يا سعد أهل القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد شرف الله سبحانه أهل القرآن شرفا عظيما وخصهم بفضائل ومزايا لا تعد ولا تحصى، كيف ولا وهو كلام المولى عز وجل، هو حبله المتين ونوره المبين الذي أمرنا أن نعتصم به اعتصاما، ونتخذه إماما يهدي للتي هي أقوم وبه كانت أمة الإسلام خير الأمم.

فهو فضل الله الذي به وجب أن نفرح ورحمته التي في رحابها نسعد ونمرح، وهو في دنيانا عظة لنا كي لا نجور وشفاء لأدواء الصدور، وفي آخرتنا خير أنيس في القبور وحجة لنا يوم النشور، ومنقذنا من أن نكون مع ومن أهل الويل والثبور.

قال سبحانه في محكم كتابه: ”
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ [1]

جاء في تفسير هذه الآية: “يا أيها الناس، قدجاءكم كتاب جامع لكل المواعظ والوصايا الحسنة التي تصلح الأخلاق والأعمال وتزجر عن الفواحش، وتشفي الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد، وتهدي إلى الحق واليقين والصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وترحم المؤمنين رحمة خاصة.  وإن فضل الله ورحمته خير للمؤمنين مما يجمعون من حطام الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل”[2]، وروي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله“.[3]

وروي عن كعب الأحبار رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: “والسابقون السابقون[4]، قال:”هم أهل القرآن“.[5]

وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، كما جاء على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: “إن لله أهلين من الناس”، قالوا يا رسول الله من هم؟ قال: “أهل القرآن أهل الله وخاصته[6].

جاء في شرح هذا الحديث:

“قالوا: ومن هم؟ قال: “هم أهل القرآن، هم أهل الله وخاصته“، يعني: أولياؤه وأحبابه الذين يتلون القرآن ويعملون به، ويمتثلون أوامره وينتهون عن زواجره، ويقفون عند حدوده، ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، ويتعظون بمواعظه، هؤلاء هم أهل القرآن، وهم أهل الله وخاصته، وهم الذين يتلونه حق تلاوته، كما قال الله سبحانه:
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ).[7][8]

وقال صلى الله عليه وسلم: “أشراف أمتي أهل القرآن وأصحاب الليل[9]

ولقد كان الاهتمام بكتاب الله عز وجل والتمسك بهدأب الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، اتباعا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعلمهم أنه سبب النجاة والفوز في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ روي عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يَحِدَّ مع من حَدَّ، ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله”[10]

وقال صلى الله عليه وسلم: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه”[11]

قال الإمام الرفاعي في شرح هذا الحديث: “هذا الحديث الشريف يفيد أن الخيرية قد صحت لمن قد تعلم القرآن وعلَّمَه، لما في القرآن العظيم من بالغ الحكم، وغامض السر، وخطير الشأن، وهو حبل الله الأعظم، به يهتدي المهتدون، ويصل الواصلون. وهو خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباب الله تعالى، والمعجزة الدائمة، والنور الذي لا ينحجب. وعنه تأخذ أرواح العارفين أسرار المعرفة. وما المعرفة التي لم ترجع إليه! ما هي إلا زور وضلالة. ومتى تحقق العبد بالعلم بالقرآن العظيم فقد صار عارفا، وانكشفت له الأسرار الربانية، الملكية والملكوتية. ومتى صار عارفا حَنَّ وأَنَّ، وطلب زيادة العلم بالله من كل طريق وفن، وكل الطرق والفُنُون في القرآن العظيم. والعارفون هم الراسخون في العلم يقولون آمنا به، وإليه سير هممهم، وعنه يصدرون، وبه يهيمون، ومنه يأخذون.”[12]

وحب الله تعالى هو هدف كل مؤمن يسعى لدرجة الإحسان، ولا يتم هذا الأمر إلا بالعلم به سبحانه وتعالى، والعلم به سبحانه في كتابه، يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “إذا أردتم العلم فانثروا القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين”. [13]

وقال سفيان بن عيينة:” والله لا تبلغوا ذروة هذا الأمر حتى لا يكون شئ أحب إليكم من الله، فمن أحب القرآن فقد أحب الله”. [14]

وعن كعب الأحبار رضي الله عنه قال: “عليكم بالقرآن فإنه فهم العقل ونور الحكمة وينابيع العلم وأحدث الكتب عهدا بالرحمن”. [15]

وقال أحمد بن أبي الحوراني: “إني لأقرأ القرآن فأنظر فيه آية آية؛ فيحار عقلي فيها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يُهْنيهم النوم ويسيغهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتكلمون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به، واسْتَحْلُوا المناجاة به؛ لذهب عنهم النوم فرحًا بما رزقوا ووفقوا” [16].

ولقد عرف علماؤنا الأولون حق القرآن وأيقنوا بعظمته وفضله وكانت هممهم عالية فخدموه واجتهدوا في حفظه وتفسيره والعمل به، فكان إماما لهم في حياتهم، ومع ذلك ندموا في أواخر حياتهم على ما كان منهم من تقصير في حقه؛ فهذا ابن تيمية رحمه الله يقول في آخر حياته: “ندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن”.[17]

وهذا سفيان الثوري يقول: “ليتني كنت اقتصرت على القرآن”.[18]

ومن هذه الأقوال يتبين أن علاقة الحافظ بالقرآن هي علاقة وطيدة توجب فهمه وتدبره، حيث الاقتصار على حفظ الحرف وحده غير كاف،وإن كان ثواب الحافظ عظيم عند الحق سبحانه،ولكن أهل القرآن الذين اصطفاهم الله وقربهم وجعلهم الأخيار وأخيار الأخيار المتمسكين بالعروة الوثقى، هم الذين إلى جانب حفظهم الحرف، اعتصموا به اعتصاما جامعا،حتىأصبح -بحرفه وأحكامه ونوره- قبلة أرواحهم وضياء دنياهم وزادهم الذي يتزودونه لآخرهم.ولقد حذر الصحابة رضوان الله عليهم، وبعدهم التابعون،من الاهتمام بحفظ الحرف دون العمل به؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ” أنزل عليهم القرآن ليعملوا به، فاتخذوا دراسته عملا، وإن أحدكم ليقرأ القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به”.[19] وقال الحسن البصري: ” والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدكم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا، وقد أسقطه والله كله، ما يرى للقرآن عليه أثر في خلق ولا في عمل”[20].

وأخيرا، وبعد الذي تقدم، فهل من همم تهب لتغبط أهل القرآن وتتوجه في كل ساعة هي مظنة الإجابة وخاصة في جوف الليل تسأل وتتضرع للرحمن الذي هو لا غيره علم القرآن، ليفتح لها في حفظه وتثبيته وتدبره وفهم معانيه، والعمل به والتخلق بأخلاقه وتعلمه وتعليمه، والعكوف على خدمته لنيل سعادة الدارين. وأردد ما به عنونت هذه المقالة:ألا يا سعد أهل القرآن.


[1] يونس، الآية57-58

 وهبة الزحيلي، التفسير المنير، ج11،ص 201[2]

[3] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج10، ص 205.

[4] سورة الواقعة، الآية  12

[5] أبو نعيم، حلية الأولياء،ج5،ص377.

[6]سنن ابن ماجة، كتاب المقدمة، باب فضل من تعلم القرآن وعلمه حديث رقم 215

[7] البقرة، الآية 120.

[8] الراجحي، شرح سنن ابن ماجة، ج14، ص7.

[9]رواه الترمذي في سننه.

[10] أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب فضائل القرآن، حديث رقم 2028.

[11]رواه البخاري عن سيدنا عثمان رضي الله عنه، كتاب فضائل القرآن، ح رقم:5027

كتاب أهل الحقيقة مع الله، الإمام الرفاعي، ص85.[12]

[13]الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، ج1 ص498.

 أبو نعيم، حلية الأولياء،ج7، ص278.[14]

[15]المصدر نفسه، ج5، ص 376.

[16]أبو نعيم، حلية الأولياء،ج10، ص22.

 محمد يوسف، ابن تيمية، ص140[17]

أبو نعيم حلية الأولياء،ج5، ص366.[18]

[19]الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، ج1 ص345.

[20]رواه ابن كثير في تفسيرهعن ابن أبي حاتم،ج7،ص64

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: