رسالة إلى صغيرتي في يوم فطامها
رسالة إلى صغيرتي في يوم فطامها/ أحمد بلمختار
رسالة إلى صغيرتي في يوم فطامها
بقلم: أحمد بلمختار
الحمد لله حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وصلاةً وسلامًا على سيد الخلق محمدٍ، النعمة الكبرى، وشفاء الأرواح وضياء الأبصار.
أما بعد،
فما كان ذلك اليوم كأي يوم، حين أشرقت دنياي بوجهك الصغير المنير، ليلة الخميس الخامس عشر من رمضان، عام 1436 للهجرة. في إحدى مصحات مدينة وجدة، وضعتك أمك الغالية، فغمرت قلبي فرحًا لم أذقه من قبل، وأمطرت روحي بعطر طفوليٍّ لا يشبهه شيء. هنّأني الطبيب بمجيئك، وقبل أن أكتمل فرحتي بك، سألته عن حال أمك، فبشرني بسلامتها. هناك، فوق مقعد الانتظار، خررت ساجدًا شكرًا لله، وقد طال انتظاري لهذه النعمة.
رزقني الله بمحمد وعبد الرحمن قبلك، ووالله ما غاب حبهما عن قلبي، لكنك كنت حبًا من نوع آخر، بطَعمٍ لم أذقه من قبل، كأنّ الله تعالى يُلون النعم كما يُلون الأزهار، ويجعل الحب أشكالًا وأشواقًا.
بعد سجدتي، أسرعت إلى غرفة العمليات بإذن الطبيب، لتستقبلني الممرضة ببشرى المجيء، فدخلت عليك، ووجهك يضيء كما البدر في تمامه. رأيتك تبكين، ولم أعرف لدموعك سببًا، غير أني حين حملتك بين ذراعي، وقبلت جبينك، سكنت أنفاسك، فربما شعرت بحناني وسعادتي بك. أذّنتُ في أذنك اليمنى، وأقمت الصلاة في اليسرى، اتباعًا لسنة جدك محمد صلى الله عليه وسلم.
كنت قد علمت بأنك أنثى في الشهر الرابع من الحمل، فطار قلبي فرحًا، وبدأت أفكر في اسمك. اخترت لك أولًا “عائشة” تيمنًا بأم المؤمنين، ووفاءً لأمي رحمها الله، التي فقدتها صغيرًا. ثم شاء الله أن يريني رؤيا صادقة، رأيت فيها اسم “فاطمة الزهراء”، كريمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي كان يقوم لها إذا دخلت عليه، ويقبّل جبينها الطاهر. فسمّيتك فاطمة.
منذ أن أمسكت بثدي أمك أول مرة، وسعادتنا بك تملأ الدار. كنت أهبّ إليك إذا بكيت ليلًا، أحملك برفق، وأعيدك إلى حضن أمك، حتى تشبعي وتنامي قريرة العين. عشنا معك أجمل اللحظات، وكان قلبك حلوًا كالفجر، ووجهك يشع دفئًا في عتمة الأيام.
وها قد جاء يوم فطامك، بعد عامٍ وسبعة أشهر. يوم ثقيل على قلبي، أشدّ من يوم ثقب أذنيك حين بلغت السنة، ففررت من أمام الصائغ ودموعك تلاحقني بنظراتِ رجاء، كأنك تستنجدين بي.
في الأيام الأخيرة، مرضت أمك، واحتملت الألم عشرة أيام كي لا تحرمك من حليبها ودفء حضنها. حتى إذا اشتدّ عليها الأمر، رضيت بالذهاب للطبيب بعد أن أوصلناك إلى الحضانة. أسأل الله أن يشفيها، ويعوضك عن فطامك خيرًا، فما زالت نعم الله متجددة، وأرزاقه لا تنفد.
يا بنيتي، “كُلي واشربي وقري عينًا”، فدعائي أن يجعلك الله من الصالحات القانتات، ويحفظك من كل سوء، ويقرّ بك عيننا، ويبارك لك في عمرك، وينزّل عليك رضاه ورضانا.
اللهم احفظ أبناء المسلمين، وادفع عن أمة نبيك الكريم الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغمرنا جميعًا بلطفك ورحمتك.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وآله الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.