هل وضعت برنامجك لشهر رمضان؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد، فإن مجرد الأماني المعسولة لا يتحقق بها شيء، لا في أمور الدين ولا في أمور الآخرة، إذا لم تكن لك إرادة قوية، وخطة محكمة مكتوبة، وعزيمة وتطبيق ومتابعة ومحاسبة، وهذا شهر رمضان، شهر التوبة والغفران، فكيف تنجح فيه لتطهير نفسك من الذنوب؟

*التوبة رحمة ومنة من الله لعباده*

إن من أعظم نعم الله على عباده أن فتح لهم باب التوبة والإنابة، وجعل لهم فيه ملاذاً أميناً، وملجأً حصيناً، يلجه المذنب، معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، ليجد في قربه من ربه ما يزيل عنه وحشة الذنب، وينير له ظلام القلب، وتتحول حياته من شقاء المعصية وشؤمها، إلى نور الطاعة وبركتها.

فقد دعا الله عباده إلى التوبة مهما عظمت ذنوبهم وجلَّت سيئاتهم، وأمرهم بها ورغبهم فيها، ووعدهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات رحمة ولطفاً منه بالعباد.

*منزلة التوبة في الإسلام*

التوبة هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، لا يفارقها العبد ولا ينفك عنها حتى الممات، وإن ارتحل وارتقى إلى منزل آخر ومرتبة عليا من الدين ارتحل بها واستصحبها معه، فهي بداية العبد ونهايته، ولذا خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه، وأمرهم أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وجهادهم، وعلق الفلاح بها.

فقال سبحانه: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (سورة النور، الآية 31)، وقسَّم تعالى العباد إلى تائب وظالم، وليس هناك قسم ثالث، قال سبحانه: (ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) (سورة الحجرات، الآية11)

وصح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ) رواه مسلم.

وإذا كان نبينا – صلى الله عليه وسلم – الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) رواه مسلم، فكيف بغيره من المذنبين والمقصرين.

والتوبة الصادقة تمحو الخطايا والسيئات مهما عظمت، حتى الكفر والشرك، فإن الله تبارك وتعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، قال سبحانه: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين)( سورة الأنفال، الآية 38)، بل حتى الذين قتلوا الأنبياء، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وقالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، دعاهم للتوبة، وفتح لهم أبواب المغفرة فقال سبحانه: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) (سورة المائدة، الآية 74)، وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل: ( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم ) رواه مسلم، وفي حديث آخر: ( يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي.

*رمضان شهر التوبة*

ورمضان من أعظم مواسم التوبة والمغفرة وتكفير السيئات، ففي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (… ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، كيف وقد جعل الله صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر على وجه الخصوص إيماناً واحتساباً مكفراً لما تقدم من الذنوب؟!

*لماذا رمضان فرصة للتوبة؟*

لأن العبد يجد في رمضان من العون ما لا يجده في غيره، ففرص الطاعة متوفرة، والقلوب على ربها مقبلة، وأبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، ودواعي الشر مضيقة، والشياطين مصفدة، وكل ذلك مما يعين المرء على التوبة والرجوع إلى الله.

فلذلك كان المحروم من ضيع هذه الفرصة، وأدرك هذا الشهر ولم يغفر له، فاستحق الذل والإبعاد بدعاء جبريل عليه السلام وتأمين النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال جبريل: ( يا محمد، من أدرك شهر رمضان فمات ولم يغفر له فأُدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقال: آمين ) رواه الطبراني، وقال – صلى الله عليه وسلم-: ( رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ) رواه الترمذي.

وإذا كان الله عز وجل قد دعا عباده إلى التوبة الصادقة النصوح في كل زمان، فإن التوبة في رمضان أولى وآكد، لأنه شهر تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وتعتق فيه الرقاب من النار، ومن لم يتب في رمضان فمتى يتوب؟!.

*شروط التوبة*

للتوبة شروط ستة لابد من توفرها لكي تكون صحيحة مقبولة:

أولها: أن تكون التوبة خالصة لله تعالى.

ثانيها: أن تكون التوبة في زمن الإمكان، أي قبل أن تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تنفع معها التوبة، قال تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً)( سورة الأنعام، الآية 158)، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم، فإن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر، كما أخبر بذلك المصطفى – صلى الله عليه وسلم.

ثالثها: الإقلاع عن الذنب، فلا يصح أن يدعي العبدُ التوبة وهو مقيم على المعصية.

رابعها: الندم على ما كان منه، والندم ركن التوبة الأعظم، فقد صح عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ( الندم توبة ) أخرجه ابن ماجه.

خامسها: العزم على عدم العودة إلى الذنب في المستقبل.

سادسها: رد الحقوق إلى أصحابها والتحلل منهم، إن كان الذنب مما يتعلق بحقوق المخلوقين.

فحري بنا ونحن نستقبل شهر رمضان أن نتخفف من الأوزار، ونقلع عن المعاصي والموبقات، ونتوب إلى الله توبة صادقة، وأن نجعل من رمضان موسما لتقييم أعمالنا وتصحيح مسيرتنا، ومحاسبة نفوسنا، فإن وجدنا خيراً حمدنا الله وازددنا منه، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرنا منه، وأكثرنا من عمل الصالحات.

*اغتنم مجيء رمضان قبل ان يرحل*

حتى لا يمر علينا شهر رمضان مثل رمضان السنوات الفارطة، كله مجرد طعام وشراب، وسهر وسمر وتسكع في الشوارع والطرقات بالليل، والنوم بالنهار. وقلة الذكر والصلاة وتلاوة القرآن وحفظ الجوارح واللسان، وتحري الحلال في الطعام والشراب.

وحتى نستفيد من هذا الشهر المبارك، لابد من كتابة خطة محكمة، والتعاون مع مجموعة من المؤمنين على تنفيذها على أرض الواقع، وهذه بنود هذه الخطة:

1– اشتهر رمضان عند البعض بأنه شهر الطعام والمسلسلات والمسابقات، فخططوا كيف تغيرون ذلك بالنسبة لكم على الأقل.

2- – خططوا قبل رمضان، لتكونوا بعد رمضان أفضل مما كُنْتُمْ عليه قبله لا أثناءه.

3 – – من أكبر أسباب فشل الخطط عدم تفريغ وقت للتخطيط، فخصصوا ساعتين قبل بدء رمضان لكتابة خطتكم في رمضان، وتأكدوا أن كل هدف قابل للقياس.

4 – – اكتبوا خطة رمضان قبل حلوله، وراجعوها عدة مرات، لتحسينها ولتجديد النية وتصفية الإخلاص لله تعالى.

5- – الأهداف المكتوبة تتحقق أكثر من التي في الذهن فقط، فاكتبوا أهدافكم التي تنوون تحقيقها في رمضان.

6- – الأهداف القابلة للقياس تتحقق أكثر من الأهداف العامة، فلا تكتبوا مثلاً: سأقرأ في رمضان أكبر عدد من الأحزاب القرآنية، بل اكتب مثلا، سأختم القرآن في رمضان 3 مرات بنسبة ستة أحزاب في اليوم، وختمة في كل عشرة أيام.

7- – حددوا خمسة أمور فقط تريدون أن تتحسنوا فيها، واكتبوها، وتابعوا وحاسبوا أنفسكم فيها، ولا تتوقعوا أن تتحسنوا في كل شيء دفعة واحدة.

8- – من أكبر مضيعات رمضان، السهر بالليل، والنوم بالنهار، وقضاء الوقت أمام التلفزيون، فحددوا لكل منها ساعات لا تتجاوزونها أبداً، فرمضان يمر بسرعة، والمحروم من ضيعه وحرم فضله.

9- – رتبوا جدولاً يومياً بتحديد ساعة الاستيقاظ والتزموا بها، واحرصوا على عدم السهر لتستيقظوا لقيام الليل.

10 – – اختاروا برنامجاً تلفزيونياً مفيداً واحداً وبالكثير برنامجين للالتزام بمشاهدتها، واتركوا مشاهدة الباقي فسيتم إعادتها بعد رمضان إن كانت تهمكم.

11 – – حددوا فترة زمنية للخلوة اليومية مع القرآن بدون مقاطعات. مع المحافظة على سور وآيات فاضلة يوميا لما فيها من تحصين الفرد ونيل فضل تلاوة تلك السور والآيات التي رغب الإسلام في تلاوتها.

12 – – البعض يرى أن الأهم كمية قراءة القرآن، والبعض يرى أن القيمة هي للفهم، والجمع بينهما أفضل، بحيث يخصص ربع الوقت القرآني للتفسير، فالقرآن نزل للفهم قصد التطبيق.

13 – – حددوا 3 أنواع من التعامل مع القرآن:

١- كمية كبيرة للقراءة.

٢- كمية أقل للحفظ.

٣- تحديد أجزاء أو سور ترددونها كثيراً لقراءة تفسيرها.

14- – الحرص على الانضباط بالثوابت اليومية التي لا يطرأ عليها تغيير طيلة أيام رمضان:

أ- الصلوات الخمس في الجماعة للرجال ما أمكن وخصوصا الفجر والمغرب.

ب – صلاة التراويح كاملة، تراويح العشاء والفجر.

ج- المحافظة على النوافل التي تكون قبل الصلوات المفروضة وبعدها وتسمى الرواتب.

د- المحافظة على صلاة الضحى، من ركعتين إلى ثمان ركعات.

15- – الإكثار مع المحافظة على الأذكار الثلاثة المأذون فيها من قبل الشرع، وغير المؤقتة بوقت، والمطلوب الإكثار منها يوميا، وهي:

أ- الاستغفار، والذي تصقل به القلوب وتطهر، (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم).

ب – والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم التي يتنور بها القلب، بأية صيغة اخترت، وهذه صيغة المكيال الأوفى، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى، إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلْ: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النبي، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ”)

أخرجه البخاري في الكبير (2/1/87)، وأبو داود (982)، والعقيلي (1/318)، والبيهقي (2/151)، والمزي (19/52).

ج- والإكثار من الكلمة الطيبة التي يتجدد بها الإيمان، والتي يعد قولها أعلى شعب الإيمان (لا إله إلا الله).

وبهذه الثلاثية يتحقق له التطهير والتنوير والتعمير.

16- – المحافظة على أذكار الصباح والمساء والتي تسمى أدعية التحصين، بالإضافة إلى الأذكار المؤقتة بزمان أو بمكان، كذكر الإفطار، وذكر دخول المنزل والخروج منه وغيرها.

17- – لو كانت لديكم زيارة لملك جواد، لفكرتم وحددتم ماذا ستطلبون منه، ولله المثل الأعلى، فدعوة الصائم لا ترد، فخططوا للدعاء بتحديد ماذا ستطلبون، فالله يحب العبد الملحاح. يقول عمر رضي الله عنه: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء). فخططوا للدعاء، واجعلوه أقساماً:

النفس، والأهل، والأحباب، والأمة، ولا تغفلوا عن دعاء الرابطة.

18- – حرصا على عدم تضييع الوقت، التزموا بمسجد واحد للتراويح، وحبذا أن يكون مما يختم فيه القرآن كاملاً.

19 – – من هم بحسنة فعملها كتبت له عشراً، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فارفعوا من طموحاتكم في رمضان فأنتم الرابحون في كل حال.

20- – لإنجاح البرنامج، لابد أن نعرف أن العمل الجماعي بما فيه العبادة أسهل على النفس، فابحثوا عن مجموعة من المؤمنين تتفقون معها على تفعيل مواد البرنامج، والمتابعة فيه، والتنافس عليه، والتعاون على أنشطة جماعية بعد رمضان (سواء عبادية أو اجتماعية).

والله الموفق

 

اظهر المزيد

بن سالم باهشام

أستاذ العلوم الشرعية بخنيفرة المغرب. عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عضو رابطة علماء المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: