يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ

يقول الله عز وجل: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[1].

جاءت هذه الآية في سياق تعليم الصحابة رضوان الله عليهم الأدب في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة، وتربية النفوس المؤمنة على التواد والتراحم فيما بينهم من جهة أخرى.

 قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).

سبب نزول الآية كما بينه ابن عاشور في تفسيره، قال: “روي عن مقاتل أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم في الصُّفَّة، وكان في المكان ضيق في يوم الجمعة فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس، قد سبقوا في المجلس فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يفسح لهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر فقال لمن حوله: قم يا فلان … بعدد الواقفين من أهل بدر، فشق ذلك على الذين أقيموا، وغمز المنافقون وقالوا: ما أنصف هؤلاء، وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى مجلسه، فأنزل الله هذه الآية تطيبا لخاطر الذين أقيموا، وتعليما للأمة بواجب رعي فضيلة أصحاب الفضيلة منها، وواجب الاعتراف بمزية أهل المزايا.”[2]

فالآية تحض على الإفساح للقادم ليجلس، كما تحض على إطاعة الأمر، إذا قيل لجالس أن يرفع فيرفع، وظاهر الآية أنها تحض على إيجاد فسحة في المكان ليجلس القادم، ولكن حين نتدبر الأمر فهو تربية النفس أولا وإيجاد فسحة فيها، ومتى رحب القلب واتسع وتسامح واستقبل الجالس إخوانه بالحب والسماحة، فأفسح لهم في المكان عن رضى وارتياح، فهذه تربية الحق عز وجل لخير أمة أخرجت للناس. التربية على المحبة والتواد بين المؤمنين وما يتولد عنه من سماحة ونظام في الصف وطاعة لولي الأمر[3]،

قال صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”[4]، وقال صلى الله عليه وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”[5].

فالله سبحانه يعد المفسحين في المجالس بفسحة من الله لهم وسَعَة، (فافسحوا يفسح الله لكم)، ويعد الناشزين الذين يرفعون من المكان ويخلونه عن طاعة لأمر الرسول برفعة في المقام، (وإذا قيل انشزوا….)، فلا يظن من أُمِر بالخروج فخرج أن ذلك نقص في حقه، بل هو رفعة وزيادة قربى عند الله، وذلك جزاء تواضعهم وقيامهم عند تلقي الأمر بالقيام. فالآية تعلمهم أن الإيمان الذي يدفع إلى فسحة الصدر وطاعة الأمر، والعلم الذي يهذب القلب فيتسع ويطيع، يؤديان إلى الرفعة عند الله درجات، فيرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم والعالمين منهم خاصة درجات كثيرة في الثواب ومراتب الرضوان[6].

ولبيان منزلة العالم عند الله عز وجل ومكانة هذه الرفعة المذكورة في الآية، تكاثرت الأحاديث النبوية في بيان فضلها عند الله وعند الناس، ورفعت العلماء مكانا عليا. ولقد روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ” من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله به طريقا إلى الجنة”[7].

وفي حديث آخر يخبر صلى الله عليه وسلم: “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر”[8].

وارتباطا بهذه الآية، ورد عن ابن مسعود قوله: “مدح الله العلماء في هذه الآية، ثم قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم فإن الله يقول يرفع المؤمن العالم فوق المؤمن الذي ليس بعالم درجات.”[9].

وفي الختام أشير إلى كون لفظة درجات وتبيين من ينالها في القرآن وردت في القرآن أكثر من سبع عشرة مرة، وقرنت بلفظة الرفع ست مرات. وبَيَّنَ التنزيل من خصهم الله عز وجل ب: “الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ” أنهم صنفان من المؤمنين، )الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)[10]، في آية سورة النساء و(الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)، في هذه السورة، وهي آخر آية ذكر فيها لفظ درجة في ترتيب المصحف الشريف.      وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

[1].  سورة المجادلة، الآية 11.

[2]. ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج28، ص37.

[3]. ينظر في ظلال القرآن ليسد قطب، ج6، ص3512.

[4].  رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة

[5]. رواه البخاري،

[6]. ينظر في ظلال القرآن لسيد قطب، وتفسير المراغي

[7]. رواه مسلم وأصحاب السنن.

[8].  رواه أحمد وأبو داود والترمذي

[9]. الصابوني، صفوة التفاسير، ج3، ص305.

  سورة النساء الآية 34[10]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: