منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسلم بين الغرور العائق، والوجل السائق | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

0

المسلم بين الغرور العائق، والوجل السائق | سلسلة خطبة الجمعة

بن سالم باهشام

خطيب مسجد أم الربيع بخنيفرة سابقا

عباد الله، يقول سبحانه وتعالى في سورة النساء: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ؛ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلا) [النساء: 49]، أي ألم تعلم – أيها الرسول- أمر أولئك الذين يُثنون على أنفسهم وأعمالهم، ويصفونها بالطهر والبعد عن السوء؟ بل الله تعالى وحده هو الذي يثني على مَن يشاء مِن عباده، لعلمه بحقيقة أعمالهم، ولا يُنقَصون من أعمالهم شيئًا مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة، ويقول تعالى في سورة النجم: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32]، أي فلا تزكُّوا أنفسكم فتمدحوها وتَصِفُوها بالتقوى، هو أعلم بمن اتقى عقابه فاجتنب معاصيه من عباده.

عباد الله، الكثير من الناس ينسوا أصلهم وفصلهم، ويغترون بمتاع الدنيا، وإذا خاطبته قال لك: أما تعرف من أنا؟ إما افتخارا بمنصبه أو بعلمه، أو بزهادته أو بنسبه،…أو بشيء من متاع الدنيا الزائل،  وهذا نموذج واحد من ملايين النماذج، الذين لم يتشربوا تعاليم الدين السمحة، وغلبتهم أنفسهم، ولم يتخلقوا بأخلاق الكتاب والسنة، إنه أحد أولاد المهلب بن أبي صفرة بن سراق بن صبح العتكي الأزدي – والي من ولاة  الأمويين  على خراسان، استعمله الحجاج عاملاً على خراسان عام (78هـ، الموافق 697 م)، وقام بفتوحات واسعة في بلاد ما وراء النهر-، مر هذا الابن بالعارف بالله مالك بن دينار وهو يتبختر في مشيته، ومعه أشياعه وأنصاره، فقال له مالك: يا بُنيّ؛ لو تركت هذا الخيلاء لكان أجمل، فقال: أو ما تعرفني؟ قال مالك: أعرفك معرفة جيدة، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة، فأرخى الفتى رأسه، وكف عما كان عليه، وقال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين، كيف يتكبر، وقال ابن عوف رحمه الله:

عَجِبْتُ مِنْ مُعْجَبٍ بِصُورَتِهِ * * * وَكَانَ بِالأمْسِ نُطْفَةً مَذِرَهْ
وَفِي غَدٍ بَعْدَ حُسْنِ صُورَتِهِ * * * يَصِيرُ فِي اللَّحْدِ جِيفَةً قَذِرَهْ
وَهُــــــــــــــوَ عَلَى تِيهِـــــهِ وَنَخْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــوَتِهِ   *   *   *   مَا بَيْنَ ثَوْبَيْــــــــــــــــــــــــهِ يَحْمِـــــــــــــــــــلُ الْعَذِرَهْ

عباد الله، إن تزكية النفس، ومدحَها، هو ثمرةٌ مُرة فاسدة للعُجب بالنفس، والكبر، فالعجب في القلب والفكر، وتزكية النفس على اللسان.

عباد الله، هذا هو الاغترار بالنفس، أو العُجب، والمعروف أيضًا باسم النفاق والرياء، وهو شعور أو إظهار التفوق الأخلاقي على الغير، وهو نابع من إحساس الفرد بأن معتقداته وأفعالَه وانتماءاته ذات فضيلة أعظم من تلك التي لدى الشخص العادي، وغالبًا ما يُعتبر مصطلح «اغترار النفس»، مصطلحًا يحط من القدر خاصة، لأن الأفراد الذين يتسمون بالاغترار، كثيرًا ما يُعتقد أنهم يفعلون ذلك نفاقًا بسبب الاعتقاد بأن البشر لا يتسمون بالكمال، وبالتالي فهم غير معصومين.

عباد الله، إن كل مرض مادي كان أو معنوي؛ إلا وله علامات تظهر على صاحبها، ومن علامات الاغترار:

1 – الحزن الكاذب على فقدان الطاعة، مع عدم النهوض إليها، وهو التعلق بما لا حقيقة له، وليس من مقام السالكين الأبرار، وإنما مقامهم الحزن الصادق مع النهوض إليها والبكاء عليها.

