موسم الهجرة إلى الكتب

 إن الحديث عن هذه الكائنات الغريبة  التي تدعى: “الكتب”! لايهم إلا من أغلق على نفسه باب الدنيا وفتح باب المكتبة وقال: هذا مغتسل بارد وشراب!.. فقيمة الكتب تكمن فيما تحمل بين دفتيها لا فيما يقال عنها، أيا كان القائلون كما يقول نيتشه،وآية ذلك أنك تسمع بعضهم يمدح كتابا بما ليس فيه حبا وهياما وقد يكون تعصبا فإذا تناولت الكتاب لم تجد فيه ما يدعو إلى كل هذه الجبلة … 

 فحـُق لهذا الكائن العجيب أن يكون له عشاق متيمون لايبغون عنه حولا ولا يرضون عنه بدلا! فتجدهم ينفقون سائر نهارهم وشطرا من ليلهم يسبرون أغواره بكل أناة وحلم! فهذا شيخ المحققين عبد السلام محمد هارون (رحمه الله تعالى) يحدثنا في كتابه “تحقيق النصوص ونشرها” أنه قرأ كتاب الحيوان للجاحظ سبع مرات   لتحقيقه ورجع إلى 290 مرجعا! وقد أثر عن أحمد بن حنبل(رحمه الله) أنه سئل:”إلى متى تستمر في طلب العلم وقد أصبحت إماما للمسلمين؟ فقال:” من المحبرة إلى المقبرة” فهذا حال السلف الذي ربط القراءة بالحياة وكانت أنفسهم على الأوقات محفوظة ! حتى قيل: إن الصاحب بن عباد كان يصطحب معه جمالا تحمل له الكتب في رحلته. 

 غير أن الكتب درجات ومنازل تماما مثل باقي بني البشر، منها ما يصلح للتسلية وتجزية الوقت، وهذا دأب الروايات والقصص البوليسية…وأخرى لإجالة النظر وإعمال العقل ككتب الشريعة والفكر واللغة، فإذا جدت النفس تناولت كتابا في  العلوم والفنون، وإن أصابها فتور حنت إلى جلسة في ضيافة روائع: المنفلوطي والرافعي والعقاد وطه حسين..

فالقراءة  مادة التفكير الذي يعتبره العقاد في أحد أسفاره (الماتعة) فريضة إسلامية. وقد سُئل فولتير عمن سيقود الجنس البشري، فأجاب: “الذين يعرفون كيف يقرؤون”.

 لكن الكل يحضك على القراءة؛ فالذي لايقرأ لايستطيع أن يعيش في خضم هذا العالم الصغير الذي لامكان للأمي فيه، حتى فكر الناسُ وجعلوا للقراءة يوما عالميا مشهودا! (24 أبريل). لكنه يراودك سؤال مؤرق للغاية؛ ماذا أقرأ؟ ومن أين أبدأ؟، فقد ذهب الناس في هذا مذاهب شتى، فقال بعضهم:” إقرأ  كل شيء…حتى وإن تعلق الأمر بقراءة كتب الطبخ وتفسير الأحلام وكيف أصبح غنيا في خمسة أيام…” والحقيقة عندي: :”لاتقرأ إلا مايستحق أن يُقرأ، وإياك أن تقع في شَّرَك ” الكتب الأكثر مبيعا في العالم” فتهذر وقتك الثمين في غير طائل”. واعلم (رحمك الله) أن الكتب نوعان: نوع يدعوك إلى الجنة وفردوس التفكير، ونوع  لا يفرقك حتى تبذل حشاشة عقلك فتهلك! كما يفعل رفقاء السوء ” فتلقى في نفسك ما يغضب الله عليك” كما قال عمر بن عبد العزيز في وصيته لميمون بن مهران.

وخير القراءة تلك التي تدعوك إلى القراءة، وأذكر لما وقع بين يدي “في صالون العقاد كانت لنا أيام” لتلميذه النجيب منصور أنيس، قرأته غير مرة فكنت كل مرة أكتشف فيه  شيئا جديدا، فاتهمت نفسي بل عقلي أني لم أتصفح الكتاب قط، إلا أنني كنت أفتقر إلى الجد، فالقراءة الجادة:” هي أن تقرأَ بلهفة وتركيز كما لو كنت تبحث عن سطر فيه إنقاذ حياتك من مصيبة محقّقة”(ربيعيات ص44).

وإني لأشفق على أولئك الذين لايعرفون القراءة والكتابة كيف يعيشون؟ وأين يجدون تلك اللذة التي لاتعرف إلا عند نهاية كتابا أو رواية. فما أضيق العيش لولا فسحة الكتب! (ربيعيات ص4). فالذي يقرأ كثيرا يعيش كثيرا وقد عبّر عباس محمود العقاد عن هذا بقوله :” أهوى القراءة؛ لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لاتكفيني”(أنا ص85)..

وأعجب ممن يرمي العرب قاطبةً بالجهل، ويتهمونه زورا وبهتانا بأنهم جهلة، فهذا كلام عام ينم عن حقد دفين لكن هذا الجاهل (كناطح صخرة يوما ليوهنها) ربما لم يكلف نفسَه عناء دخول مكتبة من المكتبات ليرى بأم عينيه ما أنتجته العقول العربية. أما اليوم فقد تراجعت القراءة في مجتمعاتنا العربية لأسباب كثيرة ممنهجة [أنتم أدرى بها مني]. لكن مع ذلك هناك فئة لاتبرز للأضواء  فتفضل القراءة في”الظل”مخافة الرياء والتصنع! حتى أن البعض يعتبر القراءة في الأماكن العامة وسط هذه الفوضى التي لا أبا بكر لها، ضرب من التكلف، فللقراءة أماكن خاصة.

كما يستحسن أن لا يزور القارئ المكتبات والمعارض حتى يحدد ماذا يريد أن يقرا على وجه التحديد. وإلا سيقع له ما وقع لخِراش حين خرج للصيد ذات صباح فوجد الظباء تملأ السهل والوادي، فوقف متسمرا في مكانه لايحرك ساكنا؛ فصور لنا الشاعر قصته بقوله:

تكاثرت الظباءُ على خراشٍ                 فما يدري خِراشُ ما يصيدُ

وأن لايقتني إلا ماليس له منها بد! حتى لايصاب بتخمة جمع الكتب وتكديس بعضها فوق بعض ، وهذا ما نجد معناه في قول الشاعر:

 وأشدّ ما ألقاه من ألم الجوى            قربُ الحبيب وما إليه وصول 

 كالعيسِ في البيداء يقتلها الظمأ         والماء على ظهورها محمول

وإني لأفضل أن تدفعَ تلك النقود إلى أرملة أو يتيم خير له لو كان يعلم.. وفي النهاية لا أنصحك إلا بما ترنو إليه نفسك، ويستحق أن يهزم وقارك، فتضحك تارة وتبكي تارة أخرى حتى يُظن بك الظنون. واستمتع لحظة إقبال نفسك على الكتاب ولا تكرهها عندما تدبر.



المراجع:

  • أنا عباس محمود العقاد
  • ربيعيات ربيع السملالي
  • روضة الزاهدين علي الكليب
  • لسان العرب ابن منظور
  • مذكرات قارئ لأحمري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: