رسالة إلى كل مؤمنةٍ تسيءُ إلى والديها
عبد المجيد فاضل
رسالة إلى كل مؤمنةٍ تسيءُ إلى والديها
بقلم: عبد المجيد فاضل
أيتها الأخت المؤمنة، يقول الحق تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَـٰنًاۚ إِمَّا یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا * وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرࣰا﴾ [الإسراء: 23-24].
قال الشيخ الدكتور إبراهيم القطان في تفسيره «تيسير التفسير»: “وقد أمر الله تعالى بعبادته بإخلاص، وأكد أنْ لا نعبد غيره؛ ثم بعد ذلك أمرنا بالبر والطاعة بالوالدين، لأنهما عِمادُ الأسرة، وفضلُهما على الإنسان لا يُحَدُّ، وإنّ أكبر نعمة تصل الى الإنسان هي نعمة الخالق، ثم نعمة الوالدين.
وإذا كبُرا في السن أو كان أحدهما عندك في مرحلة الشيخوخة وحال الضعفُ في آخر العمر، فلا تتضجَّر منهما، ولا تتأفف، ولا تزجرهما، وقل لهما قولا جميلا ليِّناً، فيه إحسانٌ إليهما وتكريم لهما. وألِنْ لهما جانبك وتواضع لهما مع الاحترام الزائد، وادْع لهما وتوجه إلى الله أنْ يرحمهما برحمته الباقية، كفاءً رحمتهما لك في صغرك وجميل شفقتهما عليك. ومهما أديت لهما من خدمات فلن تستطيع أن تُكافِئهما”.
أيتها الأخت المؤمنة، أيْن الرحمةُ بالوالدين اللّذَيْن أُنْهِكت صحتُهما في تربيتك ومتابعتك في الدراسة؟
أيتها الأخت المؤمنة، هبْ أنّ والديك كافران، فهل هذا سببٌ لكي تسيئي معاملتَهما؟
الجواب في القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰۤ أَن تُشۡرِكَ بِی مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمࣱ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِی ٱلدُّنۡیَا مَعۡرُوفࣰاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِیلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَیَّۚ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [لقمان: 15].
قال الشيخ الدكتور إبراهيم القطان في تفسيره «تيسير التفسير»: “ما أحلى هذا الكلام! فإنْ كانا كافرين، وحاولا أن تكفرَ أنت بالله فلا تطعْمها، ومع ذلك يجب عليك ان تبقى باراً بهما، تصاحبْهما بالمعروف والإحسان والعطف.
أما من جهة الدين: {وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، إنّ عليك أنْ تَتَّبِعَ طريقَ الهدى، وطريقَ مَن تاب إلى الله؛ ومصيرُكم جميعاً {إليّ} بعد مماتكم فأخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا من خير او شر”.
أيتها الأخت المؤمنة، إنّ مِن عقوق الوالدين: رفع الصوت عليهما أو توبيخهما، أو التأفُّف من طلباتهما التي يمكن تلبيتها، أو الاستياء من بعض تصرفاتهما، أو انتقاد بعض قراراتهما التي لا تضرّك، أو مجادلتهما بالباطل وبدون أدب، أو الاستهزاء بهما، أو إثارة المشكلات أمامهما، أو ذمِّهما وذكر معايبهما أو أخطائهما أمام الناس أو أمام زوجك؛ لأن هذا فيه تشويه لسُمْعتِهما.
أيتها الأخت المؤمنة، كيف تتجرّئين على التطاول على أحد الوالدينِ، ومخاصمتِها أو نهرِهما، أو التدخُّلِ في شؤونهما؟
إن العلماء متفقون على أنه لا يجوز للأم أو للأب أن يتدخلا في الحياة الزوجية لابنتهما إن كانت متزوجة، أمّا تدخل البنت في أمور والديها فهذا أمرٌ ممقوت، ولا تفعله إلّا مَن كانت ترى أنها هي رب الأسرة، وأن والدَها لا مكانةَ له عندها، ولا يفهم المسكين، وهو محجور عليه، ولا أهليةَ له لاتخاذ القرارات، ويحتاج إلى التنبيهات والتوجيهات، وربما إلى شيء من التوبيخات!
والحقيقة التي قد تغيب عنك، هي أنك قد تكونين امرأة تحب أن يكون والداها في المستوى الذي تريده هي، حتى تُرْضيَ الناس المحيطين بها، أو تُرْضيَ حُبَّها للسيطرة على الآخرين.
أيتها الأخت المؤمنة، قد تقولين إنّ نيّتي حسنةٌ، وإنَّما أفعل ذلك لأنني أحبهما وأشفق عليهما!
أيتها الأخت المؤمنة، إنك تجرحين مشاعرهما، وتُحزِنين قلبيْهما، وتَحُطِّين من قدْرهما، وتُهِينين كرامتهما، فكيف تزعمين أنك تحبينهما وتشفقين عليهما وأنت أوّلُ مَن يؤذيهما؟
إنّ هذا لشيء غريب، ومنطق عجيب!