2 – ومن علامات الاغترار، الاعتماد على سعة رحمة الله تعالى، إذ كثير من المبتلين ببعض المعاصي وبالانحراف عن منهج الله تعالى، إذا نُصح، أو أراد أن يُقلع عما هو عليه، يأتيه شيطانه فيقول له: إن رحمة الله واسعة، وإن الله غفور رحيم، فيثبطه ويبرد همته، ويضعف إرادته، اتكالا على رحمة الله تعالى، وعلى عفوه ومغفرته، والحقيقة؛ أن هذا نوع من الغرور، فإن الله تعالى يقول في سورة الأعراف: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا، وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً، إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56]، فكيف يكون المغرور من المحسنين بالإصرار على الذنوب؟ وكيف يكون من المحسنين إن لم يكن من التوابين إلى الله تعالى؟ واسمعوا إلى قول الله تعالى في سورة الأعراف إذ يقول: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ) [الأعراف:156]، فمع أن رحمته سبحانه واسعة، لكنه سيخص بها المتقين، فهل المغرور بتماديه في غيه من المتقين؟

عباد الله، علينا أن نتذكر أن الله تعالى، كما أنه هو التواب الرحيم، كذلك هو العزيز الجبار القوي المقتدر، قال تعالى في سورة الحجر: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) [الحجر:49-50]، فإذا علمتم سعة رحمة ربكم ومغفرته، فالواجب عليكم المسارعة إلى أسباب نيلها، وأن تتركوا المعاصي وتستحيوا من الله أن تعودوا إلى مثلها.

3 – ومن علامات الاغترار، احتقار الذنوب، إذ تجد بعض الناس يرى نفسه على خير، ويأتيه الشيطان فيجعله يحتقر الذنوب التي يقترفها، فيراها قليلة يسيرة هينة لا تستحق أن يتاب منها، روى الطبراني في “الكبير”، وفي “الأوسط”، وفي “الصغير”، والبيهقي في “الشعب”، والبغوي في “شرح السنة”، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فإنما مثل محقرات الذنوب، كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ). [إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، أخرجه الطبراني في “الكبير” (5872)، وفي “الأوسط” (7319)، وفي “الصغير” (904)، والبيهقي في “الشعب” (7267)، والبغوي في “شرح السنة” (4203) من طريق أنس بن عياض، بهذا الإسناد.]، وقد قال بعض السلف: (لا تنظر إلى الذنب، وانظر إلى من تعصي)، أي انظر إلى عظمة الله تعالى، وتأمل في إحسانه ونعمه، فإن الله أعظم وأجل من أن يستهان بمعاصيه، ومن علامة الإيمان، تعظيم هذه الذنوب، والمسارعة إلى الاستغفار والتوبة منها، روى البخاري في صحيحه، أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا)،[ رواه البخاري، باب التوبة(8/67) (ح6308)]، لهذا على العبد أن لا يغتر فيحتقر الذنب مهما كان، فإن الذنب بالاستصغار والاحتقار يعظم عند الله تعالى، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار). [جامع العلوم والحكم ابن رجب الحنبلي (ص: 179)]. وروى البخاري، ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا؛ يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والمغرب) [رواه البخاري (6477)، ومسلم (2988)]. فهذه معصية واحدة، وهذا عقابها، وقد تكون كلمة تطلق من غير تبيّن، تهوي بصاحبها في أعماق جنهم، بل اسمعوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)، [رواه البخاري (3318)، ومسلم (2619)]، وتأملوا هذا جيدا، أو ليس هذا العمل مما يحقره كثير من الناس؟!

4 – ومن علامة الاغترار، الاغترار بالأعمال الصالحة، إذ يقول الشيطان لعنه الله لبعض الناس: أنت تصلي فلا مزيد، ولماذا تتوب؟ ومن ماذا ستتوب؟ ويقول للآخر: ولماذا ستصلي أصلا، فأنت إنسان صالح لا تؤذي الجار وترحم الصغار، وتعين الفقراء، وتحترم العلماء، وقلبك سليم أبيض، بل أنت أفضل من الكثير من المصلين؟.

عباد الله، احذروا من الاغترار ببعض طاعاتكم لله تعالى، فكم من طاعة أهلكت صاحبها إذا اغتر بها وفرح، قال تعالى في سورة الأعراف: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف:99]، وما يدريكم أن أعمالكم هذه مقبولة عند الله تعالى؟، قال فضالة بن عبيد رضي الله عنه: ( لأن أكون أعلم من الله قد تقبل مني مثقال حبة خردل، أحب إلي من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول: “إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ”) [المائدة:27].

عباد الله، تذكروا حتى لا تكونوا من المغترين بالأعمال الصالحة، أن من المعاصي ما هو محبط للعمل الصالح، كترك صلاة العصر، وإخراجها عن وقتها، روى البخاري في صحيحه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ) [رواه البخاري،(553)]، ولا صلاح لمن ترك الصلاة، لهذا لا يمكن أن يكون قلبه أبيض كما يوهمه الشيطان.

عباد الله، هذه بعض علامات الغرور العائق عن التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه، فما العلاج من هذا الذنب؟ إن العلاج هو الوجل، وهو الدواء السائق إلى رضى الله ورضوانه، قال تعالى في سورة المؤمنون: (إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، [المؤمنون:57 – 61]، روى الترمذي، وابن ماجة، أن عائشة رضي الله عنها، سألت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَتْ: (أَهُمْ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)،[ رواه الترمذي (3175)، وابن ماجة (4198)]، فهم يبذلون ويعملون، ويؤتون ويجتهدون، ومع ذلك قلوبُهم وجلة، وأفئدتُهم خائفة، وكان المتوقع أنهم يعيشون بأنفسٍ مطمئنة، وأفئدةٍ سالية، فَرَحاً بما قدموا، واتكالاً على ما بذلوا، وسروراً بما عملوا. لكن قلوبَهم وجلت، وفرائصَهم ارتعدت، لأنهم أيقنوا أنهم إلى ربهم راجعون، فهم يتذكرون هول المطلع عليه، وعظمةَ الموقفِ بين يديه، آمنوا بكماله، وأيقنوا بجلاله، ونظروا إلى نعمه، ثم التفتوا إلى أعمالِهم وضآلتِها، وجهودِهم وقلتِها، فقد لا تسلم من خلل، ولا تنجو من زلل، ولا تصفوا من رياء، فكان الوجلُ طريقَهم إلى الاطمئنان، والخوفُ موصلَهم للأمان، والإشفاقُ قائدَهم لرضا المنان، فسماهم سبحانه وتعالى بالمسارعين، ووصفهم بالسابقين، قال تعالى في سورة الأنبياء: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)[الأنبياء: 49].

عباد الله، إن المؤمن لا يمُنُّ على الله بأعماله، ولا يباهي بأفعاله، بل يخشى ويخاف، ويخشعُ ويتذلل، يجتهدُ وهو على وجل، ويعملُ وهو في حذر، وذاك هو الذي افتقده الخلف، وهو ديدنُ السلف، فقد كانوا فرساناً بالنهار، رهباناً بالليل، قدموا لله أرواحَهم، وبذلوا في سبيله أنفسَهم، وصفت له سرائرُهم، وأشرقت بحبه قلوبُهم، وأسهر الإشفاقُ أعينَهم، وأقضّت النارُ مضاجعَهم. روى الترمذي في سننه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: (يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه)، [رواه الترمذي، وحسنه (2457)] وقوله صلى الله عليه وسلم: “الراجفة”: أي النفخة الأولى. و“الرادفة”: أي النفخة الثانية، ومجيئها ومجيء الموت كناية عن القرب “بما فيه” من الشدة، أخبر بذلك ليستعدوا. وكان أبو بكر رضي الله عنه – رغم كونه من المبشرين بالجنة – رجلاً أسيفاً، إذا صلى بالناس لا تكاد تسمع قراءتَه من كثرة بكائه، وكان في وجه عمر رضي الله عنه ، وهو المبشر كذلك بالجنة، خطان أسودان من كثرة البكاء، وكان يُسمع بكاؤه من آخر الصفوف، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه  والملقب بذي النورين، يصوم النهار ويقوم الليل، وكان إذا وقف على قبر يبكي حتى تخضلَّ لحيتُه من البكاء، أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أول من أسلم من الأطفال،  فقد كان صواماً قواماً، روى الدينوري، والعسكري في المواعظ، وأبو نعيم في الحلية، وابن عساكر، عَنْ أَبِي أَرَاكَةَ، قَالَ: (صَلّى عَلِيٌّ الْغَدَاةَ، ثُمَّ لَبِثَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، كَأَنَّ عَلَيْهِ كَآبَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَثَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا أَرَى أَحَدًا يُشْبِهُهُمْ، وَاللهِ إِنْ كَانُوا لَيُصْبِحُونَ شُعْثًا غُبْرًا صُفْرًا، بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ مِثْلُ رُكَبِ الْمِعْزَى، قَدْ بَاتُوا يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ أَقْدَامِهِمْ وَجِبَاهِهِمْ، إِذَا ذُكِرَ اللهُ مَادُوا كَمَا تَمِيدُ الشَّجَرَةُ فِي يَوْمِ رِيحٍ، فَانْهَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ وَاللهِ ثِيَابَهُمْ، وَاللهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ). [أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/76)، وابن عساكر (42/492)].

عباد الله، لقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة وقلوبهم وجلة، وكانوا يتنافسون في أعمال البر حذراً من لوم النفس عند انقطاع العمل، وذلك هو الطريق الرابح، أعمالٌ جليلة، وعبادةٌ عظيمة،  وخشوعٌ وخضوع، مع خوفٍ ووجل، وإشفاقٍ وخشية، فلا يُعجَب المرء بعملِه مهما عظُم، ولا يحتقِر ذنباً مهما صغُر، والتعرّفُ على حقّ الله، وعظيمِ فضله ومنّه، وتذكّرُ كثرة نعمِه وآلائه، يطأطِئ الرأسَ للجبّار جلّ وعلا، ويدرك المرءُ معه تقصيرَه على شكر النعم، روى البيهقي في شعب الإيمان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتِ: فَهَوًى مُتَّبعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ) [ رواه البيهقي، شعب الإيمان 9/396.].

وصلى الله وسلم على رسول الله، كلما ذكره الذكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.