سِرٌّ عَلَى الأَيَّامِ لا يَبْلُو وَلا يَهُونُ (قصيدة)
سِرٌّ عَلَى الأَيَّامِ لا يَبْلُو وَلا يَهُونُ (قصيدة)/ أبو علي الصُّبَيْح
سِرٌّ عَلَى الأَيَّامِ لا يَبْلُو وَلا يَهُونُ (قصيدة)
أبو علي الصُّبَيْح
أمّاهُ، عجزَ البيانُ وضاقَ بي التبيينُ
والقولُ دونَ جلالِ قدرِكِ لا يكونُ
يا نبعَ إحسانٍ تفيضُ جداولٌ
منهُ ويخضرُّ الزمانُ ويَحْسُنُ
في راحتيكِ نشأتُ طفلاً آمنًا
وبنورِ وجهِكِ يستبينُ الساكنونُ
سهرتِ والليلُ البهيمُ مخيّمٌ
وأنا بنومِ الغافلينَ مصونُ
وتحمّلتِ من الخطوبِ مآسيًا
لو مسَّ بعضُها الجبالَ لَيَهُونُ
وتجودُ كفّاكِ العطايا دائمًا
كالبحرِ بل أندى، بهِ يُغْنُونُ
إن ضاقَ دربي لاحَ وجهُكِ مشرقًا
فيه الرجاءُ، وفيه يُبنى العزمُ يُصانُ
كم مرّةٍ مسحتِ دمعي في الأسى
وأخفيتِ نارًا في الحشا تَكْمُنُ
وتحمّلتِ جفائي بحلمٍ شامخٍ
والحلمُ درعُ الصابرينَ حصونُ
يا قبلةَ الأرواحِ في ليلِ الأسى
وبلسمَ الجرحِ الذي لا يُخْوَنُ
يا من بها نَفَسُ الحياةِ تجدّدَتْ
وبها الضعيفُ إلى القويِّ يكونُ
ما كنتُ قبلَ عطائِكِ الممدودِ من
أحدٍ، فصارَ بفيضِكِ التكوينُ
إن قيلَ ما الإحسانُ قلتُ سجاياكِ
أو قيلَ ما الإيمانُ قلتُ يكونُ
إن غابَ صوتُكِ في المساءِ تكسّرتْ
في مهجتي الأركانُ والأنينُ
كالأرضِ إن فقدتْ غيوثَ سمائِها
يبقى بها عطشٌ ويقفرُ الكونُ
يا سرَّ هذا العمرِ يا نبضَ المدى
وبذكركِ الأملُ العتيقُ يُصانُ
لو أنَّ شعري كلَّهُ متدفّقٌ
ما مسَّ بعضَ الذي لديكِ يكونُ
أبقى أدينُ بفضلِكِ الممتدِّ في
دمّي، ويشهدُ ذلكَ التكوينُ
يا رفعةً سكنتْ فؤادي دائمًا
وبحبّها يحلو الزمانُ ويهونُ
لو جفَّ بحرُ القولِ تبقينَ التي
في وصفها تتحطّمُ الفنونُ
تبقينَ نورًا في الدروبِ إذا دجتْ
وبذكركِ الإيمانُ فينا يَزْدَهُونُ
تُخفينَ وجعَكِ والابتسامُ ستارُهُ
وكأنّ في كفّيكِ يولدُ إحسانُ
تمضينَ في دربِ العطاءِ كأنّما
قدرٌ على كفّيكِ يُكتبُ ويُصانُ
تبنينَ فينا الصبرَ حتى إنّنا
نقوى ويُهزمُ في الطريقِ هوانُ
وتزرعينَ الخيرَ في أعماقِنا
حتى يغدو في المواقفِ بُرهانُ
نمضي ونحملُ من عطائِكِ رفعةً
وبهَا تُشادُ من المعالي بُنيانُ
وإذا تعثّرَ دربُنا أو أظلمتْ
سُبُلُ الحياةِ فذكركِ البرهانُ
نلقاكِ بابًا للرجاءِ مفتّحًا
وبهَا يطيبُ العيشُ والأزمانُ
يا سرَّ هذا الكونِ في أعماقِنا
وبذكركِ الإحساسُ يزهو الشأنُ
إن طالَ عمري لن أفيكِ وإنني
أمضي ويعجزُ عن سناكِ بيانُ
تبقينَ في قلبي القصيدةَ كلَّها
وبحبّكِ المعنى الكبيرُ يُصانُ
**