منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وجهة نظر في التعديلات المقترحة في مدونة الأسرة

الدكتور أحمد الإدريسي

0

وجهة نظر في التعديلات المقترحة في مدونة الأسرة

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

في سياق التعليقات والمناقشات حول ما نشر من التعديلات المتضمنة في “مشروع مدونة الأسرة المغربية” في صيغته الأخيرة، أناقش من هذا المنبر، مجموعة من الإشكالات التي أثارها هذا التعديل المرتقب، وأقترح بعض الحلول العملية لتصحيح المسار، من أجل المحافظة على كرامة كل من الرجل والمرأة، وعلى تماسك الأسرة والمجتمع.

أولا: اختلالات ستؤول إليها جملة من التعديلات.

ما يلاحظ على مُجمل هذه التعديلات المقترحة، أنها غير متوازنة وغير منصفة، لأنها ستثير مجموعة من الاختلالات الشرعية والاجتماعية، نذكر منها:

– يعتبر تقييد التعدد بشروط تضيق عليه إلى أقصى الحدود وقد تجعله إلى المنع أقرب منه إلى الإباحة.

– غياب الميثاق الشرعي بين الزوجين، والمبني على الرحمة والمودة والمكارمة والإحسان والثقة المتبادلة بينهما والتعاون.

– إثقال كاهل الزوج بشكل يؤدي إلى النفور من الزواج، وارتفاع نسبة العزوف على الزواج.

– الرفع من نسبة الطلاق أكثر فأكثر، والعبث بنظام الأسرة وتقويض دعائمها الأسرة، وخلق الصراعات بين أفرادها.

– تحويل ميثاق الزوجية المبني في أصله على المكارمة إلى الصراع والتوجس والريبة والنزاع بين الزوجين، وجعل العلاقة بينهما مرتبطة بالماديات فقط.

– “تعليق” أو “توقيف” بيت الزوجية من قسمة التركة سيكون سببا في منازعات وخصومات بين أقارب الميت، وبالتالي قطع الرحم.

– الإخلال ببعض شروط الزواج المعتبرة، ومنها “إمكانية عقد الزواج بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج دون حضور الشاهدين المسلمين في حال تعذر ذلك”.

ثانيا: التعديل المتعلق ب”تثمين العمل المنزلي”.

يبدو أن تثمين العمل المنزلي للزوجة سيُحول الأسرة من مجتمع تراحمي إلى مجتمع مادي محض، لأن؛ تثمين عملها المنزلي غير مقيد بضوابط، وغير محدد بنسبة معينة له كحد أقصى، وإذا تركوا “التثمين” للسلطة التقديرية للقاضي، فإنه قد يبالغ فيه بما يضر بالزوج في حال الطلاق.

إن هذا التعديل المقترح سيُدخل الأسر في إشكالات لا نهاية لها، وسيـثير تساؤلات كثيرة، نذكر منها:

– كيف سيتم تقييم العمل المنزلي؟

– ماذا عن عمل الزوج في حال مرض زوجته وقيامه بأعباء البيت؟

– بأي معيار يعد هذا عملا منزليا وهذا ليس كذلك؟

ثالثا: مسؤولية الدولة عن إصلاح الأسرة، وعن الأوضاع الاجتماعية.

من هذا المنطلق واعتبارا لما سبق؛ نرى أن الدولة هي التي يجب أن تتحمل المسؤولية في إيجاد الحلول لبعض الأوضاع الاجتماعية والحالات المتضررة في الأسرة، عوض التعسف في إيجاد الحل بإثقال كاهل الزوج، وتحويل بيت الزوجية المبني في الأصل على المكارمة إلى مزيد من الصراع والتوجس والشقاق. وبناء عليه فإننا نقترح ما يلي:

– أن تتحمل الدولة النصيب الأكبر من هذا التثمين، ليكون تقديرا للمرأة الراعية لزوجها وأبنائها، وتخفيفا للعبء الملقى على رب البيت، ويكون مساهمة الدولة من خلال الصناديق الاجتماعية التابعة لها. ونرى أن هذه المساهمة من الدولة ستسهم في تحقيق استقرار الأسر.

– تقنين تثمين عمل المرأة المنزلي وتقييده بضوابط وشروط، وتحديد نسبة معينة له كحد أقصى؛ حتى لا يتضرر الزوج، ولا تظلم الزوجة المطلقة؛ لأن “التثمين”، بهذه الصيغة الغامضة يشجع على العزوف عن الزواج مخافة الوقوع فيما لا تحمد عقباه، ومن جهة أخرى إذا ترك للسلطة التقديرية للقاضي فإنه يُمكن يبالغ فيه بما يضر بالزوج عند الطلاق.

– نقترح مزيدا من الشرح والتوضيح لمقتضيات التعديلات المقترحة، وبيان الأدلة الشرعية والمقاصد الشريعة في المسائل المستجدة في هذه التعديلات.

لذا ندعو إلى مراجعة عدد من المواد والإجراءات المقترحة بما يضمن استقرار الأسرة ويحفظ توازنها. وأن نحافظ على شروط الزواج المعتبرة، مثل “حضور شاهدين مسلمين”.

وندعو كذلك إلى بيان وتوضيح الأدلة الشرعية التي استندوا إليها في هذه التعديلات. وأن تكون معالجة المشاكل الاجتماعية -ومنها مشاكل الأسرة- بمقاربة شمولية؛ مقاربة تراعي ما هو تربوي وتعليمي واجتماعي واقتصادي وسياسي وقضائي.

وأولا وأخيرا أن تكون كل القوانين منضبطة بأحكام الشرع الحكيم، ومقاصد الشريعة.

والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.