أيتها الأخت المؤمنة، ”إن الغاية لا تُبرِّر الوسيلة“، واللهُ تعالى لا يقبل مِن الأعمال إلّا ما كان خالِصاً (أي: في سبيله) وصائباً (أي: لا يخالف الشرع)، قال الإمامُ ابنُ رجب الحنبلي عند شرحه للحديث «إنَّما الأعمال بالنيات» في كتابه ”جامع العلوم والحكم“: “وقال الفضيلُ في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}، قال: أخلَصُه وأصوَبُه. وقال: إنَّ العملَ إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يُقبَلْ، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً، لم يُقبَلْ حتّى يكونَ خالصاً صواباً، قال: والخالصُ إذا كان لله – عز وجل –، والصَّوابُ إذا كان على السُّنَّة”.
أيتها الأخت المؤمنة، ابتعدي عن ساحة والديك، قبل فوات الأوان، ولا تحاولي التحكم في شؤونهما، فهذا طبعٌ مَرَضيٌ عند بعض النساء اللواتي يُحببن السيطرة على الوالدين أو على أحدهما.
أيتها الأخت المؤمنة، حوِّلي معركتَكِ الخاسرةِ مع والديك، إلى معركةٍ رابحةٍ، معركةٍ مع نفسك الأمّارةِ بالسوء وشيطانِك الذي يُزَيِّن لك عملك، لِيجُرّك معه إلى الجحيم في العذاب المهين.
أيتها الأخت المؤمنة، إن كنت تُحبِّين والديك حَقًّا، فعبِّرِي عن حُبِّكِ لهما بإطاعة أوامرهما، وبالإحسانِ في معاملتهما، والإكثارِ من الابتسام في وجههما، وإدخالِ الفرح عليهما، وشُكرِهما على حسن تربيتهما لك، قال الإمامُ الشافعي: ”إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ“.
أيتها الأخت المؤمنة، إن كنت تُحبِّين والديك حَقًّا، فتقبّلي نصائِحَهما وتوجيهاتِهما برحابة صدر، وعن رِضىً وطِيب نفسٍ؛ حتَّى تنالي رضاهما وبركتَهُما.
أيتها الأخت المؤمنة، “إنّ مِن اختصاصات الوالد نُصْحَ ولده، وتذكيرَه وتأديبَه بالترغيب والترهيب والهجْر عند الحاجة، أمّا الولدُ فليس على أبيه سلطة ولا له في مخاطبته سطوة ولا ولاية، بل عليه ترقيق القول وخفض الجناح، وإدامة البشر وترك التأفف، فضلاً عن التضجر ورفع الصوت والإعراض،… وعلى هذا فليس للأبناء نصح الآباء إلّا في حدود الأدب واللباقة مع كمال التوقير وحسن الأدب”. (*)
أيتها الأخت المؤمنة، حبذا لو اهتممتِ بشؤون أسرتك الصغيرة إن كنت ذاتَ زوجٍ، واهتمي بمعاملته معاملةً حسنةً، ولا تُدْخلِيه في معركتِك مع والديك. إنّ الوالدين خطٌّ أحمر، مَن تعدّاه فإنه يُعرِّض نفسه لجهنّم.
نعم، إن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، قال النَّبِيُّ ﷺ: «ألا أُخبرُكُم بأكبرِ الكبائرِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قالَ: الإشراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوالدين»/ رواه البخاري.
وعواقبُه شديدةً ووخيمةً؛ ففيه عقوبة في الدُّنيا قبل الآخرة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بابانِ مُعجَّلانِ عُقوبتُهما في الدنيا: البَغْيُ، والعقُوقُ»/ رواه الحاكم في «المستدرك».
والعاقُّ لوالديه محرومٌ من نظرِ اللهِ إليه يوم القيامة، وممنوع من دخول الجنَّة؛ روى النسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «ثلاثةٌ لا ينظرُ اللهُ عزَّ وجلَّ إليهم يومَ القيامةِ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمرأةُ المترجِّلةُ، والدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى».
أيتها الأخت المؤمنة، إذا لم تتوبي إلى الله، وتطلبي المسامحة من والديك، فكيف تَرْجِين رضاهما عنك؟
أيتها الأخت المؤمنة، إن والديك قد يموتا في أية لحظة، ولو كان عندك مُسْكَة من عقل، لأسرعت إلى إرضائهما وطلب رضاهما قبل أن تزهق روحهما!
أيتها الأخت المؤمنة، توبي إلى الرحمن قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه حَسَبٌ ولا منْصِبٌ، ذلك اليومُ الذي قال عنه سبحانه وتعالى: ﴿یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ. وَأُمِّهِۦ وَأَبِیهِ. وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِیهِ. لِكُلِّ ٱمۡرِئࣲ مِّنۡهُمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ شَأۡنࣱ یُغۡنِیهِ. وُجُوهࣱ یَوۡ مَىِٕذࣲ مُّسۡفِرَةࣱ. ضَاحِكَةࣱ مُّسۡتَبۡشِرَةࣱ. وَوُجُوهࣱ یَوۡمَىِٕذٍ عَلَیۡهَا غَبَرَةࣱ﴾ [عبس 34-40].
(*) مقتبس – بشيءٍ من الاختصار – من كتاب «النصيحة: شروطها وآدابها» للأستاذ الدكتور عبد الرب نواب الدين.