحا في دلالته على المقصود، ويسبق العمل به على ذلك النحو، ولكن ينقدح في نفس الفقيه –من خلال ما علمه من مقاصد الشرع- أن مراد الشارع في نازلة معينة لن يتحقق إذا عمل بالنص الصريح. «وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه يتوقف في تقسيم سواد العراق على الفاتحين، مع أن الآية تقتضي ذلك وهي قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل) (الأنفال /41). وما ذلك إلا لأنه وجد توزيع مثل هذه المساحات الهائلة على عدد محدود من الأفراد يترتب عليه مفاسد تأباها الشريعة، التي جاءت تقيم العدل، والتكافل بين المسلمين.».

خاتمة:

لعلنا في هذه الإضاءة السريعة لموضوع السياق في تراثنا العلمي الإسلامي قد وضحنا أمرين على الأقل:

الأول: أن فهم السلف لا يصدر عن نصوص متناثرة لا يربط بينها سوى الانتماء للقرآن والسنة، بل كانوا يرون الشريعة متماسكة النصوص في بنيان مرصوص متآلف، ولذا لا يتردد أحدهم في التوقف عن العمل بنص قرآني صريح حينما لا يوجد ذلك التجانس بينه وبين ذلك البنيان في سياق ما ولظروف ما، كما فعل الفاروق فيما يتعلق بسهم المؤلفة قلوبهم.. بل لا يتردد في رد روايات الآحاد التي يوجد في النصوص القطعية ما يخالفها كما في سكنى المطلقة.

الثاني: غياب كبير لهذه الرؤية التكاملية لذا السواد الكبير من الأجيال اللاحقة، حين أصبح المحدث أو الفقيه أو المتكلم لا يرى في الدنيا غير ما هو فيه بغثه وسمينه.

وواضح أن الأزمة هنا لا تتعلق بقلة التأليف في مجال معين، بل هي أزمة منهاج يضيء أنحاء الشريعة في آن واحد، بحيث لا يترك المتخصص تخصصه، لكن لا تغيب عنه مقتضيات التخصصات الأخرى ومقتضيات الواقع المتحول، فيتناول من تخصصه بقدر حاجة الأمة وقدرتها، وما يقيم أودها ويحفزها للنهوض من رقدة الهمل الطويل، أما حين يضيع الفهم السليم للسياق وتصبح المعارف أصناما يعبدها أصحابها دون الالتفات إلى مقتضياتها السياقية فالأمر كما قال جرير:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول سلامة يا مربع
والله من وراء القصد، والحمد لله على كل حال.

 

نشر هذا المقال في مجلة ذخائر العدد التاسع 

يمكنكم الاطلاع عليه وتحميله من الرابط التالي

 


لائحة المصادر والمراجع:

– ابن حنبل، الإمام أحمد، المسند، تحقيق مجموعة من العلماء بمكتبة دار السلام تحت إشراف صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، دار السلام للنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013م.
– ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984م.
– ابن العربي المعافري، أبو بكر محمد بن عبد الله، أحكام القرآن، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 2003.
– ابن فارس، أبو الحسين أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، طبعة 1979م.
– ابن قيم الجوزية، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، أعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الأولى، 1424ه.
– ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد، القزويني، سنن ابن ماجة، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل قرة محمد كامل وعادل مرشد وعبد اللطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2009م.
– ابن هشام، أبو محمد عبد الملك، السيرة النبوية، تعليق محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، 2010.
– أبو داوود، سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، سنن أبي داوود، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان.
– الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف، الإشارة في أصول الفقه، تحقيق محمد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2003م.
– البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، دار الفكر للطباعة والنشر، دمشق، 1995.
– البقاعي، إبراهيم بن عمر، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي القاهرة، طبعة 1984م.
– بوعود، أحمد، فقه الواقع أصول وضوابط، منشورات سلسة الأمة، عدد 75.
– التلمساني، الشريف أبو عبد الله، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، مكتبة دار الرشاد، الدار البيضاء، د ت.
– الحاكم، أبو عبد الله النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990م.
– الحامدي، عبد الكريم، ضوابط في فهم النص، كتاب الأمة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، عدد 108، ط2005م.
– حمادة، فاروق، مراعاة السياق وأثره في فهم السنة النبوية، مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء، عدد26، 2007.
– رضا، رشيد، تفسير المنار، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة، 1990م.
– زريق، قسطنطين، في معركة الحضارة، دار الملايين، بيروت، الطبعة الثالثة، 1977م.
– زيوان، فاتح، خصوصيات المقام عند القدماء في ضوء الدراسات الحديثة، مجلة البحوث والدراسات، جامعة الوادي، الجزائر، عدد6، يناير 2008م.
– الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، ومحمد عبد الله دراز، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 2004م.
– الصغير، عبد المجيد، حوار مع الدكتور عبد المجيد الصغير، مجلة الإحياء، عدد 26، 2007، ص39.
– الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، طبعة 2000.
– عروي، محمد إقبال، دور السياق في الترجيح بين الأقاويل التفسيرية مراجعة منهجية، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، طبعة 2007م.
– العلواني، طه جابر، السياق: المفهوم المنهج النظرية، مجلة الإحياء، الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، عدد 26، نونبر 2007م.
– الغزالي، حجة الإسلام أبو حامد، المستصفى من أصول الفقه، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1993م.
– القرافي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس، أنوار البروق في أنواء الفروق، دار إحياء الكتب المصرية.
– القرضاوي، يوسف، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مع نظرات تحليلية في الاجتهاد المعاصر، دار القلم، الكويت، ط1996م.
– المباركفوري، محمد بن عبد الرحمن، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت.
– مسلم، بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1971.
– النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، شرح صحيح مسلم، دار الخير، دمشق، طبعة 1996م.
– النسائي، أبو عبد الرحمن، سنن النسائي، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، سوريا، الطبعة الثانية، 1986م.
– هلال، فخر الدين، النبي محمد أول من حرر العبيد، (شبكة النبأ annabaa.org/ تاريخ الزيارة: 20-1-2020): https://annabaa.org/arabic/general/9148

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.