منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحضارة والإنسان

محمد ياسر منصور

0

الحضارة والإنسان

بقلم: محمد ياسر منصور
كاتب وإعلامي سوري

الحضارة اسمٌ عام لجميع أنواع الرُّقيّ. وتتجلَّى مَعالمها بالنَّهضات في كافة مَناحي الحياة. ويعني التكامل الحضاري لأُمَّة من الأُمم أو شَعب من الشعوب وصوله إلى أعلى درجات الرُّقيّ البَشري.

إلاَّ أنَّ الحضارات تتمايز عن بعضها البعض بحيث يكون لكل حضارة شخصيتها التي تدلّ عليها . فكل حضارة تُبرز في ذاتها واحداً أو أكثر من خطوط التقدم . فعملية التقدم الحضاري ليست بالضرورة ذات خَطّ بَياني متصاعِد . فقد تَذوي الحضارة في منطقة ما بعد أن شَهدَت ازدهاراً، وقد تتفكَّك ويحلّ محلّها عَصر مُظلِم . كما قد تختفي في مرحلة تاريخية وقد تزول نهائيَّاً، ولكن في كل الأحوال فإنَّ الإبداعات القيِّمة التي أنتَجتها الحضارة تبقى آثارها تدلّ عليها . كما تختلف الحضارات في مَظاهرها، فالناجحة منها كلُّ متماسك ومتكامل، فنشاطها الاقتصادي لا ينفصل عن نشاطها السياسي , ولا تتناقض مقاييسها الاقتصادية والسياسية مع مقاييسها الخُلُقيِّة وإبداعاتها الفنيِّة ورُؤاها الفكريِّة ونَظرتها السليمة للحرية . فتحقيق الإنسان لِكَمال قوَّته وكَمال وُجوده يستلزم بالضرورة أن يُحقِّق كَمال حريته، وها الكَمال لا يتحقق إلاَّ بِحُريّة الاختيار ضِمن مَفاهيم الحَقّ والخَير والجَمال.

والحضارات تتَّصف بِكَونها إنما جاءت لِتَرفَع من سَويّة الإنسان في كافة الصُّعُد المادية والروحية، فهي في جَوهرها إنسانية لأنَّها تعتني بروح الإنسان وجَسَده. فالإنسان مِحوَر الحضارات ومَوئلها . فهو الذي يُقيمها ويُطوِّرها ويدفعها قُدماً لبلوغ أسمى غاياتها . وبالعكس من ذلك، قد يُسهِم في زمن ما بِهَدمها واندثارها. لذلك يبقى الإنسان مَحَطّ دراسة الحضارات، لأنَّ دراسة الظواهر الاجتماعية والفنية والاقتصادية والسياسية إنَّما تتم من خلاله لأنَّه صانِع التاريخ والحضارات .

وتختلف وُجهات النَّظَر الفلسفية في أُسس نُشوء الحضارات ومَولدها . فيعزوها بعضهم إلى أنها وليدة المُعطَيات المتواجدة في الطبيعة ( مناخ، تربة، مياه ن مواد أوليِّة ..)، كما يعزوها البعض الآخر إلى أنَّ لكل حضارة مَصيراً محتوماً حتى قبل أن تُوجَد، إذ أنَّ الحضارات شأنها شأن البَشر تَتبَع خطَّاً واحداً.. من المَولِد فالفتوَّة فالشباب، حيث تكون الحضارة في أعلى مراتبها، ثم يعقب ذلك الانحدار فالمَوت .

وتكثر النظريات والنَّظرات في مَولد الحضارة ونُشوئها وأسبابها، إلاَّ أنَّ أبسَط النظريات في نُشوء الحضارات وأهمّها، بل وأقربها إلى المَنطِق، نظرية المؤرِّخ البريطاني ( أرنولد توينبي )، حيث يرى أنَّ مَولِد الحضارة يُعزى إلى ظروف قاسية بشكل غير عادي بحيث تُشكِّل هذه الظروف تحدياً لمجتمع ما فيحاول هذا المجتمع أن يُواجه هذا التحدِّي بنجاح ويتغلَّب عليه، وقد يؤدِّي هذا الحافِز إلى تحسين قوَّته الداخلية وقُدراته الخَلاَّقة إلى درجة كبيرة بحيث يؤدِّي ذلك إلى مَولد ما نُطلق عليه اسم الحضارة، وعليه فإنَّ مَولِد الحضارة عنده لا يُعزى إلى تفوُّق جنس بشري مُعيَّن أو إلى ظُروف ملائمة بشكل غير عادي، بل إلى ظروف قاسية بشكل غير عادي.

ونموّ الحضارة عند توينبي ليست عملية بيولوجية أوتوماتيكية تجيء في الإنسان ويستجيب لها مُواجَهةً واستجابةً فعاليتين .

أمَّا الكاتب الروسي ( سوروكين )، فيرى أنَّ الحضارة لا تُولَد ولا تموت ولا تتحلَّل . فهي ليست نظاماً متكاملاً ولا وحدة ثابتة متماسكة، ولكنها تكتُّل لظواهر ثقافية: سياسية واقتصادية وعلمية ودينية واجتماعية، .. الخ، يمكن أن تنتقل من حضارة لأخرى . ومع أنَّ عدداً من هذه الظواهر يتَّحد في فترات معيَّنة ليُشكِّل ما نُسمِّيه حضارة فَمِن الجائز أنَّ بعضها وُجِد قبل ظُهور الحضارة أو أنه يحيا بعد اختفائها، ومعنى ذلك أنَّ الحضارة لا تُولَد أو تندثر حقيقةً، ويقول سوروكين: ” إنَّ قِيَماً كثيرة من الحضارة ( الإغريقية ـــ الرومانية ) ما زالت تُقلَّد وتُطبَّق وتُدمَج في حضارتنا وثقافتنا ونُظمنا وعقليَّتنا وسلوكنا وعلاقاتنا .. ” .

إنَّه ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الميِّزة التي تختصّ بها الحضارات من المجتمعات البدائية أنَّ هذه المجتمعات نائمة راكدة لا تتغيَّر، فهي تستقرئ الطبيعة فتنفعل بظواهرها وأحداثها وتخضع لها . وهي على النقيض من الحضارات التي تكون في حركة مستمرَّة لأنَّها تصنع التاريخ . فالإنسان طوَّر حياته من الحياة البدائية البسيطة في الكَهف والغاب مُستعملاً الأدوات الحجرية إلى حياة عصرية جديدة، حيث أدانَ

لسلطانه قوى الطبيعة فاستنبط طاقاتها وسيطر على بيئاتها وسخَّرها لبحثه العلمي إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من مكتشفات علمية باهرة في شتى المجالات الحياتية فَطَرقَ أبواب الكواكب بمركبات فضائية حَمَلته إليها، وبَدَت التكنولوجيا الحديثة في عصرنا الحاضر وكأنها الدليل الحيّ على نموّ الحضارة، وبدأت الآلة الحديثة تأخذ إلى حَدٍّ ما دَور الإنسان في العمل والتفكير في مجالات كثيرة وأهمها مجال الرفاه الاجتماعي وتحسين معيشة المجتمع بحيث بَدَت طرائق الحياة تتغيَّر وتتبدَّل، وهذا الأمر نتيجة منطقية لعمل الإنسان المتحضِّر، فهو مُفكِّر يُبهجه أن يفعل أشياء مختلفة في كل مرَّة، فهو يُغيِّر نَمط حياته بسرعة أكثر . فالآراء تنمو لديه وتنضج وتطفر وتتطور ثم تظهر في دنياه المتطورة بمعدَّلات نسبيِّة نحو الأحسن كلَّما زادت قُدراته ومَلكاته الفِعليِّة .

لقد زادت غَلبة الإنسان على البيئة عندما استفاد من السيطرة على الطاقة، ولم يكن ذلك مُصادَفة وإنما نِتاج خبرة بشرية طويلة ونتاج بحوث علمية قيِّمة من الفَلك إلى الطاقة الذريِّة، مستعملاً الأجهزة العلمية والتقنية العالية . لقد ألَّبَ الإنسان البيئة على نفسها واستفاد من المعركة .

مِمَّا تقدَّم، يُلاحَظ التلازم الحَتمي بين الإنسان والحضارة مِمَّا يستدعي القَول بأنَّ الحضارة وإن كانت مُلكاً لمُجتمعها الذي وُلِدَت فيه ونَمَت بين ظَهرانيه ولكنها في النهاية مُلكٌ للمجتمع العالمي نتيجة للتواصل البَشري بين مختلف أُمم وشُعوب العالم ومجتمعاته وللمصير المُشترَك الواحد الذي يجمعهم . فثمَّة مشكلات إنسانية تَهمّ الجميع، تستلزم تكاتُف وتضامُن وجُهود المجتمع البشري للتصدِّي لها والتغلُّب عليها، لأنَّها تُعيق التقدم الحضاري الإنساني وتُهدِّد مستقبل البشرية كَكُلّ، ومن هذه المشكلات، بل أهمها ما يلي:

  • مشكلة الاستعمار بشتى صوره وأشكاله، وإعطاء الشُّعوب حقّها في تقرير المَصير.
  • تزايُد التسلُّح النووي ومشاكل التلوُّث.
  • تزايُد الكتلة البشرية وتَناميها وتأمين المَوارد اللازمة لها.

وتقوم الحركات التحررية في شتى أُمم وشعوب العالم بالنضال من أجل مواجهة هذه التحديات والتنبيه لِمَخاطرها.

ومَنطِق التاريخ يقول بأنَّ النَّصر و حَليف الشعوب والأُمم المُكافِحة لتأخذ مكانها اللَّائق بها تحت الشمس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.