منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عام جديد على عملنا شهيد

عام جديد على عملنا شهيد/ الدكتور محمد السقا عيد

0

عام جديد على عملنا شهيد

 بقلم: الدكتور محمد السقا عيد

عبارة نرددها كلما أقبل علينا عام جديد، وقد تمر على ألسنتنا مرورًا عابرًا، لكن المتأمل فيها يدرك حقيقتها العميقة؛ فقد أُسدل الستار على عامٍ كاملٍ من أعمارنا، عامٍ مضى بما فيه من آمالٍ وآلام، وأفراحٍ وأتراح، وحسناتٍ وسيئات.

إن الزمن لا يعود، وكل غائب قد يرجع، وكل مفقود قد يُسترد، إلا العمر المنقضي والوقت الراحل، فهو جزء من أعمارنا نقص من آجالنا، كما قيل: (يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يومك ذهب بعضك). ونحن نسير كل يوم خطوة إلى الدار الآخرة، ولا ندري أإلى الجنة أم إلى النار.

ويمضي قطار الزمن مسرعًا لا يتوقف عند أحد، ولا يحابي أحدًا، فإن غفلنا عن أعمارنا وأيامنا، فإن الله سبحانه لا يغفل ولا ينسى، فالأنفاس معدودة، والأعمال محفوظة، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ سورة المجادلة 6
فكل دقيقة من أعمارنا مسجلة، وكل عمل محصي، وسنُسأل عن أعمارنا فيما أفنيناها.

وقد أوصانا النبي ﷺ أن نعيش في هذه الدنيا كعابر سبيل، فقال:( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، فالعمر أمانة، والعلم أمانة، والمال أمانة، والعبد مسؤول عن ذلك كله، ولن تزول قدماه يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره، وعن علمه، وعن ماله.

لقد كنا بالأمس في أول العام، وها نحن اليوم في منتهاه، فكيف مضت الأيام بهذه السرعة؟ أذهبت البركة من الأوقات؟ أم هي من علامات الساعة حيث يتقارب الزمان؟ لذلك وجّهنا رسول الله ﷺ إلى اغتنام الفرص قبل فواتها فقال: ( اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك).

وها هي سنة كاملة قد طُويت بصحائفها، فيها أعمال نسيناها لكنها عند الله محفوظة، وسنة جديدة قد أقبلت لا ندري ما يُكتب فيها لنا أو علينا، فحريٌّ بالعبد أن يستقبلها بتوبة صادقة، وعزمٍ صادق على الإصلاح، ومجاهدةٍ للنفس على الطاعة.

قال الحسن البصري رحمه الله: ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. وكان أحد الصالحين يمشي في السوق ويصلي النافلة فسألوه عن ذلك مستغربين هذا الفعل في هذا الوقت، قال: أبادر طي الصحيفة، يخشى أن يذهب ذلك اليوم، ولم يسجل له فيها عمل صالح.

فإلى متى نؤجل التوبة؟ والله يحب التوابين، ويفرح بتوبة عبده، وما أجمل أن نستقبل عامًا جديدًا بقلوب نقية، ونفوس صادقة، وأعمال تقرّبنا إلى الله.

فلنحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسب، ولننظر ماذا قدمنا، وماذا سنقدم، قال تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ سورة البقرة 110

عامٌ انقضى شاهدًا علينا، وآخر أقبل ليكون شاهدًا لنا أو علينا ، فمرحبا بعام جديد نستقبله وكلنا همة وعزيمة على الإحسان فيه لأنفسنا، وكلنا إصرار على أن نكون فيه أفضل مما كنا، وطوبى لمن جعل أيامه طاعة، وساعاته قربى، وأعماله شاهدة له لا عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.